ارتباك كبير حصل للقناة الثانية المغربية وهي تنقل لنا خبر اجتماع مجلس رؤساء الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات في لقائها مع رئيس وكالة بيت مال القدس الدكتور عبد الكبير المدغري.

فقد اعتادت القناة الثانية أن تقدم ملخصا للفقرات الإخبارية في بداية النشرة بدء بالأنشطة الملكية والحكومية إلى الأخبار الرياضية. وكم كان استغرابي كبيرا حين بدت لي لقطة دامت بعض ثواني ظهر فيها الأستاذ الحمداوي عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان إلى جانب الأستاذ السفياني وباقي أعضاء الهيئة…

تساءلت مع نفسي هل يمكن أن تكون هذه فلتة أم توبة لقناتنا، لأنها كانت دائما تتعمد في نقلها لأخبار الوقفات والمسيرات الوطنية أن تتحاشى إظهار أعضاء جماعة العدل والإحسان رغم أنهم يشكلون أغلبية المشاركين. بل وتستعمل جميع الوسائل الجبانة حتى لا تنقل مقدمة المسيرة حيث يظهر أعضاء من مجلس إرشاد الجماعة، وتصطنع مقدمات خارج الصف كي تموه على المشاهدين، في حين نجد أن غالب القنوات الفضائية تنقل لنا حقيقة الوقفات والمسيرات بل وتصريحات المسيرين من كل طيف بشكل عادل ودون تمييز.

قلت في نفسي لعل هذه بوادر إصلاح العشرية الثانية التي قد تعرف طفرة كبيرة نحو الديمقراطية خصوصا بعد إعلان انطلاق مسلسل إصلاح القضاء.وقلت في نفسي لعل الوقت المناسب قد حان بعد أن استتب الأمر في البلاد وهدأت الأوضاع وأمن المسؤولون واطمأنوا أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون… صحيح أن 10 سنين تساوي ولايتين في أغلب الدول العظمى، وصحيح أن محاسبة الرؤساء تبدأ بعد اليوم المائة، لكن لكل وتيرته ولعل مجتمعاتنا السائرة في طريق النمو تحتاج في التغيير لوقت أطول ثم قلت في نفسي “وقت ما جا الخير ينفع”.

ساعدني على طول التفكير حدث غريب يقع لأول مرة في تلفزتنا… فاصل إشهاري بعد دخول وقت النشرة الإخبارية. لم أكترث كثيرا لهذا الحدث، سوى أني قلت في نفسي: إن تدخل شركات الإشهار في برامج التلفزة قد زاد عن حده. وعدت لتفكيري وأنا كلي شوق، أنتظر تغطية اجتماع مجلس رؤساء الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات.

انتهت حصة الإشهار الغريبة، ليبدأ المذيع في التفاصيل الإخبارية. تحدث عن الأنشطة الملكية تم انتقل مباشرة إلى اجتماع مجلس رؤساء الهيئة حيث بدأ التعليق بصورة للمسجد الأقصى ثابتة على الشاشة ودامت دقيقتين أو ثلاث. قلت في نفسي لعل كلمة المذيع ستدوم عدة دقائق. فالحدث هام جدا خصوصا أنه يصادف الذكرى الأربعين الأليمة لإحراق المسجد الأقصى ولعل سماح الرقيب ببروز عضو من مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان على الشاشة إشارة جميلة إلى المبادرة القوية التي صدرت عن هذه الجماعة بهذه المناسبة في عدة مساجد داخل المغرب تضامنا مع المسجد الأقصى وإحياءً لهذه الذكرى…

كل هذا وأنا منتصب أمام الشاشة الصغيرة التي بدأت تكبر في عيني إلى أن فاجأني المذيع بالانتقال إلى فقرة أخرى من فقرات النشرة دون بث ولو صورة واحدة عن الحدث…

فهمت بعد ذلك أن الأمر لا يعدو أن يكون خطأ من صحافي مبتدئ، بل إهمالا قد يؤدي ثمنه أحد التقنيين، وفهمت أن الفاصل الإشهاري لم يكن إلا ربحا للوقت لتصحيح الخطإ الجسيم في النشرة التفصيلية وفهمت أن صورة القدس لم تكن إلا آخر الدواء حيث تعذر العثور على لقطات تفي بالغرض وفهمت أن بلدا فاسدا قضاؤه متابعا أحراره وجرائده لا خير يرجى من نظامه والمتحكمين في دواليب تسييره، وفهمت أن لا مكان في السياسة لـ”السذج” أمثالي وأشحت بوجهي عن التلفاز لأتناول وجبة العشاء وأخلد بعدها للنوم.