تذكير

في الحلقتين السابقتين وقفنا مع معنى القومة العلمية، وقلنا إنها عملية فكرية كبرى تتأسس على قواعد علمية راسخة تؤطر عملية التغيير الجذري وترعاها في أدق تفاصيلها وعمق آفاقها، وقلنا إن أصلها تحقق الاندماج الكامل في عملية جهادية كبرى من خلال معاني “الصحبة والجماعة”، إذ الحركة القلبية العقلية الجسدية ضمن حركة هذه الخصلة -التي تشكل أصل العلم والعمل بما هي طريق وراثة العلم النبوي المنجمع في الوحي كتابا وسنة- هي ما يورث علم الحق بمقتضى قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ، حيث هذا العلم يوفر المعيار الكلي في تقييم وتقويم المواقف في الماضي والحاضر والمستقبل فضلا عن كونه الأداة الكلية في بناء الشخصية من حيث معناها الفردي والجماعي. وهو ما يقتضي حتما إعادة النظر في ترتيب العلوم الشرعية والكونية والإنسانية وفق منهاج علمي متكامل لا يسبح في المجردات ويتيه في الجزئيات بل يجمع بين النظر العميق والجهاد العلمي الكبير الذي يُحدث تغييرا جوهريا في حركة المجتمع والأمة والإنسانية بما يحدثه من تغيير في وجهة الفرد ومسار حياته ونوع مقاصده.

ووقفنا في خاتمة الحلقة الثانية على أن نموذج هذه التجربة هو الفترة النبوية الخلافية –نسبة إلى الخلافة الأولى-، وفي هذه الحلقة نقف، بحول الله وقوته، على معنى العلم إمام العمل والعمل ينمي العلم كما جسدته هذه التجربة الخالدة.

ت- معنى العلم إمام العمل والعمل ينمي العلم

تتعدد المدارس في قضية علاقة الفكر بالواقع، وفي قضية علاقة النظرية بالممارسة. ولئن كان المقام هنا لا يقتضي ضرورة التعرض لهذه المدارس خاصة أن الباحثين والمناضلين أفاضوا فيها؛ فإن المهم هو بيان هذه العلاقة، ولو بشيء من التركيز، من داخل تجربة مدرسة المنهاج النبوي.

فقد أثير في الفكر الإسلامي خلال العصور الأخيرة علاقة النص بالواقع، وعلاقة النص بالمصلحة التي تجسد أهداف ومقاصد الحركة الإنسانية سواء في بعدها الفردي أو الجماعي. وقد ركز على إثارة هذه القضايا، في الغالب، اللائكيون و”العقلانيون” والمفكرون والمناضلون “البراغماتيون” مستندين على نوع من الفهم لما عرف به الأصولي الطوفي من أسبقية المصلحة على النص، مما جعل باحثين إسلاميين ينبرون للتصدي ودفع الشبهات العلمية والفكرية التي أثارها هؤلاء. ولئن كان هذا عملا مهما فإنه سجن البحث في سياق ردود أفعال وإن أخذت الصفة العلمية.

فحديثنا هنا عن علاقة العلم بالعمل في مدرسة المنهاج النبوي لن يقحم نفسه في السياق المشار إليه أعلاه، لأن تكريس الجهد الكلي في رد شبهة “علمية” وتاريخية يجعل الباحث سجين قبضة واقع تاريخي وإن كان يأخذ الصفة الأصولية، ثم لأن البحث العلمي من داخل مدرسة المنهاج النبوي يتميز بخاصية منهجية ضرورية ليحصل له العرض السليم والسالم لقضاياه ولطريقته في مناقشة ما يعترض مسيرته من مسائل علمية متنوعة في اتجاه بناء مستقبل الأمة والإنسانية وخدمة مصير الإنسان الأخروي؛ هذه الخاصية تكمن في تحرره من الأثقال الثلاثة المشار إليها في الحلقتين السابقتين (ثقل التقليد، ثقل التبعية للتجربة الغربية، ثقل الاستبداد القروني الوراثي الذي شل حركة الأمة وإرادتها)، وهو ما يمنح قوة علمية وفكرية ومنهجية حاكمة وآخذة بناصية البحث في اتجاه استكمال عناصره وتحقيق نتائجه الواقعية في صورة متكاملة ومنسجمة. وهذا هو مضمون القومة العلمية بما هي نهضة فكرية كبرى تعبئ كل قوى الأمة والإنسانية وترعاها لأجل قيام قواعد الحرية الكاملة.

نعم، إن الوحي هو أصل الأصول ومصدر المصادر في امتلاك العلم، وقد مر معنا أن تجربة مدرسة المنهاج النبوي من خلال اجتهاد مجددها الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين جمعت ذلك في خصال وشعب شكلت المضمون العلمي القرآني النبوي الكلي، وجعلت له مفتاحا كليا هو خصلة “الصحبة والجماعة” بما هي أم الخصال وناظمتها.

فالخصال وشعب الإيمان تنتظم في واقع علمي وفكري وإرادي وعملي، مما يقتضي أن تتولد عن هذا الانتظام قواعد كلية ومفاهيم مركزية قادرة على اختراق الواقع وتفكيكه وإعادة بنائه من خلال كل العناصر الإيجابية المقترحة والمكتشفة وتخلصه من كل العناصر السلبية الواقعية.

وهو ما يعني أن كل المفاهيم، التي ينبغي أن تكون دلالتها الكلية مستمدة من الوحي، يجب أن تنجز مهمتين متكاملتين:

1- رسم التصور العلمي النظري على وضوح تام.

2- القدرة على نقد الواقع وتغييره تغييرا جذريا وفق منهجية الرحمة والحكمة؛ ومقتضاها الرفق والقوة والوضوح والتؤدة والتدرج في كل مراحل البناء.

وما ينبني على كون دلالات المفاهيم قرآنية نبوية أنها ثابتة الدلالة، أي أن مدلولها العلمي ثابت، وما هو متغير هو الواقع الذي تتفاعل معه هذه المفاهيم بما يكرس هيمنتها عليه من خلال الكشف عن معانيها التي لم تدرك في مرحلة سابقة.

لكن ثبات الدلالة العلمية لا يعني السكون، بل إن تجربة مدرسة المنهاج النبوي أثبت أنها توفر فعالية وجدوى وكفاية هائلة لهذه الدلالات حين تخترق كل تفاصيل الواقع وتعيد ترتيبها وفق قواعد التجديد الشامل والتغيير الجذري.

وهو ما يعني أن هذه الدلالات العلمية لمّا تخترق الواقع توفر خبرة كبيرة لاكتشاف باقي معانيها ودلالاتها المكنوزة فيها والمتجددة التي لا تنقطع لأن مصدرها الوحي. وهو من مقتضى قوله صلى الله عليه وسلم “لا تنقضي عجائبه”، أي القرآن الكريم الذي كان سيرته صلى الله عليه وسلم يمشي بها في الناس.

فالحركة الإسلامية تصبح رقما من الأرقام وقد تصبح في خبر كان، حينما تستند في مرجعيتها الكلية على مفاهيم ودلالات لما تقتحم بها الواقع لتغييره تَتَغير مضامين ودلالات هذه المفاهيم فتتغير الحركة عوض تغيير الواقع ويبتلع هذا الواقع العنيد عناصرها لتصبح جزء منه أو من ماضيه.

والأصل أنه حينما تتم خبرة كبيرة بالواقع من خلال تنزيل تلك المفاهيم والدلالات عبر عقل الحكمة وقلب الرحمة تزداد درجة التحام الحركة بتلك الدلالات، لأن هذه الخبرة تكشف عن مدلولات وكنوز جديدة تحتويها هذه الدلالات فتولد مفاهيم وقواعد ودلالات جديدة منسجمة مع كل مرحلة ونوع وحجم وأفق مطالبها لخدمة الغاية العظمى المتعلقة بمصير الفرد عند الله تعالى ومصير أمته التاريخي ومصير الإنسانية في العيش الكريم والعادل.

ففي مدرسة المنهاج النبوي يحصل الوعي بالمرحلة التاريخية على صورتها الكلية، فتوفر هذه المدرسة آليات هذا الوعي وآليات العمل في هذه المرحلة بما يؤهلها للمرحلة المقبلة وهكذا، بحيث تقوم بتنزيل كلياتها على الواقع لتغييره من حيث هو مرحلة تَم الوعي بها وبتطور الأداء العلمي بها بما يستوعب ويؤطر المرحلة المقبلة اقتحاما متكاملا نحو المستقبل المنشود. وبهذا نفسر الغزارة العلمية التي أنتجتها هذه المدرسة على الرغم من الحصار والقمع الذي تعرضت وتتعرض له.

نخلص إذن من كل هذا، إلى أن في مدرسة المنهاج النبوي تلتحم الدلالات التصورية والعلمية بالواقع اقتحاما له فتكشف حركة هذه الدلالات في الواقع معاني وقواعد جديدة مختزلة فيها تمتد في الواقع والزمان راعية عملية البناء الكلي نحو المستقبل المنشود.

وبهذا يكون العقل الإسلامي قادرا على التصدي ومعالجة كل مستجدات الواقع جزئية كانت أم كلية. وما يترتب على هذا أن الدعوة إلى الله تعالى حينما تجعل لها مرجعا الوحي من خلال صياغة علمية جامعة تورث فقها جامعا ويصنع نظام تفكير قوي وله استراتيجياته في اختراق الواقع وإعادة بنائه (هنا ينبغي الانتباه إلى التجربة النبوية في البناء الشخصي والجماعي)، تكون، أي الدعوة إلى الله جل جلاله، قوة مهيمنة بكل معاني الرحمة والحكمة والرفق والحلم والقوة، أي من خلال حركة الخصال وشعب الإيمان.

وهكذا يكون العلم إماما للعمل ويكون العمل عامل نماء هذا العلم واستمرار شجرته ممتدة في الزمان والمكان من خلال رجال التجديد والجهاد.

وحتى لا يبقى هذا الكلام نظريا نعرج، بشيء من التركيز، على تجربة الصحابة وما آلت إليه الأوضاع حينما صار العلم فاقدا لهذه الخاصية في علاقته بالواقع.

نموذج قضية كلية: من هيمنة الوحي إلى هيمنة السلطان ومقدمات الانكسار التاريخي

كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يبني في الواقع والوحي ينزل، وعاش الصحابة الكرام هذا الأمر على تمام وضوحه وجميل صوره. ولم يكن ذلك في نزهة بل كان جهادا كبيرا ومعانات شديدة، فكانت النتيجة رجالا أصبحت وجهتهم الله جل جلاله وقضيتهم في الأرض الدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، فبُنيت الجماعة وتمت إمامة الأمة على نفسها لما التحم اندمج في سلك الأخوة المجاهدة المهاجرون والأنصار، فعم نور الإسلام لتكون إمامة الأمة الخارجية.

ملك الصحابة الكرام علما -لمن لا يعرفه يسأل مناقبهم وحِكمهم وحُكمهم- وملكوا معه القلب الرحيم والعقل الحكيم والجسم القوي والقويم. كانوا كلهم عطاء وبذلا لا حدود له، واعترضت طريقهم صعاب وعقبات شداد؛ فكان هذا العلم والتوفيق والإلهام يفك العقد وييسر الطريق ويسهل كل أنواع الاقتحام.

بنيت الخلافة الراشدة التي أخبر صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها لن تدوم أكثر من ثلاثين سنة، وهو ما كان، لكن هذه التجربة على قصرها زمنيا وفرت رصيدا وشحنة من العلم والفهم غطى تاريخ المسلمين رغم الانتكاسات الشديدة. وهو اليوم يشكل ملاذ الأمة لأجل إعادة بناء نفسها واستعدادها لخدمة الإنسانية على قواعد العدل والحرية.

كان الوحي هو المهيمن بهذا التوازن في الفهم والوعي والسلوك لدى جيل الخلافة الأولى؛ فالتحم الوحي بالخلافة وانتظمت الحياة على قواعد الرحمة الصديقية والعدل العمري والحكمة العلوية، لكن لما جاء من أمثال معاوية وعبر بكلمته الشهيرة: “أنا آخر خليفة وأول ملك” كانت المقدمات الكبرى للانكسار والانحراف؛ ذهبت الخلافة وضربت الجماعة في الصميم وبعثر العلم حيث صار علوما جزئية لا يجمعها إلا انتماءها وانتماء أصحابها للإسلام، فافترق القرآن والسلطان، ولذلك أخبر آمرا صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمته بالدوران مع القرآن حيث دار.

كافح العلماء لما افترق القرآن والسلطان وحرصوا اجتهادا لتبقى الأمة موحدة رغم الجرح الغائر الذي أصابها في الصميم وبقي ينزف حتى جعلها لقمة سائغة بين يدي الاستعمار بعد أن قاومت وانتصرت في حروب صليبية لما نهض رجال جامعين.

فالشاهد عندنا هنا أنه لما تم فقد هيمنة دلالات ومعاني وقواعد الوحي على الواقع امتد سرطان التمزق والتفتت والضعف فتعطلت الحركة الكلية للأمة.

وهنا وعلى مستوى القضايا الكبرى سيهمن العقل التبريري بعد أن تسلط في لحظة العقل الخوارجي، وهما بديلان سلبيان خطيران عن العقل الحكيم، وإن كان العقل التبريري حرص على مصلحة عامة شرعية هي وحدة الأمة ولو تسلط على حكمها من ليس أهلا لذلك واغتصبه بالسيف والغلبة لما افترق السلطان والقرآن وذهب الجماعة فذهبت معها الشورى.

إن العقل التبريري لما اكتشف مبرر المصلحة لتبرير واقع الحكم غير الشرعي في أصله، لم يشتغل بنفس الدرجة بتجاوز ذلك لأجل إيجاد المقترح لترجع الأمة إلى تلاقي القرآن والسلطان، فهيمن هذا التبرير قرونا من الزمن حتى صار أصلا في بناء الاجتهاد والفكر ونظامه، وهي معضلة حادة في الفكر الإسلامي اليوم.

إنك حين تقتحم واقعا معقدا بدلالات ومفاهيم وقواعد وأحكام غير قادرة على تغطيته واستيعابه يبتلعك هذا الواقع ويجعل دلالاتك ومفاهيمك وقواعدك ذات حمولة ضعيفة وضامنة لهيمنته، ومن ثمة يجعل منك، مع مرور الزمن، ضعفا مضافا إلى ضعف الأمة؛ فكم كانت الحركات التي عرفتها هذه الأمة مجرد إضافة ضعيفة إن لم تكن إضافة مرضية.

ولنضرب مثالا واضحا في قضية الدلالات المركزية في الفكر والفقه السياسيين السائدين اليوم المؤطرين للمواقف (كمفهوم المشاركة السياسية، بل مفهوم السياسة نفسه…) لنكتشف أن كثيرا من الحركات الإسلامية لما تواجه القضايا السياسية المعقدة تجد نفسها مسلحة بدلالات غير أصلية مما يجعلها في منعرجات الحركة الصعبة عوض أن تنجز واقعا منسجما مع طموحها تصبح هي جزءا من واقع سلبي قامت ابتداء لأجل تغييره فغيَّرها في لحظات الشدة والصعوبة والضيق في الفكر والحركة.

فوظيفة الحركة الإسلامية اليوم أن تجتهد لتشتغل بقوة وأولوية ليرجع الأمر إلى نصابه: أي أن يلتقي السلطان مع القرآن وأن يصبح الوحي مهيمنا، إذ لا مكان لأي معنى من معاني الاستبداد حين تحصل هذه الصورة المثالية النموذجية التي عاشها العالم مع تجربة الخلافة الأولى. ولأجل تحقيق هذا ينبغي أن يشتغل الاجتهاد والفكر والحركة من خلال صياغة واقع علمي وعملي يقود إلى الحكم لتستقيم الأمور.

ولذلك حين تبدأ الحركة الإسلامية خوض معركة التغيير على هذه القاعدة ستكشف خبرتها في مدافعة كل عناصر الواقع السلبية عن درجة الوعي بتجليات دلالات هذه القاعدة في نظام الحكم وتفاصيله كما يختزلها الوحي وأسست جوامع أصولها التجربة النبوية الخلافية –نسبة إلى فترة النبوة والخلافة الراشدة- لما لذلك من مصلحة كلية للإنسانية.

نموذج قضية جزئية: ما بين الثورة والقومة وإعادة بناء جسم الأمة

بعد أن بينا أن العلم الذي مصدره الوحي لما كان إمام عمل الصحابة في فترة التجربة النبوية الخلافية استطاع هؤلاء الرجال في واقع الحكم والسلطان أن يكتشفوا تفاصيل تجديدية في إدارة إمامة الأمة الداخلية وإمامتها الخارجية حيث زودهم الوحي بمعاني جليلة لإقامة نموذج متميز وعظيم ومستقل خول إمكانية دقيقة للاستفادة من التجارب الإنسانية واستثمارها بمعيار الوحي وقواعده.

وبعد أن ألمحنا إلى أن تجربة مدرسة المنهاج النبوي تقترح تصورا استطاع اختراق الواقع ونقده نقدا جذريا من خلال مفهوم “الدعوة والدولة” حيث يتم البناء على قاعدة هيمنة الوحي على السلطان الذي يكون عادلا ورحيما وقويا بمقتضى الوحي نفسه، ها نحن نقف على مسألة جزئية بالغة الأهمية في تجربة مدرسة المنهاج النبوي مع الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، إذ أن تنزيل مقتضيات مفهوم “الدعوة والدولة” في بناء تجربة هذه المدرسة كشف عن معاني ودلالات ويكشف في كل لحظة الكثير من هذا، لأنه يحتوي على معاني عظيمة في إعادة بناء شخصية المؤمن والجماعة المجاهدين وفي إعادة بناء الأمة ونظام حكمها وتفاصيله في كل مرحلة من مراحل الزحف والإعداد.

ولذلك ففي هذه الفقرة سنضرب مثالا في قضية جزئية مندرجة تحت القضية الكلية المتعلقة بعلاقة القرآن بالسلطان والوحي بالحكم كما جسدته التجربة النبوية الخلافية، ويتعلق الأمر هنا بالحديث عن مفهوم “القومة”.

فمما يلاحظه الباحث في كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين تكراره الحديث عن “القومة” إذ لا يفتأ يجتهد في بيان معانيها ودلالاتها العلمية ومقتضياتها العلمية.

تضع مدرسة المنهاج النبوي مفهوم “القومة” في التجربة الإسلامية في التغيير مقابلا لمفهوم “الثورة” في الفكر الماركسي واليساري عموما في البلاد الإسلامية. وهذا التقابل إنما هو ضرورة منهجية لأنها تزيد من كشف مدلولات المفهوم الجديد والتجديدي، أي القومة، وفي نفس الوقت تكشف عدم جدوى تبني مفهوم “الثورة” لتأطير عملية التغيير في البلاد الإسلامية، سواء من جهة اليسار أو من جهة الإسلاميين، على الرغم مما لهذا اللفظ من إثارة لدى الجميع.

فمن الناحية العلمية استطاع تبني مفهوم القومة أن يكون عاملا مهما في عدم السماح لتسرب أية دلالة عنيفة وسخيفة وصبيانية في الفكر التغييري في مدرسة المنهاج النبوي، وقبل ذلك استطاع أن ينقل معاني الوحي إلى نظام التفكير في هذه المدرسة منتظمة في معاني الرحمة والحكمة والقوة لا العنف.

ولما روج أبناء هذه المدرسة لهذا المفهوم، أي “القومة”، أواخر الثمانينات كان غريبا ومستغربا وغير مستوعب معناه من طرف الكثيرين، لكن توالي الأعوام والسنين والأحداث كشف عن قيمته العلمية والحركية، إذ بعد كل حدث يمر منه المغرب وتمر به جماعة العدل والإحسان والمجتمع المغربي يزداد بيان أهميته وجدواه، وتنكشف كثير من دلالاته العلمية والعملية التي لم يفتأ مجدد المدرسة الأستاذ عبد السلام ياسين يشير إلى كلياتها وكثير من تفاصيلها.

لقد تصور الكثيرون أن الظروف التي مرت منها جماعة العدل والإحسان ستدفعها يوما إما إلى الاستسلام لقبضة الواقع المراد تغييره أو إلى مزاولة نوع من العنف في الخطاب والممارسة، لكن كل ذلك كان كشفا لقيمة وأهمية وجدوى بناء الاستراتيجيات السياسية والحركية والتنظيمية والتعبوية على معاني “القومة”؛ وهي نهضة عامة وشاملة للمجتمع وكل قواه ضد الظلم ولأجل قيام قواعد العدل والحرية، بناء على حوافز ودوافع وأهداف سامية ومقاصد عالية وغاية غالية.

فالانغراس في الواقع المعيش بكل أبعاده ومستوياته يكشف كل لحظة عن مدلولات مخزونة في مكنون لفظة “القومة” ويفتح لهذا المفهوم مسارات جديدة في اختراق الواقع وإعادة بنائه لبنة لبنة وخطوة خطوة على الرغم من الصعاب وعناد عناصر الواقع السلبية، وعلى رأسها الفقر والجهل والاستبداد؛ وهو تحالف ثلاثي يشكل العقبة الكئود أمام إنجاز مهام “القومة”، لكنه مجرد عقبة وليس مانعا يجعل من إنجاز مداها، أي “القومة”، الحركي والسياسي مستحيلا. وذلك ما تؤكده تجربة مدرسة المنهاج النبوي المتجددة في الواقع المغربي اليوم، إذ يستطيع الباحث والمراقب أن يرصد تطور أداء الجماعة السياسي والحركي ويقيم ذلك من خلال إعلانها تبني مفهوم “القومة” بداية ظهروها مفهوما مركزيا في تأطير أعمالها وفي بناء أي استراتيجية سياسية وحركية وفكرية لديها.

ويمكن تطبيق هذه القاعدة العامة على كل كليات وجزئيات مشروع العدل والإحسان الذي تكفلت مدرسة المنهاج النبوي بعرضه وبيانه والدفاع عنه.