تذكير

في الحلقة السابقة وقفنا مع معنى القومة العلمية؛ وأنها حالة ذهنية فكرية يقف من خلالها المؤمن مع الحق وبالحق ويكون به شاهدا وعليه شهيدا. إنها وعي كامل بأصول العمل والتمكن من امتلاك واقع فكري وإرادي ينظر إلى الوقائع كلية كانت أو جزئية بتحرر من أثقال ثلاثة:

– ثقل التقليد.

– ثقل التبعية.

– ثقل الاستبداد.

إنها عملية فكرية كبرى تتأسس على عملية اجتهادية مراجعة نقدية جذرية للواقع التاريخي من حيث علاقته بالتراث وبإنتاج الحضارة الغربية المهيمنة اليوم، ومن حيث علاقته بقبضة الاستبداد القروني الوراثي المسلط على الأمة الشالة لحركتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والإرادية.

وهنا نقف على المحور الأول لنكشف عن مصدر هذا القيام والنهوض الفكري الشامل والعميق.

ب- العلم يفضي إلى العمل مباشرة

هذه قاعدة من صلب الدين حيث من وراء كل علم في الإسلام عمل مباشر. فليس هناك فاصل بين العلم والعمل به إلا الحكمة في تنزيله على الواقع، ومن ثمة يكون السؤال واجبا عن العقل الذي يلتقط هذه الحكمة ويحققها صوابا في الواقعة كانت جزئية أم كلية، وعن الإرادة التي تسهر على التحقيق والتنفيذ، إذ المؤمن يتلقى أوامر الله بنية التنفيذ.وإذا تم عكس الصورة تبين أن أي عمل، وليأخذ الاعتبار الشرعي، لابد أن يتأسس على علم.وبالنسبة لموضوعنا في هذه المقالة يجوز الجزم بأن القومة العملية، التي تعتبر مفهوما سياسيا مركزيا في هرمية المفاهيم في مدرسة المنهاج النبوي، لن تحصل ما لم تتأس على معنى علمي يحدد مضمونها ويعرض تصورا كليا عنها وعن آفاقها العملية. وبذلك نحصل ثلاثة عناصر أساسية:

1- المعنى العلمي للقومة الذي يجسد البناء التصوري. وفي مدرسة المنهاج النبوي هو المضمون العلمي القرآني النبوي للخصال وشعب الإيمان الذي يشكل نظام التفكير ويحدد مضمونه واستراتيجياته.

طالع أيضا  معنى القومة العلمية ومظاهرها الأساسية في مدرسة المنهاج النبوي (3/3)

2- المعنى العملي للقومة من خلال استراتيجيات العمل التي ينبغي أن تفي بالتفصيل الكافي بناء على الوعي بكل مرحلة حركية وبمطالبها وبالعلاقة بين المراحل والتداخل والتفاعل بين قضاياها بما يحصن حركة المنهاج النبوي في الواقع من التضخم والانزلاقات والانحرافات السلوكية والحركية والفكرية.

3- العقل الحكيم الذي يوفق في الربط بين الواقع، بعد فقهه، وبين مضمون القومة العلمي، بحيث عند التنزيل تتحقق مقاصد الشارع من شرعه لأنها عين مصالح الناس، فتجتمع الحكمة بالاستقامة من حيث نظام التفكير والسلوك ومن حيث قيام المجتمع على قواعد العدل.

ومن المعلوم أن امتلاك هذا العقل الحكيم نتيجة لعملية تربوية متكاملة ومتوازنة يعيشها المؤمن داخل الجماعة لتحقق له امتلاك علم المنهاج النبوي الجامع لأطراف العلوم والفهوم من خلال الفقه الجامع (يراجع في الباب كتابنا: في فقه الدعوة إلى الله جل جلاله المنشور على موقع aljamaa.net)).

وهنا يتطلب الأمر بعض بيان لندرك معنى أن يجعل علم المنهاج النبوي مدخله الكلي “الصحبة والجماعة” حيث هي أم الخصال وشعب الإيمان.

* الصحبة والجماعة أصل العلم والعمل

كثير من الناس لما لم يدركوا العلاقة في علم المنهاج النبوي بين “الصحبة” و”الجماعة”، التي جعلت المعنى يتوحد ويتحدد من خلال تركيب عبارة “الصحبة والجماعة”، لم يتوفقوا في الإحاطة بالفقه الجامع والفقه التجديدي الذي يورثه علم المنهاج النبوي لمن زاوله من خلال هذه الخصلة وما يتفرع عنها من خصال وشعب، ومن ثمة لم يحصلوا الفقه النبوي لمعنى الجماعة ومبناها ولعلاقتها بالصحبة، ولمعنى العلاقات بين أعضائها وبينها وبين باقي مكونات الأمة، وبذلك تختل الأفهام والتصورات وترتبك الاستراتيجيات في نظام التفكير وفي وضع الخطط وتدقيق العلاقات تنظيميا وهيكليا وقانونيا ومؤسساتيا.

إن الداعي إلى الحديث عن “الصحبة والجماعة”، ونحن نتحدث عن القومة العلمية وعن بعض مظاهرها، هو أن مصدر مضمونها الكلي: “الصحبة والجماعة”، بحيث إن الوعي الذي تتم صناعته من خلال الاندماج القلبي والعملي في حركة الجماعة من خلال علم المعاملة القلبية والحكمة العقلية والإرادة القوية والمتقدة المنفذة المقتحمة يجعل المؤمن محصلا من العلم والفقه ما لم يحصله بالبحث بين صفحات الكتب النافعة ومستنداتها التي لا ينبغي الاستغناء عنها. ذلك أن الوحي، الذي هو مصدر العلوم ومعيارها، لا يوجد في بطون الكتب، بل نزل على قلب رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتتلقاه القلوب عن بعضها هكذا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو علم الرحمة بمقتضى قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ. وقوله تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُود.

فهناك علم يتلقاه المؤمن عبر باب الصحبة، وهناك علم يكتسبه المؤمن من خلال جهاده داخل الجماعة المجاهدة الذي هيأته له الصحبة بما تعطيه من علم الرحمة وفقه المعاملة القلبيين ليندمج هذا المؤمن في حركة جماعة الرحمة والقوة والجهاد.

طالع أيضا  معنى القومة العلمية ومظاهرها الأساسية في مدرسة المنهاج النبوي (1/3)

وهكذا تهيئ الصحبة المؤمنَ ليندمج في الجماعة ويتفرغ للجهاد معها فيغرف من كنوز الصحبة القلبية بجهاده المتكامل وفق قواعد علم المنهاج النبوي، فيرث علما وفقها نبوييين جديدين ومجددين ومتجددين.

ومعناه أن المضمون العلمي للقومة إنما هوثمرة تفاعل قلبي وذهني وحركي عميق لرجال ونساء مجاهدين مع القضية في كل أبعادها ومجالاتها، بحيث كلما تعمقت التجربة الشخصية، على توازن واستقامة بنية الجهاد مع الجماعة وفي الجماعة وضمن حركتها، ورثت علما نافعا وجامعا حتى يصبح المرء قائما بالحق وعلى الحق وشاهدا به وعليه. قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً.

مرة أخرى، قد يتساءل الواحد: ماعلاقة “الصحبة والجماعة” بإنجاز القومة العلمية؟

إن مدرسة المنهاج النبوي تجعل موضوعا لها علم المنهاج النبوي للكشف عن قواعده وأصوله وأهدافه ومقاصده وغايته ورجاله وفقهه ووسائله العلمية والعملية لتنزيله على الواقع، ولذلك فاستقلاليتها لم تحصل من كونها علما جديدا، بل من كونها استطاعت وتستطيع أن تقف بالمؤمن على صورة كاملة من التحرر ليقف بين يدي الوحي ليتعلم من رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، كيف وبما ربى الرجال وغير وجهتهم ومقاصدهم؟ وكيف وبما بنى الجماعة وإمامة الأمة وهيأها لخدمة الإنسانية على قواعد الحق والعدل ورفض الظلم والفساد والإفساد؟

فنخلص من كل هذا، الذي ما زال يحتاج إلى تفصيل واف، أن القومة العلمية بما هي حالة ذهنية عقلية إرادية إنما يتحدد مضمونها من خلال الفهم الذي يتحصل بالاندماج الكلي والصحيح في معاني خصلة “الصحبة والجماعة”، وهو ما يحقق امتلاك “علم المنهاج النبوي” الذي يزود المؤمن والجماعة المجاهدين بآلة كلية نبوية يقيم ويقوم بها المواقف في الماضي والحاضر والمستقبل.

طالع أيضا  معنى القومة العلمية ومظاهرها الأساسية في مدرسة المنهاج النبوي (3/3)

إننا هاهنا لن نجد نموذجا إلا التجربة النبوية مع الصحابة الكرام، وعلم المنهاج النبوي يوفر الآليات العلمية لفهمهما الفهم المستقيم لتقرأ التجارب بعدهم على ضوء ما يورثه على العلم من فقه جامع.وهو ما سنحاول كشفه، بإذن الله تعالى، خلال الحلقة القادمة والمتعلقة بمحور: العلم إمام العمل والعمل ينمي العلم.