1- توضيحات لا بد منها :

يقف في نفس جبهتنا ذووا مروءة من مسلمين وغير مسلمين يكرهون ما في الصهيونية من عنصرية وظلم لصفاء في فطرهم ينفر من كل ما هو قبيح نفورا دنيويا صادقا. ونسمع كثيرا كلاما عن كون “الصراع ” الدائر في ” الشرق الأوسط ” صراعا لا دخل للدين فيه.و أن الحركة الإسلامية – إذ ” تقحم ” الدين في ” هكذا قضية ” – إنما تهدف إلى مكاسب سياسية و دعائية. وأن ” تديين الصراع ” هو خدمة مجانية لمروجي ثقافة ” صدام الحضارات ” المعيقة للسلام العالمي.

فهل الطريقة التي انخرطت بها الحركة الإسلامية – النابذة للتكفير والسرية وقتل الأبرياء – في القضية الفلسطينية حولتها إلى مثيرة للعداوة بين الديانات والثقافات ؟

هل تأكيدنا على الجانب الديني والغيبي من تدافعنا مع العدو الصهيوني يعني أننا ندعو المسلمين إلى كراهية كل اليهود وقد تقدم أن الله عز وجل تبرأ من أن يكون قد نهانا عن الذين لم يقاتلونا في الدين ولم يخرجونا من ديارنا أن نبرهم ونقسط إليهم؟ أم أن الحرب دينية بالفعل لكن من جانب واحد يدعي تجسيد تعاليم الديانة اليهودية التي جاء بها سيدنا موسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام وعلى آل نبينا وصحبه؟

هل تقربنا إلى الله بفريضة معاداة الصهيونية معناه أننا بالضرورة نطرد من الجبهة كل من كانت عداوته لهذا المحتل منطلقة من دوافع أخرى مكان الدين منها مخالف لفهمنا؟

رحم الله الأستاذ بديع الزمان سعيدا النورسي الذي تتلمذ للقرآن الكريم حتى دربنا في رسائله النورية الخالدة – بإذن الله – على ضرب الأمثال لبيان المعاني وتقريبها.

إن مثلنا – معشر الطامعين في اللحاق بسرب المؤمنين – ومثل من يعادي الصهيونية لدوافع لا دينية ومثل الصهاينة ومثل الأصوات المرجفة المفرقة، كمثل ركاب استقلوا حافلة ستعبر صحراء قاحلة تمر فيها على محطة أولى بواحة في الطريق ثم تواصل السير حتى تتوقف في محطة ثانية هي نهاية الصحراء. بعض الركاب غايتهم الواحة و بعضهم غايته المحطة الأخيرة في آخر الصحراء حيث الأمن والغذاء والراحة. في عمق الصحراء والواحة لا زالت بعيدة خرج من بين الركاب أفراد عصابة وأشهروا أسلحتهم مهددين الركاب والسائق بالقتل وحرق الحافلة. فقام مجموعة من الركاب بعضهم مسافر إلى الواحة وبعضهم مسافر إلى المحطة النهائية بالتصدي للعصابة وأبلوا في ذلك البلاء الحسن جميعا وفي خضم العراك تعالى صوت راكب جبان مختبئ تحت المقاعد يقول: ” على المسافرين إلى المحطة النهائية أن ينسحبوا من المعركة أو أن يتعهدوا بالتوقف فقط في الواحة إن هم أرادوا الاستمرار في التصدي للعصابة، لأن المجرمين إنما أرادوا بحرق الحافلة منعها من السفر إلى الواحة، أرجوكم إن هذا الصراع لا علاقة له بمن هو مسافر إلى المحطة النهائية ولا ينبغي لهم المشاركة فيه”.

ومختصر التوضيح الأول أن القضية الفلسطينية دينية بامتياز بالنسبة لنا نحن المسلمين أولا لأن بواعث عدونا – كما تقدم – فيها شيطانية خادمة لأهداف الشيطان، وثانيا لأن محو هذه الجرثومة (2) من الوجود جزء لا يتجزأ من سعينا إلى تشييد بناء شعب الإيمان الذي به فقط نستحق موعودات الله الحسنة الكاملة للذين آمنوا التي بينها القرآن الكريم في آيات كثيرة. لكنها ليست دينية على الإطلاق – بالنسبة لنا – إن كان المقصود بذلك إقصاء غير المسلمين من مواقعهم في الجبهة أو إن كان المقصود بذلك وضع اليهود جميعا في سلة واحدة ومعاداتهم فقط لكونهم يهودا، أليس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان له جار يهودي وكان يعوده في مرضه بل حضر حتى وفاته، ألم يقم من مكانه لجنازة يهودي، ألم يخبر عليه الصلاة والسلام بأن امرأة دخلت النار في هرة عذبتها فكيف بمن قتل أو أهان بريئا يدين بغير الإسلام كرمه الله عز وجل في قوله: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70)

وتسألني لم هذا الاستئساد للباطل الصهيوني المدجج بأسباب البطش؟ ولم هذا الانقطاع الواضح لأهل غزة الرباط عن أبسط أسباب القوة: خاصة وأن الأمر تم بإذن الله وفي ملكه سبحانه؟ لم يجد أحب الناس إلى الله أنفسهم عزلا من كل قوة مادية ووسط خذلان غير مسبوق للكثيرين من ذوي القدرة على التصرف؟ لم تجد المرأة الضعيفة نفسها في جوف الليل بين جدران بيتها تتهاوى عليها القنابل والأسلحة البكتيرية فتبتر يد ولدها ويستشهد رضيعها ليلحق بأبيه في الآخرة وتيتم ابنتها ذات الواحد والعشرين ربيعا؟. إنها تربية الله عز وجل لعباده المرابطين في سبيله. في مثل تلك المواقف والآخرة أقرب إلى المرء من جدار بيته والموت يرى بالعين المجردة إقباله وإمكانه. في مثل تلك الظروف تنقشع عن القلوب حجب الغفلة فتدرك كم هي الحياة الدنيا قصيرة وكم هو الركون إلى الناس إفلاس وكم في القلب من كنوز نفيسة لما تنفق. كنوز التوجه الخالص إلى الله عز وجل السميع البصير بصدق وانقطاع ويأس من الخلق ويقين في الآخرة. يقين بما بعد الموت من لقاء بالله عز وجل يقتل في النفس التسويف ويلغي من العقل وهم طول الأمل. إن في هذا لرسالة لمن يحسب الدعوة الإسلامية مجرد حركة وبناء وفق التصميم النبوي الموصوف في كتب الحديث والفقه، لا إن في الأمر – بعد بذل أقصى ما يمكن من الأسباب – ومعه وقبله وصالا بالله عز وجل وبكاء في الليل كأنك تراه وتسمعه سبحانه؟ ودعاء دائما وطلبا للقرب والرحمة وحسن الخاتمة والفوز الأبدي. وحذرا متواصلا من إفساد المصير الأخروي: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ فالتخطيط المحكم لبرامج التربية الإيمانية المشتملة على التجالس في الله وزيارة المقابر وتدارس الشمائل المحمدية والدعاء للإخوة بظهر الغيب والتماس أهل التقوى والصلاح والعلم بالله للصحبة وغير ذلك، هذه البرامج لا تثمر الإيمان الجمعي لذاتها، بل هي كذلك لأنها دعاء بلسان السعي والحركة لله عز وجل أن يتدارك القلوب بسير إليه ترتقي بسببه في مدارج الإيمان والإحسان. المعنيون بالتربية الإيمانية تقلبهم عناية الله عز وجل في المواقف التي يتقوى بها إيمانهم من حيث يحتسبون ومن حيث لا يحتسبون، فتارة نصر وعلو يذوقان به طعم التعزز بالله عز وجل ن وتارة بلاء شديد يذوقان به طعم تحمل المكاره إرضاء لله عز وجل الغني الحميد، ومن شأن الأزمات والشدائد أن تكشف للإنسان ضعفه وقلة حيلته وحاجته الدائمة إلى الله عز وجل، كما من شأن دفع النفس إلى الموت في سبيل الله أن يخلص النيات من كل التفات إلى الخلود في الدنيا والأنس بها وإرضاء أهلها وإذا المقام فيها يخصص بمجمله لتحضير المستقبل الأبدي، أليس الله عز وجل ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور بالمواقف التي يقدرها عليهم؟ سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم.

طالع أيضا  همسات في آذان المرابطين على ثغور التنظير.. القضية الفلسطينية مدخلا (1)

توضيح ثالث وأخير ألفت فيه النظر في عجالة إلى مقصد هام من مقاصد التربية المطلوبة في الحركة الإسلامية. مقصد ربما نفهمه بعمق أكبر إذا عرضنا مراهنة بعض التيارات ” التغييرية ” على بناء المواطن المصر على حقوقه والمؤدي واجباته المتذوق للجمال والمسلح بالوعي التاريخي، معان جميلة جيدة تمتد إلى مكونات الإنسان كلها: الروحية والعقلية والجسدية. وربما لا يحتاج القارئ الفطن إلى أدوات تحليل الخطاب (3) ليرى ما وراء الألفاظ الحاملة لمطالب ” التغيير ” من انقطاع عن معاني القرآن الكريم. تغربت نخب عن دينها فرضعت لبان الثقافة الغربية الخالية من معاني الآخرة ورسالة الله و نداءات القرآن الكريم وأنوار النبوة. تلقف حامل” مشروع التغيير ” لفظا متداولا هناك “citoyen “ فتعلق بدلالاته وثقف نفسه هو أيضا لا يرى في بني جلدته غير أناس يقاسمونه الوطن، ” مواطنون ” وكفى. وبالتالي فالعلاقة بين الناس في مجتمعه ” الحداثي ” المنشود هي علاقة وجود على نفس الرقعة الجغرافية يجب أن تمر في سلام وسعادة. وكفى؟ ثم إذا حدث نزاع بين المواطنين فالقضاء العادل كفيل بتصويب الأمور وبتحديد الواجبات وإرجاع الحقوق. “مواطنون ” يقترعون من يمثلهم في السلطة التشريعية التي تتولى الشأن السياسي والتي لا يجب بأي حال من الأحوال أن تقحم الدين في السياسة. يا ويل رجل السياسة إن تصرف في شأن عام بقرار يستند إلى حكم شرعي مهما كان إجماع علماء الأمة عليه، مطرود هو من دائرة الأهلية للعمل السياسي إن كان في تصوره وبرنامجه – لتسيير الشأن العام – إحالات على مقاصد دينية مأخوذة من الكتاب والسنة ولو بمعايير أهل الاختصاص. ذلك أن الدين مسألة طاهرة وسامية لا ينبغي تلويثها بألاعيب السياسة ومراوغاتها، القرآن الكريم كتاب مقدس نعود إليه لتصفية أرواحنا وقلوبنا في المساجد والحجرات الخاصة بكل منا، أما السياسة فلغتها مصلحة الوطن الاقتصادية والثقافية والاستراتيجية والأمنية وأدواتها تحليل الواقع ودراسته بعمق وطرح وجهات النظر وإقناع الناس بها ثم الاحتكام إلى رأي الأغلبية وهذا كله يجب أن يتم بعيدا عن الخطاب الديني. وكأن تحليل الواقع بالعقل – المسترشد بالقرآن الكريم المستعين بخطابه – يفقد التحليل موضوعيته، وكأن كلمات القرآن الكريم وأحاديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – إن هي وردت على لسان المشتغل بالسياسة وتجسدت في ممارساته – لا تعني إلا محاولة لتضليل الناس باستغلال عاطفتهم الدينية لتمرير رؤى سياسية تنشد مصالح حزبية و”إيديولوجية”. أما المرجعية الكونية التي لا تقبل النقض فهي ما بعد مسح طاولة ديكارت وعصر التنوير الذي حرر العقل من سلطة اللاهوت وقيود عصور الظلام. هكذا ابتلانا الله عز وجل بأناس من بني جلدتنا مكنوا من الإعلام وأسباب التأثير يدعوننا إلى مسح عقولنا من كل أثر للغيب وللنبوة وللوحي. وكأن القرآن الكريم لم ينزل وكأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بعث وما ربى وما ورث وما جاهد وما صبر وما ألح على أن الأمر امتحان قصير ينجو من ويلاته من عض على القرآن والسنة بنواجذ صحبة المؤمنين الصادقين: ” واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه. ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ” ماذا يبقى على الطاولة إن مسحنا منها كل هذا؟. إنه لا مناص لنا من أن ندين هذا التفكير المعرض عن رسالة الله من أصله. نعرفه بمرضه الأخطر وهو بناؤه على غير أساس الآخرة؟ تنظيراته كلها لا تلتفت إلى القضية المركزية الأولى: قضية ما بعد الموت. وكما أن الكلام صفة المتكلم، فكذلك السلوك صفة ما في فكر الفرد والجماعة. التنظيم والتعليم والقوانين والعلوم والثقافة والصنائع وكل الأنشطة الدنيوية مختلفة تماما إن كان المحرك لها خبر الآخرة الوارد في القرآن الكريم، قد لا تختلف كثيرا من حيث الشكل ومن حيث المضمون أحيانا، لكن الوجهة مختلفة تماما. فمثلا احترامي لجاري ورعايتي حقه ليس الدافع له فقط الحفاظ على رونق الحي وهدوئه وتوفير البيئة الصالحة لتربية أبنائنا تربية حسنة و المساهمة في الرقي بالمدينة التي هي شرط ووحدة البناء الحضاري المنشود ليس ذلك فقط وهو مطلوب بإلحاح بل يحركني ما تشرفت أذناي بسماعه من نفي رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان عن من لا يأمن جاره بوائقه، لأن هويتي وجواز سفري بعد الموت هو انتمائي إلى المؤمنين الذي أقسم الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام وعلى آله على استحالته في حق من لا يرتاح جيرانه من أذاه، قال عليه الصلاة والسلام “والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل ومن يا رسول الله قال ‏الذي لا يأمن جاره ‏بوائقه” رواه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه. لا ليست علاقتي بك رقعة جغرافية نقف معا عليها ولا مجرد قواسم لغوية وعرقية وثقافية و” تراثية مشتركة “، بل أنا وأنت قبل كل شيء من أهل الدنيا المقيمين فيها مؤقتا لنعمل صالحا ننجو به من الشقاء الأبدي، وبين أيدينا كلام الله بلغة عربية مفهومة وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محفوظة والميراث النوراني النبوي ساريا في أنهار قلوب العلماء المتقين العمال بالعلم، ساريا يصبه الله عز وجل بدعاء الصحبة والمخاللة في القلوب الصافية أوعية العطاء. وعليه فقتالي لمن يحتل أرضي ويخرب أمتي ليس مناصرة للحق والعدل كقيم مجردة جميلة خالدة دنيوية، لا بل هو مهمتي التي يحبني الله عز وجل إن أديتها ويكتبني في الشهداء ويكرمني على ذلك الكرم الحقيقي بعد الموت. وغضبي على ذاك العابث في بنايات مسرى سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنما هو لأن هذا العبث يغضب الله عز وجل ولأن الغني سبحانه أمرني بالانخراط في صف المدافعين عن حرماته وضمن لي في القرآن الكريم إحدى الحسنيين وكفى به حسيبا.

طالع أيضا  همسات في آذان المرابطين على ثغور التنظير .. القضية الفلسطينية مدخلا (2)

خلاصات المقـــــال:

1- حربنا مع العدو الصهيوني هي جزء من حربنا مع إبليس وجنوده الساعين لصدنا عن ذكر الله وعن الاستعداد للآخرة.

2- نحن في الدنيا نسعى إلى التحلي بشعب الإيمان على المستويين الفردي والجماعي ولا يكتمل هذا إلا بمعاداة وكراهية العنصرية والغصب والحقد الحاضرين بقوة في الرؤية الصهيونية للوجود.

3- توضيح 1: بواعثنا في هذه الحرب دينية ربانية، لكنها ليست حربا على كل اليهود، وليست معاداة الصهيونية حكرا على الحركة الإسلامية.

توضيح 2: المحن الكبيرة التي شهدتها أرض الرباط، نراها من الله عز وجل منحا، ونظنه سبحانه وتعالى أراد أن يقرب المصابين بها إليه، أن يذكرهم بقربنا وقربهم الدائم من الموت وبهشاشة الركون إلى الناس وبمعنى التوجه الخالص إلى الله عز وجل مهما كانت الظروف. ولقد نصرهم سبحانه وتعالى وهم شبه عزل ولينصرنهم بعد زمن نصرا عزيزا وليمكنن لهم أسباب القوة والعزة.

التوضيح 3: لا ينبغي أن يصدنا وجود نخب مغربة عن دينها منقطعة في تحليلها للواقع عن خبر القرآن الكريم، لا ينبغي أن يصدنا عن تناول حال الأمة ونحن جلوس تحت منبر القرآن الكريم وتحت قدمي شخص سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم نحذر الآخرة ونرجو رحمة ربنا سبحانه وتعالى.