دعت منظمة الأمم المتحدة عبر هيئاتها العاملة كمنظمة الصحة العالمية واليونيسف إلى جعل الأسبوع الممتد من فاتح غشت إلى السابع منه أسبوعا للرضاع الطبيعي، تحت شعار “الرضاعة الطبيعية، استجابة حيوية في حالات الطوارئ: فهل أنت مستعدة؟” ويتم خلال الأنشطة المنظمة والحملات المقامة في العالم بمختلف دوله، التوعية بفوائد ومزايا الرضاع الطبيعي وآثاره الايجابية على صحة الأم والطفل وكذا إشعار صانعي القرار بأهمية الرضاع الخاصة في حالات الطوارئ وبضرورة حماية الأمهات وتقديم الدعم لهن ليقمن بإرضاع أطفالهن خلال حالات الطوارئ، وإن كانت هذه الدعوة من الأمم المتحدة تطبعها صفة “الاستعجال والطوارئ” في الدول غير المستقرة سياسيا واجتماعيا بسبب الحروب والمجاعات حيث أن على الأمهات الإرضاع وجوبا واضطرارا بسب انعدام الماء الصالح للشرب والأغذية الكافية لإنقاذ أرواح أطفالهن من سوء التغذية والأمراض فهذا لا يعني أن الرضاع الطبيعي غير ضروي لسائر أطفال العالم أو أقل أهمية، لا سيما وأنه لأسباب متعددة منها ما هو اقتصادي واجتماعي أو ثقافي لا يستفيد ما يقارب 60 بالمائة من أطفال العالم من الرضاع الطبيعي وهو ما صار يشكل خطرا على صحة الأجيال في المستقبل، فالأمهات إما بسب ظروف العمل أو بسبب موضات الحفاظ على الجمال ورشاقة الجسم أو عدم الوعي بأهمية الرضاع الطبيعي الصحية والعاطفية أو الجهل بمخاطر الإرضاع الصناعي أو بسبب المشاكل الصحية أو بسبب التمرد على الفطرة ووظيفة المرأة كأم في بعض المجتمعات والأوساط، أو حتى بداعي الاستسهال والتقليد لسلوك مستورد أو سائد تخلين عن هذه المهمة الجليلة التي أدركت المجمعات البشرية مبكرا ضرورتها الصحية وفوائدها فكان الأطفال لا يحرمون من الرضاع بسبب اليتم أو غيره حيث كان يتم استرضاع النساء له، ويكفي أن نورد حديث السيدة حليمة السعدية مرضعة المصطفى صلى الله عليه وسلم لندرك حرص العرب على صحة الأبناء وخشيتهم عليهم من الأوباء والأسقام، فعن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أو عمّن حدثه عنه قال: كانت حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية أم رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أرضعته، تُحَدّث: أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه، في نسوة من بني سعد بن بكر، تلتمس الرضعاء فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعا غيري، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم أخذ رضيعا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة، قالت: فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره، قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل على ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا إنها لحافل (ممتلئة الضرع من اللبن)، فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا رياً وشبعاً فبتنا بخير ليلة.

حازت والله شرف الدنيا والآخرة هذه السيدة ببركة إرضاعها لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك تحوز كل أم مرضعة أجر وثواب الدنيا والآخرة وتستحق عن جدارة وصاية أمك ثم أمك ثم أمك، أمك أولا لأنها حملت وهنا على وهن وأمك الثانية لأنها أرضعت وغذت ونمت ورعت البدن وأمك ثالثة لأنها ربت الروح وحافظت على الفطرة وأدت الأمانة.

في مستهل هذا المقال نلقي بعضا من الضوء على الفوائد الصحية والطبية للرضاع الطبيعي لنجعلها جسر تواصل بيننا وبين بعض من لا يسلك في آذانهم إلا قال الأمريكان وقال الألمان وقالت المنظمة الفلانية والهيئة العلانية، لنسمع بعد ذلك كلام الله ورسوله معا كلام الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لنرى تأكيد الشريعة الغراء على قضية الإرضاع وإلحاحها عليه وعلى بعض من أحكامه.

الفوائد الطبية والصحية للرضاع الطبيعي

تجهل فئة عريضة من الأمهات فوائد الإرضاع الطبيعي بسبب انتشار الأمية في أوطاننا وضعف حملات التوعية الصحية والإعلامية، وتسود في أوساطهن بعض السلوكيات والمعتقدات غير الصحيحة نحاول الإشارة إلى بعضها اختصارا ولمن أراد التوسع استشارة أهل الاختصاص.

يقصد بالرضاع الطبيعي عدم إعطاء الطفل حديث الولادة أي غذاء أو سوائل سوى لبن الثدي حتى الشهر السادس، بحيث يشكل لبن الأم العنصر الأساس لغذاء الطفل وبعد ذلك يمكن للطفل أن يشارك الأسرة في غذائها بشكل متدرج ولكن دون الانقطاع عن الرضاعة الطبيعية حتى يبلغ عامين أو أكثر لضمان نموه السليم وحمايته من الأمراض.

ولذلك فوائد جما، هذه بعضها:

– بالنسبة للأم:

• تساعد علي انقباض الرحم مما يوقف نزيف ما بعد الولادة ويسرع استعادة الرحم لحجمه الطبيعي

• تساعد على استعادة الأم لوزنها الطبيعي

• تقلل من الإصابة بالإكتئاب النفسي المعروف بعد الولادة

• تخفف من أعباء الأم فهي سهلة ولا تحتاج إلي عملية تسخين أو تعقيم

• تقوي العلاقة العاطفية بين الأم والطفل

• تساعد على تأخير التبويض ومنع الحمل خاصة في الشهور الستة الأولى

• تقلص من فرص الإصابة بسرطان الثدي والمبيض

– بالنسبة للطفل:

• يغطي الاحتياج الكامل للطفل من الغذاء في الأيام الأولى بالرغم من قلة كميته: السعرات الحرارية، كمية عالية من البروتين، فيتامين (أ)

• يعتبر اللبن الطبيعي عاملا ملينا للطفل ويحتوى على العناصر المناعية ضد الكثير من البكتريا والفيروسات.

• لبن الأم سهل الهضم للطفل وتساعد مكونات لبن الأم من الدهون الحمضية والهرمونات على نمو المخ وبخاصة في الأشهر الستة الأولى.

سكريات لبن الأم –اللاكتوز—تزود الطفل بالطاقة وتدخل في مكونات الجهاز العصبي

• نسبة الحديد في لبن الأم كافية لاحتياجات الطفل في الأشهر الأربعة الأولى

• لبن الأم يحمى من لين العظام لاحتوائه على نسبة كافية من فيتامين (د) والكالسيوم والفسفور ونسبة عالية من فيتامين (ج)

• يقلل من الإصابة بأمراض الضغط العالي وتصلب الشرايين والبول السكري وتسوس الأسنان وأمراض نقص المناعة

مخاطر الرضاع الصناعي

ومادامت قيمة الأشياء تعرف بأضدادها كما يقال نعرض بعضا من مخاطر الرضاع الصناعي وأثاره السلبية على صحة الطفل والأم لعلها تكون رادعا لبعض الأمهات، فهو يؤدى:

• إلى سوء التغذية بسبب أخطاء تحضير”الرضعات” والحفظ مما يؤدى إلي التلوث وخطر الإصابات المرضية المتكررة.

•تضاعف الإصابة بأمراض الإسهال أكثرمن25 مرة أكثر على الإرضاع الطبيعي.

• يرفع نسبة الوفيات حيث تزيد 14 مرة عن الأطفال الذين يرضعون طبيعيا.

•أمراض الجهاز التنفسي أكثر انتشارا ومعدل الوفيات بينهم أربع أضعاف الوفيات في أطفال الرضاع الطبيعي

•تزايد معدل إصابة المسالك البولية والتهابات الجلد والحساسية.

• خفض مستوى الذكاء وتدني القدرات العقلية والإدراكية 1

ومما ينبغي الانتباه إليه كثيرا من طرف الأمهات أثناء فترتي الحمل والإرضاع عدم تعاطي الأدوية لأي سبب إلا باستشارة المختصين من الأطباء والمعالجين لما في ذلك من خطورة على الجنين والرضيع كما يجب على الأمهات الاستعداد للرضاعة الطبيعية بشكل مبكر أثناء فترة الحمل، وذلك باتباع خطوات مهمة مثل:

• التأكد من سلامة حلمات الثدي ومعالجة أي مرض مثل الحلمة الغائرة أو المتشققة.

•الاهتمام بالتغذية المتكاملة للحامل بحيث تغطى حاجات الأم والرضيع خاصة البروتين والحديد والكالسيوم (الحبوب والبقول والخضراوات الطازجة والفواكه والحليب العسل الأسود والتمر والخضراوات والأسماك).

كما على المرضعات التخلص من بعض الأفكار الخاطئة والشائعات التي لا أصل لها من الصحة حول الرضاع التي تفشو في أوساط النساء -حتى المتعلمات منهن- ونحاول تسليط الضوء على بعضها اختصارا تعميما للفائدة وتقويما لبعض السلوكات وإن كنا ذكرنا بعضها في فوائد الرضاع:

– الإسراف في تنظيف الثدي والحلمة بعد كل رضعة: الغسيل المتكرر للثدي والحلمة بالماء والصابون بعد كل رضعة وخاصة بالصابون يزيل طبقة الزيت الطبيعي الموجودة على الهالة والحلمة، وهي مادة تفرزها الغدد الموجودة على الهالة مما يؤدي إلى جفاف الجلد وتشققه ويسبب الألم للأم عند إرضاع طفلها، وقد يعيق عملية الرضاعة الطبيعية، لذا ينصح بأن تأخذ الأم حماما كل يوم وتنظف الثدي أثناء الاستحمام بيدها بالماء والصابون، دون أن تعاود تنظيف الثدي بعد كل رضعة.

– جر الحلمات يوميا خلال الحمل لإبراز الحلمة: يتحسن بروز الحلمة خلال الحمل وبعد الولادة عندما يبدأ الطفل بالرضاعة، لذا يفضل عدم القيام بهذه التمارين لأنها قد تسبب إفراز هرمون الأوكسيتوسين الذي يسبب انقباض عضلات الرحم خلال الحمل مما قد يتسبب بالولادة المبكرة.

– الرضاعة الطبيعية وزيادة الوزن: الرضاعة الطبيعية تسارع في إنقاص الوزن وإعادته إلى ما كان عليه قبل الحمل، حيث أن المرضعات يستهلكن حوالي 500 سعرة حرارية زيادة عن غيرهم لإنتاج الحليب، وزيادة وزن الأم المرضع تنتج عن تغير طبيعة الأكل خلال فترة الرضاعة للاعتقاد الخاطئ بأنها يجب أن تأكل طعاما ذا سعرات حرارية عالية.

– الرضاعة الطبيعية تشوه الثدي: الرضاعة الطبيعية لا تؤثر على شكل الثدي على المدى البعيد إذا كان وضع الطفل صحيحا مع الثدي، واستخدمت حمالة مناسبة لحجم الثدي، فالممارسات الخاطئة خلال الرضاعة هي التي تسبب ترهل الثدي، لا الرضاعة الطبيعية ذاتها.

– الثدي الصغير وإدرار الحليب: لا علاقة لحجم الثدي بكمية أو نوعية حليب الأم، بل يعتمد مقدار ما ينتج من حليب الأم على تكرار إرضاع الطفل ومكوثه على الثدي حتى ينتهي من الرضعة.

– استخدام (اللهايات) بعد الولادة لتهدئة الطفل: استعمال (اللهاية) لتهدئة الطفل يمكن أن يرهقه ويستنفذ قواه ويؤثر على تعلم وتطور عملية المص عنده، ولا يستطيع الطفل أن يرضع بالشكل الصحيح من أمه، وتقل أيضا جراء استخدام (اللهاية) عدد الرضعات اليومية مما يقلل من إنتاج الحليب ويؤدي إلى التوقف عن الرضاعة نهائيا فيما بعد، هذا بالإضافة إلى أن استعمال (اللهاية) يضر بصحة الفك والأسنان.

– الرضاعة الطبيعية غير كافية للتوأم: حليب الأم يكفي لطفلين أو أكثر، إذ يعتمد إنتاج حليب الأم على تكرار الرضعات؛ فكلما رضع الطفل أكثر زاد إنتاج الحليب ليلبي حاجات التوأم.

– حليب اللبا غير كاف، وغير جيد للأطفال: حليب اللبا هو الحليب الذي تنتجه الأم في الأيام الأولى بعد الولادة، ومن خصائصه أنه كثيف، ويحتوي على نسبة عالية من البروتين، وينتج بكميات قليلة، ولكن هذه الكمية كافية لتغطية احتياجات الوليد الغذائية، وهو غني بعوامل المناعة، ويكون بمثابة الغذاء الأول الذي يعطى للطفل، ويساعد على نضج الأمعاء عند الطفل فيصبح هضم الحليب لديه أسهل وأكثر فاعلية، ويقي من حدوث الحساسية الغذائية، وهو غني بفيتامين (أ)، الذي يحمي من أمراض العيون.

همسة أخيرة في هذا الجزء من المقال لكل أم أغناها الله من فضله ووسع في رزقها ولم تضطرها الحاجة للعمل اضطرارا أن تخصص عامين على الأقل من عمرها لأولادها حتى تفطمهم وهذا ليس منقصة في حقها بل هو أقل ما يجب لحق أداء كلمة “أمي” ولوظيفتها الأولى والكبرى وظيفة الأمومة. والله لا يضيع أجر المحسنين.


[1] نشرت دراسة طبية في مجلة “هيومان كابيتال” الأمريكية أجراها البروفيسور في الجامعة الأميركية جوزيف سابيا والبروفيسور دانيال ريس من جامعة كولورادو دنفر من المركز الوطني لصحة المراهقين الأميركي ملخصها: أن تغذية الأطفال من الثدي خلال مرحلة الطفولة توسع من مداركهم العقلية وصحتهم الذهنية.\