في مثل هذه الأيام من سنة 1981 عاش المغرب لحظة سوداء أخرى انضافت إلى سابقاتها، وللأسف لم تكن الأخيرة، فقد كان لها ما بعدها.

في تلك الأيام من شهر يونيو الحار استفاق المغاربة على وقع زيادات مهولة في أسعار المواد الأساسية، في ضرب صارخ للقدرة الشرائية لشعب أنهكه الفقر والجهل والخوف بفعل سياسات فاشلة لنظام لم يحسن إلا التبذير والقمع وإسكات كل صوت مخالف.

كانت أحداث يونيو 1981 نتيجة إعلان الحكومة عن هذه الزيادات وإصرار السلطات على تكسير الإضراب العام ليوم 20 يونيو بجميع الوسائل التعسفية بما فيها العنف وإطلاق الرصاص الحي على المضربين والمحتجين.

في تلك السنة بدأت إرهاصات تطبيق سياسة التقويم الهيكلي المملاة من قبل المؤسسات المالية الدولية متمثلة في صندوق النقد الدولي والبنك العالمي. ولا يخفى أن سبب ذلك كان هو تفاقم المديونية، وهي الأخرى سببها سوء تدبير ثروات البلد…

رفضت فئات الشعب هذه الزيادات فخرجت إلى الشارع محتجة وغاضبة لتواجه بآلة قمعية لا ترحم أحدا. طفلا كان أو مسنا أو امرأة.. فقُتل من قتل، واعتُقل من اعتقل، واختُطف آخرون. وقد خلف هذا التدخل العنيف لمختلف قوات الأمن مئات القتلى بالرصاص، أو بالاختناق الناتج عن الاكتظاظ في مكان احتجازهم. وليت الأمر توقف عند هذا الحد لقلنا بأنه صار من مستلزمات “العهد الزاخر”. لكنه فاق كل الوصف حيث تم دفن مجموع القتلى في مقابر جماعية أو فردية مجهولة بالنسبة للمواطنين.. وتم كذلك اعتقال المئات من المواطنين الأبرياء بسبب مشاركتهم في المظاهرات أو حتى دون مشاركة فيها. وتم تقديم الجميع لمحاكمات صورية أصدرت أحكاما جائرة وصلت إلى 20 سنة سجنا نافذا.

طبقت سياسة التقويم الهيكلي وكانت نتائجها كارثية على العباد والبلاد، وخاصة على المستوى الاجتماعي في مجالات التعليم والتشغيل والصحة.

اليوم وقد مرت على هذه الأحداث 28 سنة نقف لنرى الحصيلة، وهي حصيلة مخزية: الانتهاكات الجسيمة ما تزال تتكرر.. والصفحة السوداء ازداد سوادها.. والمسؤولون عن تلك المآسي ما زال بعضهم يتبوأ مناصب المسؤولية.. وبذلك لم نستوعب الدرس ولم نأخذ العبرة.

والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في تدهور، وترتيب المغرب في المنتظم الدولي خير مثال.

والاحتجاجات الاجتماعية لم تقف عند يونيو 1981 ولكنها تكررت في سنوات عدة ومناطق مختلفة، وآخرها سيدي إيفني التي تعيش هذه الأيام ذكرى الهجوم المخزني على أبنائها.

للأسف فأغلب ذكريات المغرب سوداء، وتذكرها يقلب المواجع ويثير ما يثير من آلام ومآسي.. ولكننا نغتنمها مناسبة لنترحم على أرواح كل الشهداء الذين سماهم البعض “شهداء كوميرة”، ولنذكر بقول الله عز وجل: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِين.