الفقرة الثانية: تتمة تنظيم المؤسسات الجامعية

أهم الهيئات التنظيمية التي أضافتها النصوص التطبيقية لظهير 25 فبراير 1975 تتمثل في اللجنة العلمية للمؤسسة (أولا) والشعب الدراسية (ثانيا)، فماذا عن هذه الهيئات ومهامها؟

أولا: اللجنة العلمية

أُحدثت هذه اللجنة بموجب الفصل السابع من مرسوم 17 أكتوبر 1975 1 ، وهي تضم من ثلاثة إلى خمسة أساتذة للتعليم العالي، ممن يمارسون عملهم في المؤسسة يعينهم عميد الجامعة بعد استشارة رئيسها، الذي هو رئيس المؤسسة، وفي حالة عدم التوفر على العدد الكافي من أساتذة التعليم العالي فبإمكان رئيس الجامعة أن يستدعي أساتذة محاضرين لأجل تأليف هذه اللجنة أو لتتميم تأليفها. وتتركز اختصاصاتها فيما يلي:

– تقترح على مجلس الجامعة التعيين المباشر لرجال التعليم الباحثين وترسيمهم وترقيتهم؛ بحيث تعد تقريرا عن كل مرشح بعد دراسة ملفه والنظر في أشغاله؛

– تقترح تمديد فترة التمرين لمدة سنة، إذا لم يستطع الأستاذ الباحث أن يبرهن على مؤهلاته خلال مدة التمرين؛

– تبدي الرأي في كل ما يعرضه عليها رئيس المؤسسة من قضايا للبحث العلمي، وكذا النظر في قبول تسجيل موضوعات أطروحات دكتوراة الدولة؛

– تقوّم البحوث المرشحة للطبع والإصدار من طرف المؤسسة.

ورغم أهمية هذه المهام فإن الممارسة ستبين أن هذه اللجنة ستظل شكلية في الكثير من المؤسسات، بسبب التدخلات المتتالية للسلطة المركزية أو لرئيس الجامعة.

ثانيا: الشعب الدراسية

أحدثت فروع التعليم والبحث، أو ما يسمى بالشعب الدراسية، بقرار لوزير التعليم العالي بتاريخ 8 دجنبر 1975 2 ، وتتكون كل شعبة من مجموع رجال التعليم العالي الباحثين العاملين بها، وتشتمل على المصالح والأقسام والمختبرات، التي تهم مادة واحدة أو عدة مواد متصلة فيما بينها.

وحُددت اختصاصاتها بقرار ثان لوزير التعليم العالي بنفس التاريخ، وهي:

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -18-

– السهر على تطبيق برامج التعليم والبحث واستخدام المنهج التربوي المعمول به في المؤسسة الجامعية؛

– إنجاز وتنسيق الأعمال المقررة في الفصول 2 و9 و10 من مرسوم 17 أكتوبر 1975، ولاسيما التعريف بأشغال البحث المنجزة، مثل الدراسات أو الرسائل أو الأطروحات؛

– تقديم اقتراحات تتعلق ببرامج التعليم والبحث وتوزيع حصص التعليم وتنظيم الامتحانات؛

– دراسة حاجيات الشعبة في ميداني التسيير والتجهيز، وعرض الاقتراحات بشأنها على رئيس المؤسسة. 3

يشرف على الشعبة الدراسية رئيس يجب أن يكون أستاذا للتعليم العالي أو أستاذا محاضرا، ينتخبه لمدة سنتين رجال التعليم الباحثون المرسمون والمنتمون للشعبة المذكورة، وتخول لرئيس الشعبة صلاحيات تنظيمية وتنسيقية في إطار الاختصاصات العامة للشعبة، كما تساعده في أعماله هيئة تسمى هيئة الشعبة، وتتكون من جميع المسؤولين عن المصالح والأقسام والمختبرات.

يجتمع رؤساء شعب المؤسسة في لجنة تسمى “لجنة تنسيق رؤساء الشعب”، يرأسها رئيس المؤسسة وتضم أيضا نائب القيدوم أو مساعد المدير، والكاتب العام، ويمكن أن ينضم إليها بصفة استشارية أي شخص يمكن أن يكون حضوره مفيدا في مداولاتها.

إن أهم ما يميز الشعبة الدراسية انتخاب رئيسها، الأمر الذي سيكون له انعكاسات إيجابية على مسار الشعب الدراسية، إذ ستتضافر جهود الأساتذة الباحثين على تطويرها مما سيجعلها من أهم مكتسبات ظهير 25 فبراير 1975، لذلك ستدعو النقابة الوطنية للتعليم العالي في غير مرة للتشبث بها وتطويرها واعتبارها نموذجا، خاصة في مسألة انتخاب الرئيس.

نستنتج أخيرا من كل ما تقدم أن ظهير 25 فبراير 1975 المتعلق بتنظيم الجامعات يعد أول محاولة لتنظيم التعليم العالي؛ خاصة في شقه الجامعي، وقد اتسم بنوع من الشمولية والتجديد، وكان من أهم إيجابياته وضع إطار قانوني للتعليم العالي، أخرجه من تلك الفوضى التي كان يتخبط فيها منذ الحصول على الاستقلال.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -29-

وإذا كان الظهير حدد اختيار المغرب في الأخذ بالنموذج الغربي خاصة الفرنسي للتعليم العالي، حيث جعل الجامعة وحدة أساسية؛ فإننا على مستوى المضامين لا نلمس إلا منح استقلالية شكلية للجامعات، سواء على المستوى الإداري أو المالي أو العلمي أو البيداغوجي، وذلك بالنظر أساسا إلى تركيبة مجالس الجامعات ومجالس الكليات، وإلى الاختصاصات المخولة لها، في مقابل الصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها السلطة المركزية.

إن ظهير 25 فبراير 1975 لم يأت لإلغاء تدخل الدولة في الشأن الجامعي، وإنما أتى ليضفي على ذلك التدخل نوعا من التقنين والتنظيم. لتبقى مسألة استقلالية الجامعة مطمحا يتطلب نقاشا جديا.

وبهذا الصدد نشير إلى أنه في أوربا، وبعد نقاش طويل، بل دام عقودا! شاركت فيه أعلام فكرية من مثل: روبرت ماكيفر، هربرت سبنسر، تالكوت بارسونز وماكس فيبر… حول: هل الجامعة ينبغي أن تكون مسيسة أو محايدة؟ انتهى النقاش إلى إقرار ثلاثة اتجاهات، الأول يرى ضرورة تبعية الجامعة للدولة تبعية مطلقة، والثاني يرفض ذلك ويذهب إلى عكسه تماما، أما الاتجاه الثالث فيرى أن الجامعة لا يمكن أن تكون مسيسة كلية أو محايدة تماما.

فانسجاما مع هذا الاتجاه الأخير نعتبر أن الدولة باعتبارها صاحبة السلطة والسيادة العليا في المجتمع، من حقها أن توجه كافة المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية إلى أهدافها الأساسية المرسومة للنهوض بالمجتمع، لكن هذا لا يعني أبدا التدخل في كل خصوصيات الشأن الجامعي، بما فيها المبادرة العلمية والبيداغوجية، فلكي تنهض الجامعة، ومن تم ينهض المجتمع، لابد من حرية للعاملين بالحقل الجامعي سواء كانوا أساتذة أو إداريين أو طلبة. كما أن ذلك الهامش للتسييس الذي يمكن أن تتمتع به الجامعة لا ينبغي –بأي حال من الأحوال- أن يكون حكرا على الدولة، بل مفهوم الجامعة نفسه يدل على أنها تجمع –بطريقة حضارية- تصورات إيديولوجية وأراء سياسية مختلفة، ومتى تحقق ذلك شكلت الجامعة رافدا هاما للمجتمع في مختلف الجوانب، العلمية والسياسية والاقتصادية والفكرية 4 .

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975- 2008) -1-

خلاصة القول أنه رغم حداثة مضامين ظهير التنظيم الجامعي، فإنها لم ترق إلى المستوى المطلوب، وذلك راجع في اعتقادنا إلى الأسباب السياسية والأمنية والاقتصادية التي شكلت إطارا تاريخيا للإصلاح.

وإذا كان التصور عنوان التصرف، فأي تطبيق سيعرفه “الإصلاح الجامعي” لسنة 1975؟


[1] المرسوم رقم 655-75-2 بتاريخ 11 شوال 1395 (17 أكتوبر 1975) بمثابة النظام الأساسي الخاص برجال التعليم الباحثين في التعليم العالي، الجريدة الرسمية عدد 3286 بتاريخ 22 أكتوبر 1975.\
[2] القرار رقم 75-1485 بتاريخ 5 ذي الحجة 1395 (8 دجنبر 1975) المتعلق بإحداث فروع التعليم والبحث التابعة للمؤسسات الجامعية، الجريدة الرسمية عدد 3317 بتاريخ 6 ماي 1976.\
[3] القرار رقم 76-678 بتاريخ 5 ذي الحجة 1395 (8 دجنبر 1975) المتعلق بتحديد اختصاصات وكيفية تسيير فروع التعليم والبحث، الجريدة الرسمية عدد 3317 بتاريخ 6 ماي 1976.\
[4] يذهب الدكتور محمد معتصم إلى أن من أهم عوامل ضعف المعارضة: نضوب المعين الطلابي الذي كان يمدها بأحسن مناضليها. كتاب الحياة السياسية المغربية (1962-1991)، الطبعة الأولى، البيضاء 1992، ص 91.\