بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ للهِ وَلِيِّ كُلِّ خَيْرٍ وهدايةٍ، والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمدٍ الدَّاعِي إلى أفضلِ طريقٍ وغايةٍ، وعلى آلهِ وصحبِهِ، مصابِيحِ الهُدَى والدِّينِ، وتابعيهِم بإحسانٍ على النَّهْجِ المَتينِ.

إن المطالع للتواريخ وكتب السير التي كتبها المؤرخون ليرى عجبا عجابا ويستيقن أن الظلم والعسف والجور ملة واحدة على كر العصور واختلاف الدهور. وإن سير الصالحين لمما يجب على المومن الداعي إلى الله لزوم مطالعتها وسبر غورها والوقوف عند مكنون جواهرها كيما يزداد بها إيمانه ويقوى فهي من أقوى مصادر الطاقة الإيمانية. إنها تاريخ رجال وقفوا في وجه الظلم وأعلنوها باستماتة ألا هوادة مع الجبر والعسف وأن الحق يعلو ولا يعلى عليه، فاستطابت نفوسهم كل المرارات والمكاره في جنب الله وهانت عليهم نفوسهم وأموالهم وعشيرتهم في سبيل الدعوة إلى الله لما أفضى يقين الحق إلى سويداء قلوبهم.وَلَمَّا رَأوَا بَعْضَ الحَياةِ مَذلة *** عليهم وعِز الموتِ غَيرَ مُحَرَّمِ
أَبْوا أنْ يَذُوقُوا العَيْشَ والذَمُّ وَاقعُ *** عليه وماتُوا مِيتَةً لَمْ تُذَمَّمِ
ولا عَجَبٌ لِلأُسْدِ إِنْ ظَفِرَتْ بِهَا *** كِلابُ الأَعَادِي مِنْ فَصِيحٍ وَأَعَجَمِ
فَحَرْبةُ وحْشِيٍّ سَقَتْ حَمزةَ الرَّدَى *** وَحَتْفُ عَليٍّ في حُسَامِ ابن مُلْجَمِ
إن عنايتنا بهذه القصص والأخبار لا يعد من ترف القول وفضول الاهتمام، بل إدراكا منا أن في قصصهم عبرة لأولي الأبصار، ولأنها مادة التجديد والبعث الجديد في حياة المسلمين، نستعين بها كما استعان غيرنا في إيقاظ همم المسلمين المومنين وإلهاب قلوبهم بجذوة الإيمان والثبات عليه في وجه الرياح المادية وعواصف الاستكبار العالمي.

نقرأ هذه القصص فننظر عظة الله فيمن أوذوا فصبروا فنالوا العلا وفيمن ساسوا الناس بالخسف والجور فطمرتهم قدرة الله ولو بعد حين.

إنها نبذة مما جرى لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأولياء الله من المحن والقتل والضرب من الظلمة والطغاة.إِنَّ الشَّدَائِدَ قَدْ تَغْشَى الكَرِيمَ لِأنْ *** تُبينُ فَضْلَ سَجَيَاهُ وتُوضِحُهُ
كَمُبْرِدَ القَيْن إِذْ يَعْلُو الحَدِيدَ بِهِ *** وليْسَ يأكُلُه إلَّا لِيُصْلِحَهُ

عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما والحجاج بن يوسف

حين قتل الحجاج بن يوسف عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أمر بخشبة فصلبه عليها. فلما أقبلت أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما إلى الخشبة فعانقتها وجلست تبكي وتقول: “واغوثاه. يا لله ما أعظم ما نزل بنا بعدك يا محمد يا رسول الله، لو تدرك ما نزل بعدك بأصهارك وأرحامك وأبناء المهاجرين لرأيت أمرًا عظيمًا. اللهم فبلغ عنا نبيك صلى الله عليه وسلم في عظيم ما نزل”.

فأخبر بمقالتها عبد الله بن عمر فبكى حتى كادت نفسه تفيض. ثم قال لابنه: “قدني إليها” وقد كبر وكان يرتعش من الكبر وكان قد عمَّر فقاده ابنه إليها فلما أشرف على الخشبة نظر إليه مصلوبًا. قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ليقتلني أمير جائر على طاعة أحب إلي من أموت مجاهدًا في سبيل الله”، فأتى شقي من الأشقياء فبلَّغ ذلك إلى الحجاج فبلَغ منه قولُ ابن عمر كل مبلغ.

فركب إلى خشبة بن الزبير فأصاب أمه عندها تبكي وابن عمر وابنه سالمًا فقال: ليس مثله يبكى عليه. فقال ابن عمر: “قومي”، فقامت ولم تكلمه وانصرف ابن عمر إلى منزله.

فدعا الحجاج رجاله فقال: إن ابن عمر بن خليفة وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخاف إن خرجنا أن يستحل منا ما استحل ابن الزبير وعلماء العراق.

قالوا: فما ترى؟ قال: “هذا أعظم مما كان منا، إنما عمدنا إلى جبل الإسلام وحاجب محمد ومن عرضت عليه الخلافة فلم يقبلها ومن حج أربعين حجة ومن سمته قريش حمامة البيت وقدره في العرب كما علمتم وحب الأوس والخزرج لأبيه عمر بن الخطاب”.

فبعث الحجاج غلامه أن يركب فرسًا جامحًا وأمره أن يطحنه بالفرس ويقتله.

فركب الغلام الفرس فنظر إلى ابن عمر وهو سائر يوم الجمعة فحمل عليه وصدمه ورضَّه.

فبادر الناس إليه وقالوا: يا غلام أهلكت المسلمين في علمهم فطلبك الله.

وأقام الحجاج ينتظر موته. فلما أبطأ عليه عمد إلى الحديدة التي في الرمح فسمها سمًا ناقعًا وجعلها في عصا وقال لأحد رجاله: ضعه على ظهر قدمه واتكئ عليه حتى يدخل. فإن قال أهلكتني، فقل ما علمت أن رجلك ها هنا.

ففعل ذلك ثم خرج عنه فاشتعل جسد ابن عمر سمًا فأقام ثلاثة أيام فمات رحمة الله عليه.

ودخل الحجاج على ابن عمر يعوده قبل موته فقال ابن عمر رضي الله عنه: “أنت قتلتني، حسبنا الله ونعم الوكيل”.)

سعيد بن جبير والحجاج

ومن الذين أوذوا في سبيل الله وقتلوا سعيد بن جبير وقصته أشهر من أن تذكر فلا نطيل بذكرها وكان قد دعا من قبل أن يذبحه الحجاج فقال: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي).

وقيل إن الحجاج عاش بعد قتله لسعيد ستة عشر يومًا فقط وقعت الآكلة في بطنه. وكان ينادي في بقية حياته: مالي ولسعيد بن جبير، كلما أردت النوم أخذ برجلي.

وقيل دعا عليه بالزمهرير 1 فكانوا يجعلون حوله الكوانين تلتهب جمرًا مع ما عليه من الثياب التي يدثرونه بها. فما زال في العذاب الأليم ثم أرسل في طلب الحسن البصري التابعي المشهور فأتاه واشتكى إليه ما نزل به من الألم، فقال: قد نهيتك مرة بعد أخرى لا تتعرض للصالحين، ولا تكن منهم إلا بسبيل خير فأبيت ولججت )ليقضي الله أمرًا كان مفعولاً

مالك ابن أنس رضي الله عنه وأبو جعفر بن سليمان

وممن ضُرب مالك ابن أنس رضي الله عنه، وذلك أن الحساد دسوا إلى أبي جعفر بن سليمان من قال له إن مالكًا يفتي الناس أن أيمان البيعة لا تلزمهم لمخالفتك واستكراهك إياهم عليها.

فدس عليه جعفر من يسأله عن ذلك فأفتاه مالك طمأنينة إليه وحسبة منه. فجاءه رسول جعفر بن سليمان وأتى به منتهك الحرمة مهانا فأمر به جعفر فضربه سبعين سوطًا.

عبد الله بن عون البصري وبلال بن أبي بردة

ومما جرى على عبد الله بن عون البصري الذي قيل ما كان بالعراق أعلم بالسنة منه. وكان ورعًا تزوج امرأة عربية فضربه بلال بن أبي بردة عشرة أسواط وقال له: انزل عنها. قال: لا أفعل. فقال له بلال: والله لا أبرح أضربك حتى تطلقها.

فقال ابن عون: والله لا أبرح أصبر ولا أطلقها حتى أعجز. وكان رجلاً نحيفًا لا يحتمل الضرب بالسوط، فضربه أيضًا عشرة أسواط وقال بلال: هو ما ترى.

ثم أمر به فضرب عشرة أسواط أخرى فقال: يا ابن عون هو ما ترى حتى تطلقها. قال: هي طالق.

أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق وأبو جعفر

بعث أبو جعفر في طلب أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق فقيل له: إن أمير المؤمنين متغيظ عليك. فدخل وهو يحرك شفتيه. فلما رآه أبو جعفر نهض إليه واعتنقه وأجلسه معه ثم عانقه.

وقال له: يا أبا عبد الله ما هذا الذي يبلغني عنك لقد هممت.

فقال له: إن أيوب ابتلى فصبر وإن سليمان أعطى فشكر وأنت من ذلك السنح.

قال: فيرفع إلي أن الأموال تجبى إليك بلا سوط ولا عصا. ثم أمر بالرافع فأحضر.

فقال أبو عبد الله: أحقًا رفعت إلى أمير المؤمنين. قال: نعم.

قال أبو عبد الله: فاستحلفه يا أمير المؤمنين.

فقال له أبو جعفر: احلف. فقال الرافع: والله الذي لا إله إلا هو.

فقال له أبو عبد الله: ليس هو كذا، إن العبد إذا مجد الله في يمينه أمهله في العقوبة. ولكن قل أنا برئ من الله والله برئ مني وأنا خارج من حول الله وقوته راجع إلى حول نفسي وقوتها.

فحلف الرافع فوالله ما رُفع إلا ميتا، فراع ذلك أبا جعفر وقال: انصرف يا أبا عبد الله فلست أسألك بعدها.

وسئل عما حرك به شفتيه حينما دخل عليه فقال قلت: اللهم بك أستفتح وبك أستنج اللهم ذلل حُزُونته وكل حُزُونة وسهل لي صعوبته وكل صعوبة. اللهم أعطني منه من الخير ما أرجو واصرف عني منه من الشر ما أحذر فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب ولا حول ولا قوة إلا بالله.

صفوان بن سليم وبلال بن أبي بردة

كان صفوان بن سليم قد كف بصره في آخر عمره فبينما هو ذات يوم بالسوق يقاد إذ دخل بلال بن أبي بردة فسمع صفوان الطريق والجلاوزة بين يديه.

فقال: ما هذا؟ فقيل: بلال. فقال: سحائب صيف عن قريب تقشع. فسمعه بلال.

فقال: والله لأذيقنك من بردك شؤبونا. فلما نزل بهيكله بعث في طلبه ثم ضربه بالسياط.

عن مالك بن أنس أنه قال: لو قيل لصفوان بن سليم غدًا يوم القيامة ما قدر على أن يزيد على ما هو فيه من العبادة شيئًا.

أبو مسلم الخولاني والأسود العنسي

ومن ذلك ما امتُحن به أبو مسلم الخولاني لما ألقي في النار. وذلك أن الأسود العنسي تنبأ باليمن فدعا أبا مسلم الخولاني فقال اشهد أني رسول الله.

قال: لا أسمع، قال: اشهد أن محمدًا رسول الله، قال: نعم. فأمر الأسود بنار فقَذف فيها أبا مسلم فخرج يرشح عرقًا.

فقيل للأسود: اِنْفِهِ عنك لا يُفسدْ عليك الناس. فأخرجوه ثم قدم المدينة وبها أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.

فقال له عمر رضي الله عنه: من أين أقبل الرجل؟ قال: من اليمن، قال: ما فعل الرجل الذي أحرقه الكذاب؟ قال: ذلك عبد الله بن ثوب. 2

قال له عمر رضي الله عنه: أنشدك بالله أنت هو؟ قال: نعم.

قال فأدخله وأجلسه بينه وبين أبي بكر رضي الله عنهما.

وقال رضي الله عنه: الحمد لله الذي أراني في هذه الأمة من فُعل به مثل ما فُعل بإبراهيم خليل الرحمن.

كميل بن زياد النخعي الكوفي والحجاج بن يوسف

وممن قتل صبرًا كميل بن زياد النخعي الكوفي كان شجاعًا زاهدًا قتله الحجاج بن يوسف.

وذلك أن الحجاج نقم عليه لأنه طلب من عثمان بن عفان القصاص من لطمة لطمها إياه فلما مكنه عثمان من نفسه عفا عنه.

فقال له الحجاج: أَوَ مثلك يسأل من أمير المؤمنين القصاص. ثم أمر به فضُربت عنقه.

لله در هذه الأنفس فما أعزها وهذه الهمم فما أرفعها؟لَهْفِي عَليهِم رِجَالاً طَالَمَا صَبَرُوا *** وَهَكَذَا طَالِبُ العَلْيَاءِ صَبَّارُ
لَهْفِي عَليهِم رِجَالاً طَالَمَا عَدَلُوا *** بَيْنَ الأَنَامِ وَمَا حَابُوا وَلا جَارُوا
مَالوُا يَمِينًا عَنِ الدُّنْيَا وَزَهْرَتـهَا *** لأَنَّهَا في عُيُونِ القَوْمِ أَقْذَارُ
وَصَاحَبُوهَا بِأَجْسَادٍ قُلُوبُهُم *** طَيْرٌ لَهَا في ظِلالِ العَرْشِ أَوْكَارُ
هُمُ الذِينَ رَعَوا لِلْحق حُرْمَتَهُ *** لِلْعِدل بَيْنَهُم شَأَنٌ وَمِقْدَارُ
صَانُوْهُ طَاقَتَهُم عَنْ مَا يُدَنِّسُهُ *** كَمَا يَصُونُ نَفِيسَ المَال تُجَّارُ
وَأَحْسَنُوا فِيْهِ تَصْرِيفًا لأَنَّهُم *** لَهُم مِنَ اللهِ تَوْفِيْقٌ وَإِقْدَارٌ
رَأوهُ كَالنَّجْمِ بُعْدًا لَيْسَ يُدْرِكُهُ *** بَاعٌ قَصِيْرٌ وَفَهْم فيْهِ إِقْصَارُ


[1] البرد العظيم\
[2] وكان اسمه حقا عبد الله بن ثوب.\