يخيل إليهم

في القصص القرآني قصة جديرة بالدراسة والاعتبار، يحكي لنا القرآن الكريم عن سحرة فرعون وكيف ألقوا عصيهم فخيل إليهم من سحرهم أنها تسعى، حتى إذا ألقى موسى عصاه تلقفت ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون وغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين.

تكاد هذه الواقعة تشبه ما يقع في المشهد المجتمعي العام الذي نحياه في بلدنا المغرب المسكين.

في الانتخابات الأخيرة والتي قبلها، يكاد المتتبع يصدق أن ما يجري على مستوى الساحة السياسية أمامه هو حق حقيق: دعاية كبرى لأحزاب شتى بألوان عدة، حوارات تلفزية يرغي فيها المناضل ويزبد دفاعا عن حزب عتيد هو الأصل وعن آخر وليد هو الأمل، مهرجانات خطابية حاشدة حشر فيها الناس يستمعون لوعود ووعود حفظوها من كثرة ما ألفوا سماعها، وصراعات على الكعكة الحلوة البقرة الحلوب المسماة مجالس وهياكل، وهلم جرا…

صخب وصخب يكاد يعتقد معه المرء أن ما يحصل هو تعبير عن دينامية سياسية مجتمعية واقعية، فيها برامج انتخابية معبرة عن تطلعات الأمة المفقرة المجهلة، وعن إرادات سياسية حسنة وتصورات مجتمعية متدافعة إن لم نقل متصارعة.. بينما الحقيقة غير ذلك. وراء الهرج والمرج والصخب العبث كل العبث، الحقيقة أننا أمام مسرحية سياسية فاشلة كتابة وتشخيصا وإخراجا.

ما يقع هو تسويق للوهم في أبشع صورة ومن خلال أرذل وسائل التسويق (الماركوتينغ) حطة ودناءة، إذ يتعلق الأمر بالضحك على الأمة وسرقة طموحاتها واللهو بعقولها والعبث بمستقبلها وقتل فلذات أكبادها.

هذه الصورة لها شبيهها إذ تنطبق على ما يعرفه المشهد التعليمي ببلادنا منذ مدة ليست باليسيرة، ففي بداية هذا الدخول المدرسي الجديد واستمرارا في نهج نفس السلوك أصدرت الوزارة الوصية على القطاع مذكرات لفتها في ملف سمته ملف الدخول المدرسي المتمعن فيه سوف يلقى سيلا من المصطلحات والمفاهيم وكما من القرارات والمقولات: مشروع جيل مدرسة النجاح، مشروع المؤسسة، الزمن المدرسي، مبادرة المليون محفظة، الحياة المدرسية، اللباس المدرسي الموحد، الاحتفال بعيد المدرسة، الاحتفال بيوم المدرس وبيوم الوطني لآباء وأمهات التلاميذ إلى غير ذلك من القرارات والمذكرات لتنظيمية والدلائل التربوية التوجيهية..ركام من الأوراق وورم من المصطلحات والمزيد والجديد من الفلسفات وكفى.

إنه تسويق يوهم أن وراء المفردات والقرارات عملا.. أن وراء الجعجعة طحينا وتحت العناوين طائلا، إذ البون شاسع بين الآمال العريضة الواسعة وبين الواقع الذي لا يرتفع. إنه مجرد تخييل يسحر به المتنفذون أعين الناس وعقول الناس استبدادا واستبلادا. فسبحان ربي العظيم “هذا بهتان عظيم” و”إفك مبين”.

جميعا من أجل مدرسة النجاح: الشعار والدثار

اختارت الوزارة هذه السنة شعار “جميعا من أجل مدرسة النجاح” لتجعله وسما تدشن به الدخول المدرسي الجديد.

أعظم به من شعار لو لم يكن الاستبداد والاستبلاد.

أكرم به من شعار لو لم يكن من جنس ما اعتادته دولتنا من صباغة الواجهات وتنميق الخارج، والداخل خراب والجوهر يباب.

أعظم به من طموح لو لم يكن المخزن متمرسا في تسويق الوهم وصناعة التخييل، حتى لقد شبعنا شعارات: بدءا بشعار العهد الجديد وانتهاء بشعار إصلاح القضاء مرور بشعارات طي صفحات الماضي ومبادرات التنمية والسلم والحداثة والديموقراطية والحكامة و..

“جميعا من أجل مدرسة النجاح” شعار يطرح تساؤلات:

• هل ما كنا فيه منذ عقود لم يكن من النجاح في شيء.؟! هل تعترف الدولة بفشلها في ما مضى معلنة عن عزمها على تحقيق النجاح من الآن فصاعدا؟!

• هل حققنا في ما سطر آنفا من برامج ومخططات نجاحا يبرر الانتقال للحديث عن نجاح آخر بمعنى آخر.؟!

• هل حققنا إجماعا عاما وتعبئة واسعة لتحقيق النجاح الفعلي؟!

إن المتأمل في المذكرة 120 المتحدثة عن جيل مدرسة النجاح سوف يسجل الحقائق التالية:

• الحديث عن مدرسة النجاح جاء في سياق تفعيل البرنامج الاستعجالي، وهو ما يعتبر إقرارا فعليا (بعد الإقرار الرسمي طبعا من خلال تقرير المجلس الأعلى للتعليم ) بفشل الميثاق وضياع عشرية كاملة من الأحلام والتوقعات المبنية على غير أساس.

• الإعلان عن توطين الإصلاح في المؤسسات والأقسام الدراسية اعتراف بفشل الإصلاحات الماضية، ولكنه غمز ولمز مشينان للطاقم التربوي والإداري أن الإصلاح وصل إلى أبواب المؤسسات والفصول ثم انتهى على حد تعبير السيدة الوزيرة يوما ما، إنه إلقاء باللوم على الحائط القصير والحلقة الأدنى في مسلسل العملية التربوية.. على الجهاز المنفذ المغيب الذي لا يستشار وإنما ينفذ الأوامر والتعليمات الفوقية المعزولة عن التربة الحقيقية للعملية التعليمية التعلمية.

• القول بإعادة الاعتبار للمدرسة المغربية وفق مقاربة تعتمد الأولويات والوقاية قبل العلاج هو حديث غير ذي بال، لأن إعادة الاعتبار للمدرسة المغربية لن يتم أبدا وفق التعليمات والقرارات الفوقية، وإنما من خلال حوار وطني صريح يشرك فيه الكل مدخله الرئيس الإرادة السياسية الحقيقية للقطع مع منطق التعليمات، ثم إن الحديث عن الأولويات والوقاية قبل العلاج لا يكون عند العقلاء وقد استفحل الداء وانتشرت الأورام السرطانية في جسد التعليم فلسفة وجهازا.

• الطموح الذي تعلن عنه الوثيقة أعلاه في إحداث قطيعة مع “الوضعية الحالية وفق مقاربة مرنة تعتمد مراعاة الفروق والاختلاف والرقي بالمهارات، وتوفير مناخ للحيوية يساعد على الاجتهاد واتخاذ المبادرة وتنمية الشعور بالمسؤولية” هو طموح مشروع لو هيئت له الأرضية الفعلية لانطلاقة حقيقية بينما الواقع الذي يحياه الفاعلون التربويون الممارسون واقع مر أليم يدمي القلوب الصادقة. إذ شتان بين المذكرات وواقع الحجرات.

• لعل الهاجس المسيطر الذي يعبر عنه المشروع بصراحة هو الرغبة في الاحتفاظ بالمتعلمين داخل قاعات الفصل الدراسي لمدة أطول من السنوات، كيف؟ ضمن أية شروط؟ ما هي الوسائل؟ أسئلة لا جواب عنها!!

• دعوة المدرسين إلى التفاعل الجيد مع المشروع وإلى اعتماد المقاربات الجديدة في التعليم هو وهم آخر في ظل غياب التكوين الجيد والتكوين المستمر وفي ظل الإحساس المتفاقم بالغبن والظلم الاجتماعي لهذه الفئة التي تنتهب حقوقها وحقوق الشعب عموما لتصرف على المهرجانات والفلكلورات والبروتوكولات.

إن الشعار على ما يبدو يعلن بملء فيه “إن ما كنا فيه كان الفشل” الفشل في النجاح!! والنجاح في الفشل!!.

الفشل في النجاح والنجاح في الفشل: الحصيلة المريرة

الفشل:

1. فشل المخزن في النجاح في إيجاد بوصلة موجهة للتعليم فدخل في سلسلة من العمليات سماها إصلاحات يضرب بعضها بعضا وينسخ الآخر منها الأول بفعل غياب مشروع مجتمعي واضح وإرادة للتغيير سياسية حقيقية.

2. فشل المخزن في النجاح في فك ارتباط منظومتنا التعليمية مع الخارج، أي في تحقيق استقلالية قرارنا التعليمي فجعله رهين المؤسسات المالية الدولية تملي عليه ما يخدم مصالحها ومصالحه.

3. فشل المخزن في النجاح في تجسيد المبادئ الكبرى التي نادت بها الحركة الوطنية منذ ما سمي الاستقلال فإذا نحن بعد خمسين عاما مازلنا نطمح لتعميم التعليم وتعريبه وتوحيده ومغربته حتى!!

4. فشل المخزن في النجاح في ضمان كراسي للتعليم لأبناء هذه الأمة فكانت النتيجة أن الأمية فينا مرتفعة وأن الهدر المدرسي حسب الإحصاءات الرسمية لأحمد أخشيشن مستشر(إن 40% من التلاميذ لا يكملون دراستهم، إذ غادر مقاعد الدرس أكثر من 380 ألف طفل قبل بلوغهم 15 سنة عام 2006).

5. فشل المخزن في النجاح في ضمان الجودة في التعليم فخرج آلاف المعطلين المعزولين عن سوق الشغل تدق أضلعهم أمام البرلمان في نضالات متواصلة لانتزاع حقهم في شغل ظلمهم فيه من لم يفكر في تكوين ملائم خاص لمواجهات إكراهات سوق لا يعترف بشهادات الإملاء والتلقين.

6. فشل المخزن في ضمان بحث علمي جاد وجدي فاحتلت جامعاتنا المراتب الأولى المتقدمة في ذيل التخلف حسب تصنيف «ويبو ماتريكس» الإسباني العالمي الشهير.

7. فشل المخزن في ضمان جدية في التعليم فمدارسنا وكر للمخدرات والعنف والعلاقات الفاسدة.

أما النجاح:

1. نجح في استنساخ وترجمة نماذج تعليمية تغريبية بعيدة كل البعد عن هويتنا وديننا، فإذا شخصياتنا المتعلمة مترهلة ممسوخة ضائعة تائهة.

2. نجح المخزن في إفشال كل الإصلاحات الحقيقية بل وفي إفشال حتى ما يضعه سدنته هو، فأعلن عن فشل الميثاق وبنى على أنقاضه برنامجا استعجاليا يدبر به الآني الظرفي في غياب أي تخطيط استراتيجي.

3. نجح المخزن العتيق في تكديس المتعلمين داخل قاعات تفتقر لأدنى شروط العيش الكريم بله التعليم المنتج، فحسب تشخيص الوزارة نفسها. القاعات الدراسية غير الصالحة تفوق تسعة آلاف قاعة و60% من المدارس الموجودة بالأرياف غير مرتبطة بشبكة الكهرباء وأكثر من 75% لا ماء فيها، في حين أن 80% ليس لها دورات مياه. وتثير الوزارة الانتباه أيضا إلى أن النسبة المرتفعة لاكتظاظ التلاميذ في الفصول من أبرز أسباب الفشل، إذ يصل المعدل إلى 41 تلميذا بكل فصل.كما ترجع هذا الاكتظاظ إلى قلة في البنايات الجديدة وفي المدرسين، فالحاجة إلى الفصول الإعدادية مثلا تصل إلى 260 مؤسسة سنويا بينما لا تبني منها الدولة سوى تسعين كل عام.

4. فكانت الحصيلة أن نجح المخزن في جعلنا في آخر مراتب الأمم في ناحية التعليم يشير إلى ذلك تقرير البنك الدولي الأخير عن التعليم ببلدان “شمال إفريقيا والشرق الأوسط، حيث حصل المغرب على الرتبة الحادية عشرة (ضمن أربعة عشر دولة).

سياق الفشل:

إن الفشل في بناء منظومة تعليمية راشدة فاعلة ليس بدعا وسط الفشل العام الذي هو السمة الغالبة لكل المشاريع التي خرجت من رحم دار المخزن:

• الفشل في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بسبب ضعف المجتمع المدني يقول المخزن.

• الفشل في تحقيق رؤية 2010 لجلب 10 ملايين سائح.

• الفشل في تحقيق الانتقال الديموقراطي وبناء المؤسسات وعودة الممارسات التي قيل إنها بائدة.

• الفشل في كرة القدم، الفشل في ألعاب القوى، الفشل في الحد من حوادث السير.

ترى أهي لعنة الفشل تطارد القائمين على الأمر في هذا البلد على شاكلة لعنة الفراعنة؟ أم هو الارتجال والاستعجال وغياب الرؤية وضياع الوجهة؟!!.

سبيل النجاح:

إن تحقيق النجاح الحقيقي في مجال التعليم ببلادنا رهين ب:

• امتلاك الإرادة السياسية لجعل قضية التعليم قضية الأمة برمتها، وهذا لن يكون بغير القطع مع ذهنية الاستبداد التي لا ترى في الأمة سوى قطيع تابع.

• بناء وعي عام بضرورة تجاوز النموذج التغريبي المادي الذي رسخ في وعينا ألا تربية إلا تربية الأسياد، وأن لا تعليم إلا تعليم المستكبرين، وأن لا نجاة إلا بالاستجابة لدواليب الطاحونة التغريبية تملي قراراتها الخادمة لمصالحه ومصالح التابعين الدائرين في فلكها.

• صناعة القيادة الحاملة للمشروع المنافحة عنه المدافعة.. آن الأوان ليتصدى للقيادة والتربية والتعليم أهل القوة والأمانة.

• طرح البدائل المنطلقة من دراسة تشخيصية دقيقة لواقع الأمة واستفادة ذكية من حكمة الإنسانية دون الانسلاخ عن هويتنا الإسلامية وقيمنا الدينية.