تحل يوم الجمعة الذكرى المشؤومة لإحراق المسجد الأقصى المبارك، ففي الواحد من شهر غشت من سنة 1969 قام الإرهابي اليهودي الأسترالي “دينيس مايكل” وبدعم من العصابات اليهودية المغتصبة للقدس بإحراق المسجد الأقصى المبارك في جريمة تعتبر من أكثر الجرائم إهانة لمشاعر الأمة ومقدساتها.

كانت جريمة إحراق المسجد الأقصى من أبشع الاعتداءات على الحرم القدسي الشريف، وشكلت خطوة يهودية فعلية في طريق بناء الهيكل اليهودي المزعوم مكان المسجد الأقصى، لأنه حين قام المجرم الصهيوني “دينيس مايكل” بإشعال النيران في المسجد الأقصى أتت ألسنة اللهب المتصاعدة على أثاث المسجد المبارك وجدرانه ومنبر صلاح الدين الأيوبي.. ذلك المنبر التاريخي الذي أعده القائد صلاح الدين لإلقاء خطبة من فوقه بعد انتصاره وتحريره لبيت المقدس؛ كما أتت النيران الملتهبة، في ذلك الوقت، على مسجد عمر بن الخطاب ومحراب زكريا ومقام الأربعين وثلاثة أروقة ممتدة من الجنوب شمالا داخل المسجد الأقصى

وبلغت المساحة المحترقة من المسجد الأقصى أكثر من ثلث مساحته الإجمالية، وأحدثت النيران ضررا كبيرا في بناء المسجد الأقصى المبارك وأعمدته وأقواسه وزخرفته القديمة، وسقط سقف المسجد على الأرض نتيجة الاحتراق وسقط عمودان رئيسان مع القوس الحامل للقبة كما تضررت أجزاء من القبة الداخلية المزخرفة والمحراب والجدران الجنوبية وتحطم 48 شباكا من شبابيك المسجد المصنوعة من الجبص والزجاج الملون، واحترق السجاد وكثير من الزخارف والآيات القرآنية.

وكانت الكارثة الحقيقية والصدمة التي أعقبت هذا الاعتداء الآثم أن قامت محاكم الكيان الصهيوني بتبرئة ساحة المجرم الأسترالى بحجة أنه “مجنون”!! ثم أطلقت سراحه دون أن ينال أي عقوبة أو حتى إدانة!!

وصرح المجرم “دينيس مايكل” لدى اعتقاله أن ما قام به كان بموجب نبوءة في سفر زكريا وأن ما فعله واجب ديني كان ينبغي عليه فعله، وأعلن أنه قد نفذ ما فعله كمبعوث من الله!!

وعلى الرغم من أن الدلائل وآثار الحريق كانت تشير إلى أن الجريمة أكبر من أن يقوم بها شخص، وأن هناك شركاء آخرين مع اليهودي المذكور إلا أن قوات الأمن الصهيونية لم تجر تحقيقا في الحادث ولم تحمل أحدا مسؤولية ما حدث وأغلقت ملف القضية بعد أن اكتفت باعتبار الفاعل مجنونا!!

ويقول اليهود إن “تيطس” قد دمر الهيكل الثاني الذي يزعمون أنه كان مقاما مكان المسجد الأقصى في 21/8/70م ولذلك فإن هذا التاريخ يمثل ذكرى حزينة لديهم، وهم بهذا لديهم الدافع لارتكاب اعتداءات ضد المسلمين وضد المسجد الأقصى للإسراع في بناء الهيكل الثالث المزعوم، حيث يلاحظ أن الاعتداءات اليهودية عادة ما تزداد في شهر غشت من كل عام منذ احتلال اليهود لأرض فلسطين!!

لقد جاءت عملية إحراق المسجد الأقصى في 21/8/1969م – وبعد عامين من الاحتلال الصهيوني للقدس – أمرًا مخططًا لا صدفة كما يدعي البعض أنه تصرف من شخص مجنون.

فالمدعو دينيس روهان لم تكن محاولته إحراق المسجد الأقصى هي الأولى، بل سبق أن حاول القيام بها بتاريخ 21/8/1968م ولكن يقظة حراس المسجد الأقصى منعت الجريمة قبل وقوعها.

وألقِي القبض على “دنيس روهان”، وحوكم محاكمةً صورية، وأبعد إلى استراليا ثم عاد ثانيةً بتواطؤ من سلطات الاحتلال الصهيوني، ونفَّذ جريمته النُّكراء عاما بعد ذلك، وهو التاريخ الذي يرتبط عند اليهود بذكرى أو دعوى تدمير الهيكل، ولهذا أرادوا أن يكون نفس التاريخ هو تاريخ إحراق المسجد الأقصى المبارك.

شبَّ الحريق بعد صلاة فجر يوم 21/8/1969م الموافق 8 جمادى الثاني عام 1389م هجرية، حيث أصبح المسجد فارغًا من المصلي، وامتدت النار وأحرقت ما مساحته حوالي1500 متر مربع من أصل مجموع مساحة الجامع القِبْلي البالغة4400 متر مربع، أي حوالي ثلث المسجد. وأتى الحريق على جزء كبير من منبر “نور الدين زنكي” الذي كان بداخله.

والجامع القِبْلي هو جزء من المسجد الأقصى المبارك البالغة مساحته 144000 متر مربع، وفي هذا الحريق تأثرت أيضا أجزاء من مصلّى النساء ومن مسجد عمر – رضي الله عنه – الموجود بالجهة الشرقية للمسجد القبلي. ثم قامت سلطات الاحتلال الصهيوني بقطع المياه عن المنطقة المحيطة بالمسجد في نفس يوم الحريق، وتعمَّدت سيارات الإطفاء التابعة لبلدية القدس – التي يسيطر عليها الاحتلال – التأخر؛ حتى لا تشارك في إطفاء الحريق، بل جاءت سيارات الإطفاء العربية من “الخليل” و”رام الله” قبلها وساهمت في إطفاء الحريق.

هذه بعض من حكاية الإجرام الصهيوني في حق أولى القبلتين وثالث الحرمين، وهي حكاية تتكرر يوميا بصور مختلفة، وكلها تستهدف طمس معالمه والمزيد من تهويده. وللأسف فإن رد الفعل العربي والإسلامي ما زال محتشما بفعل تسلط أنظمة لا تحمل من هم القضية إلا ما تخدر به حس الأمة وتضمن به رضى القوى الاستكبارية العالمية.