دين الانقياد ونحلة الغالب مفهومان نستعيرهما من المؤرخ الحكيم ابن خلدون، محاولين من خلالهما مقاربة قضايا المرأة، التي تكتسي أهمية خاصة في الفكر الإسلامي المعاصر وعند تيارات حركة الصحوة الإسلامية، التي تجد نفسها أمام تنامي حركات التحرر النسائية وأمام وضعية المرأة الكارثية على كافة المستويات في وضع محرج إن لم تقدم رؤى وإجابات تنويرية واضحة على العديد من القضايا التي تشغل بال المهتمين.

تحرير العقل المسلم من دين الانقياد

في مقالة سابقة أقررنا بوضعية المرأة الكارثية وبمظلوميتها في مجتمعاتنا من المحيط إلى الخليج وعبر تاريخنا الدامي والى الآن، ولسنا في حاجة للتذكير بأرقام الأمية المفزعة والعنف والتحرش والتهميش. نعم ظلمت المرأة وسيمت الخسف باسم دين مغيب ، كما جثم الطغاة على أرواحنا باسم الدين ، ولا زالت تظلم باسم الدين كما أنها تظلم باسم الحرية. صراحة قد لا تعجب دعاة التحجر وتقليد وتقديس التاريخ والتراث دون تمييز. ظلمت المرأة باسم دين غائب عن الميدان مختزل في عبادات فردية وخلافات فقهية أكثر من أن تعد أو تحصى، دين ضيق على دعاته وعلمائه المتنورين المتمردين على “الأحكام السلطانية” فحوصرت أفكارهم واضطهدوا ويا محنة مالك وأحمد اشهدي؟؟

في هذه الفترات فترات “العض”، صار الإسلام جسدا بلا روح وأضحى موروثا من الموروثات، وغيبت مقاصد الشريعة وغاياتها الكبرى، وقزم العملاق ليعود مسخا من المسخ لذلك أسباب وعوامل بسطنا بعضا منها، فبدل إسلام شامل كامل ارتضاه الله لعباده واصطفاه لهم في قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناوعاشته الأمة في القرون الخيرة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عهد صحابته الراشدين روحا وجسدا مبنى ومعنى عقيدة وشريعة، وعوا واستوعبوا فيه الكليات والمقاصد، وعلى رأسها تحرير الإنسان من الظلم كيف ما كان ومن أي جهة أتى بدء من ظلمه لنفسه وانتهاء بظلمه لغيره، ولو حيوانا أو بهيمة من البهائم.

فمن هذه العهود الخيرة عهود النبوة والخلافة الراشدة، وبنفس الفهم الذي فهموه وطبقوه وبنفس الروح الشمولية التي تلامس اللب لا القشر، ونفس الضوء الكاشف ضوء الكتاب والسنة المنهل العذب الصافي لكل وارد ضامي، يجب أن تكون القراءة ليس لقضية المرأة وحدها بل لكل القضايا التي تطرح على الفكر الإسلامي، من قبيل شكل الحكم السياسي والتعددية السياسية وطبيعة المؤسسات السياسية وحقوق الأقليات والعلاقات الدولية وغيرها من القضايا الملحة والمحرجة الآن.فنحن حين نسائل اليوم العقل المسلم عن “مظلومية المرأة” وحدها، فنحن نغيب عن قصد أو غيره الحديث عن مظلومية مجتمع وأمة بدأت منذ بداية التحول أو لنقل الشرخ التاريخي الهائل الذي نتج عنه ظلم عم البلاد والعباد وقضية المرأة جزء منه.

حين نقلب صفحات الماضي، نجد صدى قضية المرأة في كتب فقهائنا القدامى على شكل متون حيض ونفاس وحواشي وفتاوي وبلاوي -لا نقلل من قيمة فقهائنا العظام ولا من فقههم معاذ الله- تخفي وراءها انهزاما أو حتى تواطؤ من بعض الفقهاء الذين شغلهم هاجس الخوف من تشتيت الأمة وتفريق كلمتها، فحوصروا في الحواشي وتفسير الحواشي ونقدها وتعديلها ونظمها كالنعامة تغرس رأسها في الرمال خوفا من مواجهة واقع الظلم والنقض، الذي بدأت تشهده دعائم الإسلام. استقال الفقيه والعالم من مهمة الدفاع عن الأمة برجالها ونسائها فلا قضية هناك !

طالع أيضا  تأملات في قضايا المرأة: المرأة بين دين الانقياد ونحلة الغالب(1)

كما نجد صدى هذه القضية في قصائد الشعراء الملهمين في أي عهد شئتم عباسيا أم أمويا أم غيرها من العهود لا تعدو أن تكون المرأة ملهمة أو جسدا يوحي بأحلى قصائد النسيب والغزل أوهي مأساة العاشقين.

وحين نسأل أعرف الناس بالمرأة الأمراء وما أدراك ما الأمراء، فهي جارية من الجواري وجسد غض عاري، ومضيعة للوقت ولثروات الأمة الطائلة. وما أكثر ما روي ونقل إلينا ونفتح الباب سريعا لنغلقه. خشية من نتن سوق نخاسة رائجة، تعرض فيها المرأة وفق مقاييس جمال يتداول حولها ويستشار.

قال عبد الملك بن مروان لرجل من غطفان‏:‏ صف لي أحسن النساء فقال: خذها يا أمير المؤمنين ملساء القدمين درماء الكعبين مملوءة الساقين جماء الركبتين لفاء الفخذين مقرمدة الرفغين ناعمة الأليتين منيفة المأكمتين بداء الوركين مهضومة الخصرين ملساء المتنين مشرفة فعمة العضدين فخمة الذراعين رخصة الكفين ناهدة الثديين حمراء الخدين كحلاء العينين زجاء الحاجبين لمياء الشفتين بلجاء الجبين شماء العرنين شنباء الثغر حالكة الشعر غيداء العنق عيناء العينين مكسرة البطن ناتئة الركب‏.‏ فقال‏:‏ ويحك‏!‏ وأين توجد هذه؟ قال‏: ‏تجدها في خالص العرب أو في خالص الفرس).

ولنستمع إلى عبد الملك بن مروان‏، وقد راكم الخبرة ووعى الدرس وصار ناقد بصيرا ونخاسا خبيرا من أراد أن يتخذ جارية للمتعة فليتخذها بربرية ومن أرادها للولد فليتخذها فارسية ومن أرادها للخدمة فليتخذها رومية‏) امرأة هي في مبلغ علمه جارية للمتعة ووعاء ولد وخادمة. ‏ولأن الأمر في تاريخنا وراثة، فكما يورث الملك والمنصب تورث مهنة النخاسة فمن شابه أباه فما ظلم. يروي محمد بن أحمد التجاني 1 كتب هشام بن عبد الملك إلي عامله على إفريقية: أمّا بعد فإنّ أمير المؤمنين لما رأى ما كان يبعث به موسي بن نصير إلي عبد الملك (أي إلي والده عبد الملك بن مروان) أراد مثله منك، وعندك من الجواري البربريات المالئات للأعين، الآخذات للقلوب ما هو معوز لنا بالشام وما والاه، فتلطّف في الانتقاء، وتوخّ أنيق الجمال، وعظم الأكفال، وسعة الصدور، ولين الأجساد، ورقّة الأنامل، (…) وجدالة الأسوق (السيقان)، وجثول الفروع، ونجالة الأعين، وسهولة الخدور، وصغر الأفواه، وحسن الثغور، وشطاط الأجسام، واعتدال القوام، ورخامة الكلام) أوصاف دقيقة ومفصلة تبز نخاسي العصر من منظمي مسابقات الجمال ودور الأزياء والموضة.

وحتى لا يعتبر إخواننا البربر أن في الأمر عنصرية أو تمييزا عرقيا -فكلنا في الاستبداد سواء- نستمع إلى الدكتور حسن إبراهيم حسن جلبت إلى بغداد الجواري الملاح من جميع أطراف الدنيا، فكان فيهنّ الحبشيات، والروميّات، والجرجيات، والشركسيات، والعربيات من مولدات المدينة والطائف واليمامة ومصر من ذوات الألسنة العذبة، والجواب الحاضر، وكان بينهنّ الغانيات اللاتي يعزفن مع ما عليهن من اللباس الفاخر وما يتّخذن من العصائب التي ينظمنها بالدرّ والجواهر، ويكتبن عليهنّ بصفائح الذهب) 2 ويجلي لنا الأصفهاني صورة الترف والبذخ أكثر حين يقول قد كان عند الرشيد زهاء ألفي جارية، وعند المتوكّل أربعة آلاف جارية).

ويزيد الجاحظ أنهن، أي الجواري، كن من نفيس المتاع الذي يتهاداه الناس وكان عدد الجواري يزيد على عدد الحرائر في منازل كبار القوم والأثرياء. وحين عاد موسى بن نصير فاتح المغرب إلى دمشق كان معه 30000 جارية أهدى عددا منهن إلى الوليد بن عبد الملك ويذكر أن سعيد أخو سليمان بن عبد الملك اشترى جارية مشهورة بحسن غنائها بألف ألف دينار أما يزيد بن عبد الملك اشترى المغنية “شامة” بعشرين ألف دينار. واشترى هارون الرشيد إحدى جواريه بمبلغ مئة ألف دينار. وأحب محمد الأمين بن هارون الرشيد أن يشترى جارية اسمها “بذل” من سيدها لكنه رفض فملأ له قاربا من الذهب وأرسله إليه لكنه رفض وفضل الاحتفاظ بالجارية وكان عند والدة جعفر البرمكي مائة وصيفة لباس كلّ واحدة منهنّ وحليّها غير لبوس الأخرى وحليّها) 3 .

كل هذه الروايات تؤكد أننا لسنا أمام حالات شاذة أو نزوات استثنائية، وإنما هي حالة عامة من الترف والمتعة والمتاجرة بالأجساد والتفسخ والانحلال طبعت أغلب مراحل تاريخنا السياسي، واليوم يراد لنا بهتانا وزورا أن نقبل ونقر أنها “خلافة”! و”إسلامية”!

طالع أيضا  للمرأة قضية

إننا أمام وضعية من الظلام الحالك، أهينت فيها المرأة أسوء إهانة، ومست في كرامتها وآدميتها وحريتها .نبصر قليلا من النور فقط إذا استثنينا فهوما سليمة لمكانة المرأة أما كانت أو أختا أو زوجا. فهوم علماء الأمة العاملين أعلام الهدى واستثنينا أيضا نماذج لنساء خالدات. فلم يفهم ولم يعرف من سبقونا من أمراء وشعراء ونخاسي عهد العض المرأة إلا كما يعرفها الآن دعاة التحرر بالغرب فهي في أعلى وأسمى مراتبها عندهم حيوانا أليفا لطيفا أو جسدا يباع على صفحات المجلات وشاشات الفضائيات، يزيد ثمنه وينقص كل ما زاد العري وخضع لمقياس ملكات الجمال وعارضات الأزياء. أو هي منتوج يستهلك كما تستهلك آدميتها في الوصلات الإشهارية.

جماع القول أنه ما ظلمت المرأة فينا إلا بابتعادنا عن النور وانزوائنا في الظلام كالخفافيش، لا نبارح أمكنتنا ولا نفكر في مبارحتها مطلقا، وحتى إن قدر لبعض المتنورين منا الحراك ، فإنهم يظلون يحتكمون إلى عصور “الخلافة المزورة” والخلافة الراشدة أو حتى النبوة دون تمييز، بتقليد بليد ومثالية مرضية، فيصبغون على المجتمع والناس صبغة ملائكية كأنهم لا يخطأون أو يعتريهم ما يعتري البشر من خطأ ونسيان وسهو وتقصير، فيغيب عنهم أن كل ذلك -أي الخطأ والنسيان والسهو والتقصير- يثبت النموذج ولا ينفيه أو ينتقص من قيمته، فالسمو الحقيقي يكمن في كونك تسمو لتقارب الكمال، رغم بشريتك وطينيتك التي تشدك إلى أرض واقع لا يرتفع، بل خلق الإنسان ليعيشه ويبتلى فيه “ليبلوكم أيكم أحسن عملا”. في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت الآيات المتواترة ولأسباب ومناسبات مختلفة، فيها المديح الكريم والثناء العظيم، كما فيها اللوم والتأنيب والعتاب اللطيف، ففي المجاهدين تحديدا رضي الله عنهم -مثلا- نزلت الآيات من سورة آل عمرانمِنْكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُم مَّن يُرِيدُ الآَخِرَةَ، فقال سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه مستغربا وكان حاله كحال بعض الحالمين والمثاليين من أبناء الصحوة الإسلامية الذين ردهم القرآن الكريم إلى الصواب والواقع: ما كنت أظن أن أحدا من أصحاب محمد يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية)ففي كل مجتمع وحتى في المجتمع الإسلامي الأول أيضا كان السابقون والمهاجرون قبل الفتح والأعراب والمنافقون سنة من سنن الله في كونه، وحقيقة يجب أن نعيها جيدا لنرسم معالم المستقبل بواقعية تامة لأن الشريعة ما جاءت إلا لتحقق مصالح الناس كل الناس بمختلف طبقاتهم وقدراتهم ومراتبهم حالا في الدنيا ومآلا في الآخرة بمنتهى الواقعية التي تراعي الفروق الاجتماعية والشروط المجتمعية عرفا وتقليدا في الرخاء والشدة إذا استقر هذا في أذهاننا وعقولنا سهل علينا التخلص من هذا الاستلاب والخضوع غير المبرر لأنظمة العض والجبر نقلدها ونقدسها ونبحث لها عن مبررات لنستر عوراتها، كأنه لا يكفينا وصم رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفه الله ب”العض” لنعلم أنها مرفوضة شرعا. روى الإمام البخاري عن سعيد بن عمرو بن سعيد قال: أخبرني جدي قال: “كنت جالسا مع أبي هريرة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ومعنا مروان. قال أبو هريرة: سمعت الصادق المصدوق يقول: “هَلَكَةُ أمتي على يديْ غِلْمَةٍ من قريش. فقال مروان: لعنة الله عليهم غِلْمَةً! فقال أبوهريرة: لوشئت أن أقول بني فلان، بني فلان، لفعلت. فكنت أخرج مع جدي إلى بني مروان حين ملكوا الشام، فإذا رآهم غلمانا أحداثا قال لنا: عسى هؤلاء أن يكونوا منهم! قلنا: أنت أعلم”. والحديث عند الإمام أحمد من طرق متعددة

طالع أيضا  المرأة بين دين الانقياد ونحلة الغالب(3)

الخلاصة أن كل خطوة لتحرير عقولنا من” إيديولوجيا الاستبداد” وأنشوطة التقليد هي خطوة كبرى على درب تحرير المرأة في مجتمعاتنا الإسلامية والعربية.


[1] تحفة العروس ومتعة النفوس، تحقيق د. جليل العطية، دار رياض الريس للكتب والنشر، لندن/ليماسول، الطبعة الأولي، حزيران/ يونيو، 1992م.\
[2] تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي: 2 / 338 الدكتور حسن إبراهيم حسن.\
[3] كتاب الأغاني: 9/88.\