من المعلوم أن للمكان دلالته وللزمان معناه، لذلك يشهد التاريخ على أن المهرجانات مناسبات يجتمع فيها الناس في الزمان والمكان قصد التعارف على الثقافي وتبليغ الرسائل.

فما هي إذن رسائل المهرجانات المنظمة في المغرب اليوم؟

أصبح تنظيم المهرجانات الصيفية والموسمية في المغرب منتظم ودوري خلال السنوات الأخيرة، أي من مخططات وزارة الثقافة التي تنظم سنويا حوالي عشرين مهرجانا فنيا وثقافيا، والتي ترصد لها ميزانيات ضخمة.

يقول المستشار المكلف بتنسيق المهرجانات بوزارة الثقافة عيسى إيكن: … إن الوزارة أعدت خريطة جغرافية للمهرجانات طبقا للخصائص الفنية لكل جهة، وفق سياسة تتمثل في المحافظة على التراث الثقافي، والانفتاح على الثقافات الأجنبية وتشجيع المبدعين والفنانين المغاربة… وانطلاقا من هذه المبادئ، حددت الوزارة خريطة جغرافية طبقا للخصائص المميزة لكل منطقة، مثلا الغرناطي الموجود بوجدة، وهناك، مهرجان الموسيقى الأندلسية بشفشاون، ومهرجان العيطة الذي يُنظم بآسفي، وهناك أيضا مهرجان “عبيدات الرمى” الذي يُنظم بخريبكة، و”أحيدوس” بعين اللوح، وهناك أيضا مهرجان مسرح الطفل الدولي الذي تنظمه الوزارة بتازة…)

1-الدلالة الأخلاقية

مهرجانات من كل لون ببرامج تختلف قليلا وتتشابه كثيرا، هناك مهرجانات وهناك مواسم القاسم المشترك بينها جمع الشباب، كثير من الشباب الذي يشهد له الخاص والعام عزوفه عن الثقافة والسياسة…، من أجل الترفيه والتسلية والتعبير عن مخزونه النفسي والوجداني الذي يتميز بكثير من الاضطراب بحكم الوضعية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي عليها البلد.

جموع شبابية هائلة هائجة متمايلة في “البولفار” من أجل إرهاق أجساد منخورة بالمخدرات والمسكرات بصخب موسيقى “الهيب الهوب” وكناوة …

موسيقى “الهيب هوب” تصدرت مهرجان “موازين” هذا العام (18- 24 ماي2007). أصبحت في الآونة الأخير مثار إعجاب؛ ليس فقط لدى كثير من الشباب المغربي، بل أيضا عند بعض الشخصيات والتيارات والأحزاب السياسية التي شجعت هذا النمط الموسيقي، وخصصت له مساحات هامة في إعلامها وخطابها وأنشطتها.

تعددت فرق موسيقى “الراب” و”كناوة” التي تستقطب عددا من الشباب، نظرا لقوة إيقاعها وبذاءة لسانها وجرأة كلمات أغانيها المؤذية للذوق والسمع معا. الشيء الذي يفسر تنامي بعض السلوكيات اللاأخلاقية بين الجمهور الحاضر لبعض عروض المهرجان؛ حيث اختلط فيها أحيانا الحابل بالنابل، وصارت مكانا للعب واللهو وشرب الخمر وتناول المسكرات.

2-الدلالة السياسية

“الخاسر”- وجه من وجوه الراب في المغرب- الذي احتفى به مهرجان الرباط الأخير. كان قد لجأ إلى “خدماته” أحد أكبر الأحزاب المشاركة في الحكومة المغربية، وحضر حفلاته أبرز الشخصيات السياسية فيه، بل إن لقاءاتهم وندواتهم عرفت حضورا مكثفا من الشباب، ليس من أجل العيون السود للسياسة، وإنما لأن حفلة “الخاسر” تسبق ملتقيات هؤلاء السياسيين.

وعن ذلك يقول الصحفي “رشيد نيني” حول الموضوع في عموده “شوف تشوف”: هناك علاقة سرية تتشكل هذه الأيام بين الهيب هوب والراب وبين بعض السياسيين والوزراء، الأسبوع الماضي رأينا كيف جلسوا يلقون السمع لأغاني “الخاسر”… وقد نجحت الأمسية الفنية تلك بفضل “الخاسر” الذي حضر مئات المعجبين بأغانيه إلى مسرح محمد الخامس، وليس بفضل الخطاب الافتتاحي للسياسيين.

وقبل ثلاثة أشهر قال الأشعري وزير الثقافة في حوار صحفي: إن “الهيب هوب” هو مستقبل الأغنية المغربية.

ويردف “نيني” شارحا كيف عوض “الهيب هوب” المجموعات الغنائية الجادة: “هكذا إذًا انتهى زمن الاستعانة بناس الغيوان وجيل جيلالة والمشاهب لملء القاعات العمومية بانتظار أن يصعد الزعيم الحزبي إلى المنصة لكي يتلو خطابه الثقيل؛ فجمهور هذه الفرق شاخ ويئس من السياسة والسياسيين).

اليوم لكي تملأ قاعة عمومية يجب أن تنادي على “الخاسر” أو مجموعة “آش كاين” أو “هوبا هوبا” أو غيرها من الفرق الموسيقية التي يستمع إليها شباب ومراهقو هذه الأيام.

ويشبّه الشاعر المغربي “عبد الرحيم الخصار” من جهته الحياة الثقافية والفنية بالمغرب بالساحة السياسية، فهناك ازدحام كبير لكن حول الفراغ فقط.

ويزيد الخصار قائلا: بالنسبة لـ”موازين” يمكن طرح الأسئلة التالية: ما الهدف من هذا النشاط؟ ما الفائدة التي يمكن أن تجنى منه؟ وما قيمة الفرق المشاركة؟ وما تأثير ذلك على الشباب؟ هناك أسئلة قد تبدو مدرسية لكنها جادة، وبالتالي فطرحها أمر إيجابي.

ويتلمس هذا الشاعر الأجوبة عن أسئلته فيقول: أعتقد أن الساسة يستخفون بالشباب المغربي، وهم لا يقدرون القدرات الهائلة التي يتميز بها شباب اليوم.)

3- تأسيس ثقافة هجينة

تعمل معاويل خفية في العالم العربي والإسلامي عامة، وفي المغرب خاصة، على هدم منظومة الأخلاق والقيم الإسلامية. يتجلى ذلك في توظيف غرائز الشباب توظيفا سلبيا ضدا على كل ما يدعو للفضيلة والنبل لترسيخ ثقافة الرذيلة والإباحية والمجون. شيطان مارد اندمج في أجساد شباب تغلي كالبركان الذي يقذف بحممه المتعددة الأشكال والأطياف في كل حدب وصوب؛ تارة بالرقص والكلام الساقط وتارة أخرى بالبحث عن متعة ساقطة تخرج عن القوانين الكونية قبل أن نخضعها للقوانين الشرعية.

ها نحن الغرباء اليوم في مجتمعنا نسمع عن تأسيس جمعية للشواذ جنسيا في المغرب “جمعية كيف كيف”؛ وذلك في تحدي صارخ للفصل 489 الذي يجرم الشذوذ الجنسي بالمغرب. يتم ذلك في صمت مريب للمسؤولين وأصحاب القرار والأحزاب المنهمكين لاستحقاقات الانتخابية المتوالية والذين يتساءلون عن أسباب عزوف الشباب عن الشأن العام.

مهرجانات الشواذ بيعت فيها أخلاق الأمة المغربية دون أدنى احترام لمشاعر المسلمين المغاربة واستفزاز للشباب الذي يجهل مستقبله واستقراره ناهيك عن إهدار المال العام بغية تشجيع الشواذ والمثليين تحت غطاء السياحة المغربية.

جيل جديد سخر لإعلان “ثورة هادئة” على الأجيال السابقة، باسم الفن والإبداع وحرية السلوك…

إن زمن المهرجانات بالمغرب كان يرتبط ارتباطا وثيقا بأماكن الأضرحة، وقبور الأولياء، والمواسم الاحتفالية؛ لذلك كانت إلى وقت قريب مهرجانات أقرب إلى الفوضى منها إلى التنظيم الذي يتوخى تحقيق أهداف معينة من تنظيم مهرجان بعينه.

غير أن استسهال البعض في تنظيم المهرجانات -وبالمغرب تحديدا- قاد إلى أن تكثر دون ضابط ولا استراتيجية واضحة قادرة على بلوغ الهدف في ترسيخ ثقافة الاختلاف والإقبال على الآخر.

تبدو المهرجانات الموسيقية -التي جاءت معظمها ردات فعل ضمن سياق معروف- هجينة وغير ذات معنى، وبالتالي على المسؤولين أن يحترموا شباب هذا الوطن، ويتيحوا له الإمكانيات الدراسية والمهنية بشكل شاسع بدل تنويمه مغناطيسيا، أو محاولة كسبه بهذه الطرق التي صارت تبدو للجميع مفضوحة.

إن هذا الصمت الغريب يؤكد مدى الإصرار على إفساد الحياة الاجتماعية بما فيها الدينية وأصالتنا وتقاليدنا والسهر على إنعاش مهرجانات “البولفار” ومثيلها في أصيلا وطنجة وآكادير والصويرة ومراكش… وكلها مهرجانات لا ترقى إلى الرسالة النبيلة للفن التي ناضل من أجل تحقيقها المبدعون: “بناء الإنسان والمجتمع”؛ وهي لا تعني ألا نصور الواقع بمعضلاته وظواهره، لكنها لا تعني أيضا تدمير الثوابت المجتمعية.

الفن سمت حسن في القول والفعل والحال، وذوق رقيق راق في الاختيار والأسلوب.

الفن دعوة للحب، ودعوة للتأمل في الآفاق وفي الأنفس بقلب متنور وعقل متدبر وإحساس مرهف…

من أجل تحطيم العوائق التي تقوم حاجزا بين الإنسان وبين حقه في اقتحام عقبات نفسه وتحديات واقعه.

هكذا عرف المغاربة الفن وعشقوا المسرح والسينما، وأبرزوا ذلك في المهرجانات.