على أبناء الأمة كَثُرت المشاربُ وتعددت الثقافات وازدحمت الآراء وتنوعت، وتتابعت النحل والملل واستفردت بهم واتخذت لها مواطئ أقدام في المكان والزمان، وسخرت كل الوسائل لتدجن العقول والأجسام ولتمسك بالنفوس عن الاهتداء والاقتداء والانقياد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأهل الفضل، لكنها مع ذلك لم تستطع أن تخترق القلوب وإن كانت قد لامست منها حيزا ونُكثة ذلك أنها منقطعة زنيمة مبتورة، لا أصل لها ولا مرجع ولا مورد.

نِحَلُ الأمم وأديانُها الحديثة أَلْهت الأمة بسفاسف الأمور وهزيلها ودجنت الأفكار وخربت العقول حتى أعمت فيهم فطرة العزة وأذهبت منهم الحلم والرجولة والكياسة وطلب العلا، بل أفقدت منهم الحس وأخمدت روح الانتماء وطمست منهم البصيرة حتى لم يعد لهم بكتاب ربهم سبب ولا اتصال، ثم زاد الأمرَ سوءا وخزيا وأكسبه فاعلية غيابُ المرشد المربي في حياة الأمة وأبنائها واضمحلال دور العلماء العاملين فانحسرت القدوة بين الأجيال الحالية في المغنين والممثلين والرياضيين.

وما يزيد الطين بِلة أن نفوس المسلمين وأذهانهم اليوم أصبحت قابلة لكل اختراق، ملبية لكل هبة ريح من أفواه حذاق الاستكبار العالمي ثقافة لا صناعة، مجونا وطربا لا علما وعملا، حتى صرنا ننتظر جحر الضب أنى يُخترق.

على فطرة الحبيب صلى الله عليه وسلم وعلى نهجه وهديه تربت الأجيال الفذة، وبه وبآله وصحبه وأهل الفضل كان التعلق والتمثل والاقتداء.

لا نرتضي غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه للأمة مثلا وقدوة، ولا نستسيغ غير هديه وسبيله ومسلكه للأمة دليلا وقائدا، قال الحق جل وعلا: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ

وأورد القاضي عياض في كتابه الشفا حديثا قال: قال صلى الله عليه وسلم “من اقتدى بي فهو مني ومن رغب عن سنتي فليس مني”، وقد جاء في الحديث الصحيح: “أدبو أولادكم على ثلاثة خصال حب نبيكم وحب أهل بيته وعلى قراءة القرآن”، وجاء أيضا في الحديث الصحيح “ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما…”، فلئن لم تتربى الأمة صغيرها وكبيرها، ذكرها وأنثاها على مثل هذا الحديث في حب رسول الله صلى الله عليه وسلم والإقتداء والتأسي به، فلا أمة ولا نصر ولا عزة ولا انبعاث إذ حياة هذه الأمة منوطة بالاقتداء بمبعوث الرحمة من رب العالمين. فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده ووالده والناس أجمعين”

إن من أحب شيئاً آثرَ موافقته، وإلا لم يكن صادقاً في حُبه، وكان مُدعياً، فالصادق في حب النبي صلى الله عليه وسلم من تظهر علامة ذلك عليه، وأولها: الإقتداء به، وانتهاج سنته، واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه في عُسره ويُسره، ومنشطه ومكرهه، وشاهد هذا قوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ، وإيثار ما شرعه، والحض عليه وتقديمه على هوى نفسه وموافقة شهوته.

وما بلغ الصحابةُ الكرام درجة الرضوان، وما استحقوا السيادة في الأرض والسماء إلا لما عرفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم منزلته وأحبوه وقدموه وافتدوه بأنفسهم وسمعوا من الله تعالى أن ذلك موجب للإيمان ومبلغ لأعلى الدرجات فيها، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: “جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: إنّك لأحبَ إلى من نفسي وإنك لأحب إليَ من ولدي وإني لأكون في البيت فأذكرك، فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتك عرفت إنَك دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإنّي إذا دخلت خشيت أن لا أراك فأنزل الله تعالى: “وَمَنْ يُطع الله والرَّسُولَ فأُولَئكَ مع الذين أنْعَمَ اللهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحيِنَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفيِقاً

وروي أنّه لما أخرج أهل مكة زيد بن الدثنة من الحرم ليقتلوه، قال له أبو سفيان بن حرب: أنشدك بالله يا زيد أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك لضرب عنقه وإنّك في أهلك؟ فقال زيد: والله ما أحبّ أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة وإنّي جالس في أهلي، فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً).

وقال صلى الله عليه وسلم: “أشدّ أمتي لي حباً قوم يكونون من بعدي، يود أحدهم أنه فقد أهله وماله وأنه رآني”

فالسبق السبق للاقتداء بخير خلق الله تعالى حتى تنطبع النفس وتتشرب من المعين الصافي الذي جعله الله تعالى موردا يروي ظمأ العطشان.لَقَد فازَ مَن كانَ الرَسولُ إِمامَهُ *** يَقودُ بِهِ نَحوَ النَجاةِ زِمامَهُقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا