القرآن سبب

كتابُ الله تعالى كان المعينَ الذي عليه تربت الصفوة الأولى من أمة محمد بن عبد الله وبه اهتدت وعلى منواله سارت، اتخذته شرعة ومنهاجا، أحلت حلاله وحرمت حرامه، كان لها موردا وحكما، وكانت تلاوة القرآن عبادة يومية لا يُستغنى عنها ولا تترك، كما كان التحكيم في أمور المسلمين وبينهم لكتاب الله تعالى حاضرا، فما أحله القرآن هو الحلال وما حرمه هو الحرام، وكم كانت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حاضرة في قلوب الصحابة رضوان الله عليهم الموصية بالتمسك بكتاب الله، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول: “يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي”، كما كان في تربيته للصحابة صلى الله عليه وسلم ينطلق من كتاب الله تعالى وكان يجعله المرجع والأساس وعلى ذلك تتلمذوا وتربوا وساروا، فربحوا الدنيا وفازوا بالآخرة، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنا إذا تعلمنا من النبي عشر آيات من القرآن لم نتعلم من العشر التي نزلت بعدها حتى نعلم ما فيه).

وعن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أن عمر أتاه فقال إنا نسمع أحاديث من اليهود تعجبنا أفترى أن نكتب بعضها فقال: “أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي”يظن ظان قد زاغت به الأفكار، وأظْنَته الآلام، وهربت به إلى غير الوجهة ثقافات الغالبِ وكثرة الأحلام، أن التغيير في الأمة لا يتخذ من طريق القرآن سببا وآلة ومصدرا، تلك أوهام تعتري بعض مقلدي سِحْنة “الاستكبار” والتي قد بان مع الأيام عَوَزها وفقرها وقلة زادها، وقد لاح في الأفق ما جلبته على الأمة من ويلات تراكمت مع ما بالأمة من مصائب وآلام، وأرخت ذيولها وارتهنت بالأمة واستقرت حتى عاد الفكاك منها من مستحيلات الزمان، فزاد في الوحل انغماس الأرجل وغم المخرج إلا بارتهانات تزداد وتزداد.

طالع أيضا  عظماء التغيير (2)

وما زالت نداءات أهل الله وصالحي المؤمنين تنادي وتستغيث الواحد الأحد أن يجعل في قلوب مستكبِرينا المستضعَفين وازعا يردهم عن اتباع كل ناعق ليل ونهار، ويسلكوا السبيل الأقوم الرشيد، ألا إليه المشتكى ومنه المجتبى.

عن أبي شريح الخزاعي قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “أبشروا وأبشروا أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، قالوا نعم. قال فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدا”.

ما غاب تأثير الأمة في كون الله وما ضاعت عن الأصل التعبدي الاستخلافي إلا حينما ضيعت ما به البقاءُ وركنته واتخذت غير السبيل القويم منهجا ومسلكا، وما كان ضياع الأبناء والأحفاد من أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حينما انقطع الحبل مع كتاب الله تعالى وصار يُتخذ تمائمَ تعلق على الصدور وعلى أبواب البيوت.

بكتاب الله تعالى رفع الله أقواما وبه وضع آخرين، وبالتمسك به أحرزت الأمة النصر والتمكين كما بتضييعه انحلت منها الروابط وغم عليها المخرج والسبيل، فلئن سعت لأن يكون لها بين الأمم المنزلةُ والمكانة فبكتاب الله تعالى، ولئن رامت أن تكون داعية مرشدة مذكرة بخبر الآخرة فمن كتاب الله، ولئن أرادت السبق الأخروي فبالتمسك بكتاب الله تعالى، الديدن كتاب الله تعالى والغاية كتاب الله تعالى والمنطلق كتاب الله تعالى وهو المورد والرفيق والصاحب والدليل، قال رب العزة قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ.

سبلُ السلام التي مسعى الأمة إليها بناءا وإعدادا وتحفيزا وبحثا وتكوينا منطلقُها وقائدها ودليلها كتاب الله تعالى، سبل السلام تنطلق من كتاب الله حفظا وقراءة وتدبرا واجتماعا وتمثلا، ما تكوينُنا للأمة من غير هذا المنطلق وما بحثنا عن جيل فذ عظيم بعظم ما ينتظره إلا من خلا ل كتاب الله تعالى وبه ومعه، فلئن كان المنطلق غير ذلك فعلى الأمة السلام، ولئن كانت الوجهة والمقصد لا تمسك بزمام كتاب الله تعالى ووحيه ولا ترفع من شأنه كما كان يفعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم وأهل الفضل والعظماء من أهل القومة والفتح والتغيير فلا مسلك لنا يرجى ولا تحرير ولا تحرر ولا انفتاح ولا ازدهار، بل هو رماد يُذر في العيون يزيد العِللَ ويخفي الزلل. فعن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قال: “إن اللَّه يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين”، وأخرج البزار حديثا موقوفا قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن هذا القرآن شافع مشفَّع من اتبعه قاده إلى الجنة ومن أعرض عنه زج في قفاه إلى النار”.

ما جلبته على الأمة من ويلات تراكمت مع ما بالأمة من مصائب وآلام، وأرخت ذيولها وارتهنت بالأمة واستقرت حتى عاد الفكاك منها من مستحيلات الزمان، فزاد في الوحل انغماس الأرجل وغم المخرج إلا بارتهانات تزداد وتزداد.وأَنّا نَجْعَلُ الْقُرآنَ جِسْراً *** فَمَصْدَرُنا عَلَيْهِ والْوُرُودُقال تعالى: ولقد صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً