قطاع غزة قطاع الغرائب والمعجزات وخوارق العادات، فقد لا يماثله في الكون مكان، ولا يشابهه في الزمان حال، ظاهرةٌ تستحق الدراسة، وتستوجب التوقف والتأمل، فهو غريب في عددِ سكانه، فمساحته صغيرة، تضيق وتتسع بين بحرٍ مغلق وعدوٍ لا يرحم، ولكنه يضم بين حدوده الأربعة، نيفٍ عن المليون ونصف مليون مواطن، يشكلون في تعدادهم أكبر كثافة سكانية في العالم، يعيشون في مدنٍ صغيرة، وبلداتٍ بسيطة، ومخيماتٍ مكتظة، ورغم المساحة الجغرافية المحدودة إلا أن سكان قطاع غزة يزدادون، ولا غرابة في ازدياد العدد، وإنما الغرابة في التزايد المستمر في نسبة المواليد الذكور، إذ يكاد يكون قطاع غزة المنطقة الأكثر تزايداً في نسبة الذكور في العالم، وترصد مستشفيات قطاع غزة أحياناً نسبة المواليد الذكور إلى الإناث في اليوم الواحد 1:10، في الوقت الذي تشكو فيه مناطق كثيرة في العالم من تراجع في نسبة المواليد الذكور.

أليس غريباً أن يصمد قطاع غزة المحاصر والمطوق من كل مكان أمام آلة الحرب الإسرائيلية الوحشية، وأن يتمكن من إفشال مخططات الجيش الإسرائيلي، ويمنعه من تحقيق أهدافه، خلال حربٍ دموية غير أخلاقية، وغير متكافئة، على مدى أكثر من عشرين يوماً، رغم أن أحداً لم يمد يد العون والنصرة إلى سكان قطاع غزة الصامدين والمقاومين، أليست أسطورة أن يصمد أهل القطاع أمام الجيش الإسرائيلي “الأسطورة الذي لا يهزم”، وفي نفس الوقت يتبارى أبناؤه، ويتنافس مقاوموه أيهم يتقدم الصفوف، وأيهم ينال الشهادة قبل غيره، وقد يكون اسحق رابين وهو جنرال إسرائيل الأكبر قد أدرك غرابة قطاع غزة عندما كان يردد “ليتني أستيقظ يوماً فأجد أن غزة قد ابتلعها البحر”، فغزة أطفالها صيدٌ أباةٌ كماةٌ لا يتقنون شيئاً أكثر من إتقانهم للمقاومة، ولا يعرفون خبرةً أفضل من الصمود والثبات، ومقاومو قطاع غزة رجالٌ كالأسود البواسل، وأطفالٌ كسنى البرق اللامع، ونساءٌ ينجبن الرجال، ويتقدمن الصفوف، ويحدون الركب نحو المقاومة والثبات، فيضحين بلا بكاء، ويقدمن بلا دموع، ولا ينتحبن ولا يولون، ومنهن من قدمت أكثر من شهيدٍ، ولداً وأخاً وزوجاً، ومنهن من جهزن أبناءهن للمقاومة، وأعددن له الجعبة وزنار الشهادة.

أليس غريباً على قطاع غزة الصغير المساحة، المحاصر من كل مكانٍ، والمحارب من بعض الأهل، والمحصور في شعبٍ هو أصغر من شعبِ أبي طالب، والذي يعاني من قسوة العدو، ومن ظلم ذوي القربى، الذي قد يكون في بعض الأحيان أشد وأنكى من ظلم العدو وبطشه، فيحرم سكان قطاع غزة من الغذاء والدواء والعلاج والعمل والدراسة، ورغم ذلك فلا يأس يتسرب إلى قلوب أبناءه، ولا ضعف يعتري رجاله، ولا خوف يحول دون إقدام مقاوميه، وإنما عزمٌ ومضاء وقوة وتحدي، ولعل من أغرب أشكال تحديه، قدرته الأسطورية على الاحتفاظ بشاليط على مدى سنواتٍ ثلاث، بعيداً عن العين الإسرائيلية المتلصصة، والذراع العسكرية والأمنية الطويلة، الذين لم يألوا جهداً في البحث عنه، وفي جمع المعلومات والتقصي، ولكن قطاع غزة أثبت فعلاً أنه قطاع الغرائب والعجائب، عندما نجح في الاحتفاظ بالجندي الإسرائيلي الأسير، إلى الدرجة التي عجزت فيها مختلف الأجهزة الأمنية المحلية والإقليمية والدولية فضلاً عن الإسرائيلية، عن الحصول على أدنى معلومات عن شاليط، وتتجلى قدرات قطاع غزة الأسطورية في الثبات الذي يبدونه أمام الإسرائيليين في ملف المفاوضات حول تبادل الأسرى.

يحافظ قطاع غزة على تميزه عن غيره عندما تكون نسبة الأمية فيه صفر في المائة، ونسبة التعليم تكاد تكون 100%، فعلى الرغم من الفاقة التي يعيشها أبناء قطاع غزة، ورغم حالة العوز التي يعانون منها، إلا أن سكان قطاع غزة يحرصون على استكمال تعليمهم، فيجتهدون في جامعات الوطن رغم الإغلاق المستمر، والاعتقال الدائم، وتشوش المسيرة التعليمية بسبب التضييقات الإسرائيلية المختلفة، فيستكملون تعليمهم الجامعي بتحدٍ واضح، وإرادةٍ صلبة، ويغترب آلافٌ آخرون بعيداً عن الوطن والأهل، ليتقوا تعليمهم، ويعودوا إلى غزة أطباء ومهندسين وصيادلة ومحامين وأساتذة جامعات وخبراء وأصحاب مهنٍ حرة، يعودون إلى قطاع غزة وهم يعلمون أنه قد أصبح سجناً، واستحال قيداً، وأصبحت الحركة منه وإليه محالاً، ولكن يبقى لقطاع غزة عندهم معنىً وقيمة، رغم أن غالبيتهم من اللاجئين الذين لجأوا جنوباً إلى قطاع غزة إثر حرب عام 1948.

هنا يكمن أحد أسرار الغرابة في قطاع غزة، عندما يحيي أهل غزة احتفالاً خاصاً لتخريج عشرة آلاف حافظٍ وحافظة لكتاب الله، بعد أن أنهوا خلال أشهرٍ معدودة حفظ كتاب الله عز وجل، ومنهم من حفظ كتاب الله في أربعة أشهر، ولكن جلهم قد حفظ كتاب الله على وقع دوي المدافع، وقصف الطائرات، وأزيز الزنانات، وعمليات المداهمة والقصف، قد حفظوه وهم يتنقلون من مكانٍ إلى آخر، وسط الموت والدمار والخراب، ولكن الرعب الذي عاشوه في غزة، التي استخدم العدو الإسرائيلي في عدوانه عليها أحدث أنواع الأسلحة في العالم وأكثرها فتكاً، ومع ذلك فقد جلس قراء كتاب الله، يحفظون القرآن الكريم، ولا يبالون بالقصف الذي يتوزع على مناطقهم، ويخلف وراءه خراباً ودماراً كبيرين، فضلاً عن القتل والإصابة، وما يزيد الأمر غرابةً أن الكثير من الحفاظ والحافظات لكتاب الله هم من الصبية والأطفال، ممن لم يتموا بعد عامهم الثامن عشر، وممن شهدوا العدوان الهمجي على قطاع غزة، ولكن رغم صغر سنهم، والأثر النفسي السلبي الذي قد تركته الحرب عليهم، إلا أنهم تجاوزوا الخوف والقلق النفسي، والأرق والتوتر والخوف، واستطاعوا أن يحفظوا كتاب الله عز وجل، متحدين كل الظروف الصعبة، والتحديات القاتلة التي واجهتهم، وحفظوا القرآن الكريم في المساجد المدمرة، وبيوت الله التي أتى عليها العدوان، كما دمر من قبل جمعية القرآن الكريم والسنة التي تشرف على مشروع تحفيظ القرآن الكريم في قطاع غزة، وصولاً إلى مائة ألف حافظٍ وحافظة وأكثر.

لهذا كان قطاع غزة قطاع الغرائب والمعجزات وخوارق العادات، وكيف لا يكون كذلك وأطفاله وشبابه يحفظون كتاب الله عز وجل، وقادته يتنافسون في حفظه، فلم تشغلهم الدنيا، ولا بريق كراسي الحكم فيها عن حفظ كتاب الله، والتحلي بخلق القرآن الكريم كما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا خوف على أمةً جعلت كتاب الله محفوظاً في صدرها، فعرفت أن طريق النصر والعزة والكرامة تصنعه آيات نتلوها كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قويٌ عزيز، وما كان الله ليمرغَ أنوفاً يعمر قلوب أصحابها كتابه، ويسكن صدورها كلامه، فحملة القرآن الكريم لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، وغداً سيفرحون بنصر الله يتنزل عليهم وعلى أهلهم، إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً، في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون.