يتميز المنهاج النبوي كما عرفناه في الحلقة السابقة بخصائص متعددة يمكن إجمالها في الوضوح، والأصالة، والشمولية، والنسقية، والمستقبلية، والإجرائية، وهكذا سنتناول كل خاصية على حدة.

الوضوح

ويقصد به الوضوح في الأهداف، والغايات، والأساليب، والوسائل، والمبادئ، والمواقف، والمفاهيم، والتصورات، ولهذا يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين: وأرى أنا العبد العاجز أن التفاهم بيني وبين قرائي الأعزاء أزداد عنه عجزا إن لم أقدم المفاهيم الرئيسية التي تشكل الحبل المنهاجي لمضمون ما أريد تبلغيه بحول الله) 1 .

ولعل هذا الوضوح مما يسبب للجماعة متاعب كثيرة سواء في علاقتها مع السلطة من خلال موقفها الثابت منها، أو مع العديد من المكونات السياسية من خلال موقفها المبدئي في اشتراط أرضية إسلامية للحوار أو موقفها من الديمقراطية.

وعن سبب هذا الوضوح يقول الأستاذ المرشد: فلا نعمل في إطار مغلق على أنفسنا مهما كانت دواعي التستر. ولا نعمل في إطار مغلق عن الشعب) 2 .

الأصالة

وقد رأينا أثناء التعريف كيف أن المنهاج محاولة لاكتشاف المحجة البيضاء التي تركنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ما يؤكده الأستاذ المرشد حين يقول المنهاج النبوي هو ذلك الصراط الذي تضع فيه قدميك على قدمي رسول الله صلى الله عليه وسلم) 3 .

ولهذا يقصد بالأصالة كونه مستمد من الكتاب والسنة.

الشمولية

وتعني أنه يشمل الفرد والجماعة والأمة، ويتضح هذا حين الحديث عن الخلاصين الفردي والجماعي، ويشمل الدعوة والدولة، والدنيا والآخرة، بمعنى أنه لا يقتصر على مجال دون آخر، ولا يتقوقع في زمان دون آخر، ولكنه يشمل كل المجالات وينظر إلى الماضي والحاضر ويستشرف المستقبل المنهاج النبوي ضروري لتفسير التاريخ والواقع، ضروري لفتح النظرة المستقبلية، ضروري لرسم الخطة الإسلامية دعوة ودولة، تربية وتنظيما وزحفا، ضروري لمعرفة الروابط الشرعية بين أمل الأمة وجهادها، ضروري لمعرفة مقومات الأمة وهي تبحث عن وحدتها، ضروري لإحياء عوامل التوحيد والتجديد، ضروري لمعالجة مشاكل الأمة الحالية قصد إعادة البناء) 4 .

النسقية

يؤاخذ الأستاذ عبد السلام ياسين على الفقه الموروث كونه نثار من العلم لا يجمعه مشروع متكامل 5 ، ويبين أن قوة مشاريع الخصوم تكمن في توفرها على هذه الخاصية لدى دعاة الباطل (..) نسقا واضخا لتحليل الواقع، ونقده، وتحليل التاريخ، ورسم مسار ممكن للمستقل. ونحن نبقى في عموميات مطالبنا الراقية، نعبر عنها بعواطفنا الجياشة الصادقة المشتاقة لغد الإسلام الأغر) 6 ، كما يبين أن هذا مطلب للعقل المعاصر الذي هو بحاجة إلى وضوح مبادئ العمل، وإلى ترتيب، وإلى معرفة “منهجية” وإلى تجربة علمية، وإلى التأكد العلمي من صحة المقترحات وصلاحية نتائجها خصلة إيجابية تهيء المجال للحوار الناقد النزيه الحريص فقط على معرفة الحق) 7 ، بل نجده ينتقد أصحاب الذهنيات التجزيئية هذه الذهنية عاجزة عن تصور عمل إسلامي في نسق منتظم على منهاج يرتب الوسائل لتبلغ الأهداف، ويرتب المراحل والأولويات (..) هذه الذهنيات عاجزة عن تجسيد المنهاج في خطة وبرنامج صالحين للتطبيق) 8 .

الإجرائية

يقول الأستاذ المرشد: قمة التحدي أن ينزرع الإسلام في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، أن ينتقل بالجهاد الدائب اليومي من دعوة إلى حياة، من مثال إلى واقع، من مطمح عال إلى إنجازات عينية (..) إن في الميدان عروضا نظرية للإسلام يكون مجموعها حصيلة لا بأس بها. لكن الطريق الأضمن لتحصيل النتائج العملية لا يزال يحتاج لاجتهاد يلقي عليه الأضواء. لا تقل لي: “الإسلام هو كذا وكذا في العقيدة، وكذا وكذا في الاقتصاد .. إلخ، لكن أخبرني عن المنهاج العملي لكي يكون تحزبنا لله عز وجل قوة فاعلة، أخبرني عن التربية العملية، عن وسائل وآداب وأفعال التغلغل في الأمة، عن المخطط الصالح للتطبيق، المتدرج، الكفيل بإيصال حزب الله حيث يكون من الوجود الكثيف والانتشار والتمركز والتمكن والدراية والخبرة والنظام..) 9 ويؤكد على ذلك حين يقول أن ننزرع في الواقع نتغلغل ونصبح فعلا حاضرا في كل مكان وفي كل ميدان هو قمة التحدي، أن نكون فعلا مؤثرا ناجحا له نتائج) 10 . وهذا ما رأيناه أثناء تعريفنا للمنهاج النبوي حيث الحرص على الجمع بين العلم والعمل وفي هذا يقول الأستاذ المرشد قل لي كيف أسير، عمليا وعينيا ويوميا، على المنهاج النبوي، كيف تسير الجماعة حزب الله لتجتمع رحمة الإيمان وحكمة الإيمان فتكون الطاقة الدافعة والخبرة الإنجازية الكفيل اجتماعهما بتأهيلنا لاقتحام العقبة) 11 .

طالع أيضا  مفاهيم منهاجية (3): التجديد

المستقبلية

المنهاج فكر مستقبلي لأنه يفتح آفاقا تجعل صاحبه ليس فقط على مستوى العصر الذي يعيشه ولكن يرتفع به ليكون على مستوى مستقبل يقترحه هو على التاريخ؛ وهذا ما يجعل النظرة إلى الإسلام لا تقتصر على الحنين إلى الماضي أو القعود مع الأحلام ولكنها إعداد للمستقبل، مستقبل الخلافة الثانية على منهاج النبوة.


[1] عبد السلام ياسين، مقدمات في المنهاج، ص 15.\
[2] عبد السلام ياسين، “المنهاج النبوي”، ص 233-234.\
[3] ن. م. ص 456.\
[4] عبد السلام ياسين، “نظرات في الفقه والتاريخ”، ص 12.\
[5] عبد السلام ياسين، “نظرات في الفقه والتاريخ”، ص 11.\
[6] ن. م. ص. 11.\
[7] عبد السلام ياسين، “مقدمات في المنهاج”، ص 23-24.\
[8] عبد السلام ياسين، “المنهاج النبوي”، ص 218.\
[9] عبد السلام ياسين، “مقدمات في المنهاج”، ص 31.\
[10] ن. م. ص 32.\
[11] ن. م. ص 34-35.\