ندرك جيدا أن لا أحد فوق القانون ولا ينبغي أن يكون، ونفهم أن الصحافيين ليسوا ملائكة معصومين لا يخطئون، ونعلم أن منهم -ولا نعمم- من لا يحترمون شرف المهنة ويمتهنون قدسية القلم وحرمة الكلمة، ونفهم جيدا بل نؤكد أن من حق كل من أوذي في شرفه أو مس في كرامته ومصلحته أن يلجأ للقضاء لينصفه ويسترد له الحق والاعتبار، وقد يكفيه إبداء الأسف والاعتذار.

كل هذا وذاك مقبول ومفهوم، لكن ليس من المقبول ولا المفهوم أن يسخّر المخزن “الديمقراطي الحداثي جدا” القضاء لاغتيال الصحافة ووأد الرأي المخالف، ولا أن تصير العدالة وسيلة للانتقام وتصفية الحسابات ولا أن تصدر أحكام بملايين الدراهم هي في حقيقتها صك إعدام بحق الجرائد والصحف لإخراسها إلى الأبد.

لا نفهم ولا نقبل، بل ولا نتصور في القرن الواحد والعشرين، أن يُصرَّ البعض على تقديس أشخاص من لحم ودم يأكلون ويشربون يخطئون ويصيبون، ولا نستسيغ هذا التشبث بمظاهر العبودية والرق و”الإصرار المرضي” على إذلال خلق الله وإهانتهم بطقوس وثنية بالية.

للأسف الحالة عندنا عامة في العالم العربي والإسلامي، فالحكام عندنا “نصف آلهة”، فوق القانون والطبيعة والمساءلة والبشر. فراعنة يقولون بلسان الحال: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد.

إن من يتعرض للشأن العام ويتقدم لرياسة الناس وقيادتهم لابد وأن يكون محل نقد ومساءلة ومعارضة، ولا بد لحويصلته أن تتسع لكل ذلك لا أن يفصل قوانين وتشريعات يستعبد بها الناس ويلجمهم ويكتم أنفاسهم.

رضي الله تعالى عن الفاروق عمر بن الخطاب إذ يقول: “رحم الله عبدا أهدى إلي عيوبي”. ما منعه المنصب ولا السلطان ولا “هيبة الدولة” من قبول النصيحة والعمل بها.