يسعدنا أن نتقدم من داخل زنازن المغرب الأقصى الكئيبة إلى كل أبناء أمتنا بأحلى التهاني والتبريكات، وأعز المتمنيات بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك، سائلين الله عز وجل أن يتقبل منا ومنكم.

أستغل هذه المناسبة المباركة لأحيي كل أبناء بلدي العزيز، الذي تحول إلى سجن كبير، مبشرا إياهم، من داخل زنزانتي، بغد أفضل، غد الإسلام إن شاء الله، غد العدل والحرية والكرامة. فليطمئنوا، فالاستبداد آفل لا محالة، وما عليهم إلا أن يعملوا ويتعاونوا على البر والصلاح، قال الله تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ. ولعل احتفالنا جميعا بالعيد، وما يحمله من معاني التسامح والتغافر والتصافح والتراحم، لجدير أن يوقظ في نفوسنا أملا مشروعا في التصافي والتعاون فيما بيننا، والحد من خلافاتنا، وتوحيد جهود مختلف مكونات مجتمعنا، فبلادنا في أمس الحاجة إلى كل أبنائها الفضلاء للمساهمة في بناء مستقبل زاهر يسوده العدل، والإخاء، والاحترام، والتنافس على البذل والعطاء، ومقاومة كل أشكال الظلم والاستبداد.

كما يطيب لي أن أهنئ وأحيي رجال ونساء العدل والإحسان، صغارا وكبارا، على ما يبذلونه من جهد وتفان في خدمة عباد الله وهدايتهم، والتمكين لمبادئ الإسلام والإحسان في قلوب الناس وبيوتهم، ونصر دين الله ورفع رايته. وهم يتحملون في سبيل ذلك أذى المخزن وأعوانه، دون أن يثنيهم المنع والحصار والاعتقال عن مواصلة المسير. فهنيئا لكم أن كنتم من صناع الحياة والتاريخ، هنيئا لكم على صبركم وجهادكم، قال الله تعالى: مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً، إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ، وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ. هنيئا لنا بالانتساب لهذه الجماعة المباركة، التي جعلتنا والأمة نبدأ صفحة جديدة من التفاؤل والأمل في نصر الله، لنخرج من نفق الحصار والاستبداد والهزيمة النفسية التي استولت على أبناء أمتنا، فأصبحنا في ذيل الأمم، لا يحدونا أمل في تحرير ولا نصر، أو رقيٍّ وتقدّم. إن ما يميزكم سادتنا الأعزاء أبناء العدل والإحسان، ويجعلكم أمل الأمة ومستقبلها وملاذها أنكم من أبناء الآخرة، ترجون ما عند الله، وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى، من الله تستمدون قوتكم وثباتكم، فحياكم الله وأدام عزكم.

وأحيي تحية خاصة ولي نعمتنا، الجوهر الفرد، حسنة الأيام والليالي، حضرة المجاهد الرباني الكبير، الأستاذ الجليل سيدي عبد السلام ياسين المرشد العام للجماعة حفظه الله وأدامه ذخرا للإسلام والمسلمين، ونبراساً يضيء طريق الأجيال، ومناراً في طريق السالكين. قال تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً.

كما لا يفوتني أن أهنئ آباءنا وأمهاتنا وذوينا على صبرهم واحتسابهم أمرهم لله عز وجل. لقد تعرضوا للاعتداء والتشريد من طرف هذا النظام المخزني الذي عاث في الأرض فسادا، فهذا هو العيد التاسع عشر الذي نحتفي به وراء القضبان بعيدا عن ذوينا وأحبابنا، بعيدا عن آبائنا وأمهاتنا الذين تجرعوا ألم فراق فلذات أكبادهم الذين اختطفوا من بين أيديهم للزج بهم في أقبية السجون ظلما وعدوانا. فلا تنسوهم من صالح دعواتكم.

أما الظلمة والمفسدون في هذا البلد المغلوب على أمره، فلا يسعني في هذه المناسبة الجليلة إلا أن أدعو لهم بالهداية، وأدعوهم للتوبة والاستقامة قبل فوات الأوان، فالدنيا ساعة فلتكن في طاعة الله عز وجل وفعل الخيرات، وإلا فهي خسارة الدنيا والآخرة.

كما أتقدم بالتهنئة والتحية لإخوتنا في فلسطين السليبة، في غزة العزة والضفة المجاهدة، وفي كل شبر من أرض فلسطين الحرة، وأخص بالذكر المعتقلين الأحرار في سجون الاحتلال، منحنيا إجلالا وتعظيما أمام جهادهم وصمودهم، سائلا الله تعالى أن يفك أسرهم وأسر الأقصى، وأن ينصرهم نصرا مؤزرا، والنصر آت، وكل آت قريب.

قبل أيام حل علينا رمضان المبارك ضيفا كريما، وها نحن اليوم نودعه، ونفرح بحلول العيد، شاكرين الله تعالى على ما يَسر وأعان، ووفق لحسن صيام رمضان وقيام لياليه. وغدا إن شاء الله سنفرح بلقاء الله، وما أعده للصائمين من ثواب وفير، “للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه”.

وإذا كان صيام رمضان يتوج بالاحتفاء بعيد الفطر، فإن الصيام عن لذات الدنيا يمتد العمر كله، حتى إذا مات الإنسان انقضى شهر صيامه، واستهل عيد الفطر. وقد كان بعض الصالحين يقول:وقد صمت عن لذات دهري كلها *** ويوم لقاكم ذاك فطر صياميفاللهم وفقنا لما فيه رضاك، وردنا إليك ردا جميلا، واجعلنا من عبادك الصالحين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون آمين.

وعيد مبارك سعيد وكل عام وأنتم بألف خير.

مصطفى حسيني ـ أحد معتقلي العدل والإحسان المحكومين ب 20 سنة سجنا نافذا ظلما وعدوانا ـ

حرر بفاس في الزنزانة رقم: 5.