من نقط قوة “العدل والإحسان” ارتكاز ممارستها على مرجعية فكرية، وبناء نظري واضحين، بل إن كتابات الأستاذ المرشد تشدد على هذا الأمر بالذات حين يؤكد وحدة جهاد. وحدة تصور. وحدة إرادة. بدون هذا تكون سفرتنا إلى غير رشاد (..) إذا شرعنا في عمل جماعي قبل أن نتفق على تصورنا للعمل من كل جوانبه، فأدنى خلاف يوقفنا، وسنختلف على كل شيء، ومن ثم سنعجز عن الاستمرار) 1 ، ومن هنا يتضح أن “العدل والإحسان” تعتبر العلم إمام العمل وتؤمن بأسبقية العلم على العمل لأن الخطأ في العلم خطير على العمل. والعمل بلا علم تخبط وجنون. والعمل في الغموض اضطراب لا يسير إلى غاية صالحة) 2 ، بل تعتبر اكتمال البناء النظري شرط لبداية العمل يجب ألا يتحرك الركب في ميدان العمل قبل أن يتأكد من أن المنهاج محكم، وأنه لا خلل يخاف في الصف نتيجة لنقص في التربية، أو لتفكك في التنظيم، أو لغموض في الرؤية، أو لعجز عن الإنجاز والإتقان وتحمل المسؤولية) 3 ؛ أما إذا عكست الحركة الآية فبدأت بالعمل قبل العلم، أو أخطأت التصور فإن الخطأ في التصور المنهاجي للعمل الإسلامي يوقف تحركنا في أول منعرج تمحص فيه قدرتنا على الرؤية الواضحة لاتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، وبالشكل المناسب) 4 بل يعتبر الأستاذ المرشد تلك الجهود المبذولة عبارة عن طاقات مهدرة حين يقول تضيع جهودنا لكل خطأ أساسي في النظرة، وتقويم الماضي والحاضر والمستقبل، ومهماتنا، ومراحل إنجازها، وظروف تطورها، كما تضيع لكل خطأ أساسي في إعداد القوة التربوية والتنظيمية والتنفيذية) 5 .

المرجعية الفكرية للعدل والإحسان هي المنهاج النبوي، وهو المشروع الفكري الذي حمل لواءه الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، وتجسده مختلف كتاباته، وتنصب كلها على اكتشاف منهاج النبوة إذ ليست العبرة أن نلتمس أقصر طريق للحكم الإسلامي، ولا أن نلتمس أضمن الوسائل رأي العين، فكل طريق غير المنهاج النبوي، وهو السنة، وكل وسيلة لا يقبلها الشرع أمور مرفوضة. العبرة أن نكتشف المنهاج النبوي في التربية، ذلك المنهاج الذي كان عملا باهر النتائج، خرج من مدرسته كبار الصحابة، عظماء الأمة، نخبة الإنسانية بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. العبرة أن نكتشف أسرار المنهاج النبوي الذي نتج عنه الجهاد الخالد الذي كانت ثمرته “المعجزة التاريخية” التي غيرت العالم أعمق تغيير وأوسع تغيير وأسرع تغيير) 6 .

هذا المنهاج النبوي يعتبره الأستاذ المرشد بمثابة الإيديولوجية أما بعد فإن المنهاج النبوي للمومن يكتسي من الأهمية ما تكتسيه الإيديولوجية بالنسبة للمتحزب من غيرنا، ويؤدي نفس الوظيفة) 7 .

فما هو هذا المنهاج؟ وما هي خصائصه؟ وما هي مطالبه؟

طالع أيضا  مفاهيم منهاجية (8): خصائص المنهاج

بالرجوع إلى الاشتقاق اللغوي نجد أن المنهاج على وزن مفعال صيغة اسم الآلة كمفتاح، والصيغة تحتمل المصدرية أيضا كمعراج أو اسم مكان كمرصاد. ومعنى الكلمة لغة يفيد السلوك والوضوح، قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: النهج الطريق الواضح، ونهج الأمر وأنهج وضح. ومنهج الطريق ومنهاجه) 8 ، أما عن التأصيل الشرعي للمفهوم فإن لفظة منهاج القرآنية وردت في قوله عز وجل لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا. قال حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما؛ الشرعة القرآن، والمنهاج السنة) 9 ؛ ولأن المفهوم يرتبط بلفظة منهج ومنهجية يبرز الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين جوانب الاختلاف بينهما فلا تنافي إذن بين كيفية بشرية للقول والتعليم والفعل، بشرية محضة، بينما المنهاج قول وتعليم وفعل، بشري نعم، لكن بكيفية جاء بها الوحي وقاد مراحلها رسول من عند الله عز وجل، وفرق بين “المنهاج” وبين “العلمية المنهجية” من كون المنهجية العلمية موضوعها الكون ونتائج ملاحظتها وتجربتها وافتراضاتها قوانين تحكم الكون وحركته، بينما المنهاج موضوعه الإنسان، ومصير الإنسان في الدنيا والآخرة. والكون وأسراره ونواميسه تابع للإنسان، لا يستغني الإنسان عنه لأنه مجاله الحيوي ومصدر معاشه وعماد بقائه وقوته. ويجتمع المنهج العلمي والمنهاج النبوي في أن عملية ذاك تعطي نتائج كونية وفي أن هذا يعطي نتائج إنسانية) 10 .

لهذه الأسباب نجد الأستاذ المرشد يفضل منهاج فيقول كلمة منهجية التي تترجم معنى أجنبيا تفيد تنظيم أفكار موجهة وطرائق عملية لاستنباط فكري أو تحليل علمي أو تطبيق في حياة الناس. ونفضل كلمة منهاج القرآنية النبوية) 11 .

أما عن معناه الاصطلاحي فيقول بأنه جسر علمي بين الحق في كتاب الله وسنة رسوله وبين حياة المسلمين) 12 وهو تطبيق للقرآن وتجسيد في حياة الفرد وتاريخ البشر لتعاليمه) 13 ويقصد به كذلك البيان العلمي الذي يكون حافزا مجليا لرؤية الأهداف والغايات ولوعي الموقف وسلوك المنهاج المنقذ برغبة وطلب. ولعل هذا التعريف قريب من تعريف معنى الإيديولوجية عندما يستعملون اللفظة استعمالا إيجابيا) 14 .

طالع أيضا  مفاهيم منهاجية(5): العدل

نستنتج إذن أن المنهاج اكتشاف جديد للمحجة البيضاء التي تركنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيفية عملية لفهم الدين، وهو عبارة عن فهم وعلم وطريق، ولذا فهو يجمع بين العلم والعمل، وبين المنهجية والسلوك وهذا ما يؤكد عليه الأستاذ المرشد لأنه يرفض أن يتصور المنهاج إنتاجا ثقافيا أو ترفا فكريا ولكنه آلة للعلم ومرشد للعمل، وهو في نفس الوقت مادة العلم وبرنامج العمل، لا ينفصل المنهاج آلة للعلم والتوضيح عن المضمون العلمي والعملي للمنهاج الطريق) 15 ، ويتضح هذا عندما يتحدث عن وظيفة المنهاج: وظيفة المنهاج العلم والعمل مترابطين، النداء والاستجابة متلازمين، الرحمة والحكمة متعاضدتين، أمر إلهي وطاعة، خطة وتنفيذ معا) 16 ومن هنا تتضح أهميته التي تتمثل في التوضيح والتخطيط والتنسيق والتنفيذ، تجعل من العلم العملي، من سماع الأمر الإلهي بنية التنفيذ كما يقول سيد قطب، رحمه الله، مسألة حياة أو موت) 17 .

في حلقة قادمة، إن شاء الله، نتطرق لخصائص المنهاج.


[1] عبد السلام ياسين، “المنهاج النبوي”، ص 217.\
[2] ن. م. ص 232.\
[3] ن. م. ص 235-236.\
[4] ن. م. ص 236.\
[5] ن. م. ص 236.\
[6] عبد السلام ياسين، “مقدمات في المنهاج”، ص 34.\
[7] ن. م. ص 37.\
[8] ن. م. ص 36. \
[9] ن. م. ص 24-25.\
[10] ن. م. ص 25.\
[11] عبد السلام ياسين، “المنهاج النبوي”، ص 4.\
[12] ن. م. ص. 4.\
[13] عبد السلام ياسين، “مقدمات في المنهاج”، ص 25.\
[14] عبد السلام ياسين، “الإسلام غدا”، ص 605.\
[15] عبد السلام ياسين، “مقدمات في المنهاج” م. س. ص 36.\
[16] ن. م. ص 37.\
[17] ن. م. ص 37.\