إن التأكيد على جانب الكراهية والاحتقار والتجنيد لخدمة الشيطان في الحركة الصهيونية لا ينفي دوافعها وأهدافها الأخرى، إنما يحذر فقط من خطورة إغفاله في النظر إلى القضية ومعالجتها. التصور الصهيوني للوجود والإنسان والتاريخ تأثث كراهية المسلمين والحقد عليهم كل حجراته. وعليه فالتعامل مع هذا العدو بفهم آخر -يغفل هذا المكون- لن يقود إلا إلى مزيد من الهزائم والنكسات لا قدر الله.

1- القضية الفلسطينية والمنهاج النبوي:

لله در رجال ونساء أكرمهم الله عز وجل في زمنه هذا بوظيفة إحياء الإسلام، حرك سبحانه وتعالى في قلوبهم هم الآخرة وهم الأمة وحبب إليهم تكريس الأعمار للصدع بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ما أشرف هذا الزمن بطلائع الشباب الملتحي والنساء المحجبات المحفوظين من نجاسات التكفير والعنف والسرية وكراهية الناس، المكرمين بالشوق إلى لقاء الله عز وجل وإلى لقاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، هنيئا لهم ما أقيموا فيه من الخدمة لدعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما يستشعرونه في أحوالهم من معاني قول الله عز وجل سبحانه: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. آلاف بل ملايين بل ملايير الحركات المباركة يشهدها العالم يوميا في كل بقاع المعمورة يسعى بها الشباب المجاهد ببشره وسمته الحسن وخدمته الناس إلى إحياء الإسلام و“مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الْإِسْلَامَ فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ”كما جاء في سنن الإمام الدارمي رحمه الله عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، اللهم من علينا بذلة على المؤمنين تسهل لنا بها الدخول في سربهم والاتصاف بأخلاقهم آمين.

وضح الأستاذ المجاهد عبد السلام ياسين حفظه الله محورية شعب الإيمان في الهدي النبوي، بل يقتنع المتعمق في فكره أن البناء الأهم الذي ينبغي أن تخطط له الأمة وتبذل من أجله الغالي والنفيس هو صرح شعب الإيمان التي أخبر بها الحديث الصحيح. الإيمان الذي بنيت عليه كل موعودات الله الحسنة للإنسان هو بضع وسبعون شعبة بمعنى فرعا أو رافدا تماما كما للنهر روافد وسواقي. والتفريط في واحدة من هذه الشعب عمدا يعني إيمانا منقوصا وغير متوازن. وإنك عندما تتدبر كيف هو تشعب مقتضيات الإيمان في الهدي النبوي تكتشف إلى أي حد يشكل إفناء العمر في تحصيل شعب الإيمان صمام أمان من الانسياق وراء الأحداث العابرة و الانشغال بها عن العمل الأهم بل تكتشف أن في شعب الإيمان ما يعطي لهذه الأحداث حقها الكامل ويجعلها عناصر بناء لما سيأتي دون أن تشغل عن الجوانب الأخرى. فمثلا التصديق ببشائر الغيب والفرح بها والاستبشار بما فيها من رسائل توافق الشريعة هو من شعب الإيمان والإيمان دونه منقوص ويابس: إن السفينة لا تجري على اليبس (1). لكن هذه البشائر تتراص جنبا إلى جنب مع شعبة تعلم القرآن وتعليمه ومع شعب بذل المال والنفس ابتغاء مرضاة الله ومع شعب الصبر على طريق الله و إتيان الأسباب الأرضية وقبول حكم الله بين عباده و الرضي بقضائه وقدره. كما أن شعب مخالطة الناس ومحاورتهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن وبوسائل العصر وعلى أعلى المستويات العلومية والمالية والإعلامية لا تغني أبدا عن شعب التجالس في الله والتحاب في الله بين مؤمنين متسربلين بالبساطة في بيت الله يذكر بعضهم بعضا بما بعد الموت من حساب وجزاء وبأن الدار الآخرة هي الحياة الحقيقية وأن بر الوالدين والتذلل لهما يورثان محبة الله والقرب منه، يفعلون كل ذلك وهم على يقين أن الله عز وجل يحب المتجالسين فيه تصديقا لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القدسي وشعب رحمة الخلق والعطف عليهم وحسن الظن بهم كذلك تتساكن في قلب المؤمن وفي جماعة المؤمنين مع شعب قتال المحتل للأرض المقاتل في الدين والغلظة عليه وبغضه في الله والمعول عليه في كل هذا كتاب الله الجامع لمقتضيات الإيمان وما صح عن رسول الله الموضح عليه الصلاة والسلام وعلى آله للقرآن الكريم.

طالع أيضا  همسات في آذان المرابطين على ثغور التنظير.. القضية الفلسطينية مدخلا (1)

ثم إن للتحلي بشعب الإيمان مستويين: مستوى فردي ثمرته الخلاص الفردي للمؤمن الفرد ومستوى جماعي ثمرته الخلاص الفردي للمتعاونين على التحلي بشعب الإيمان لكن بشكل وبطعم مختلفين وهو النموذج النبوي الصحابي الذي أمرنا أن نتخذه أسوة وقدوة حتى لا يخرج المرجف عن صمته قائلا هيهات هيهات بلوغ مراتب الإقتداء بهم. حاشاه سبحانه وتعالى أن يأمرنا بالإقتداء بالنموذج الصحابي النبوي إن كان ذلك غير ممكن لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًانعم إن الإيمان الذي هو أساس البر والتقوى يحتاج تحصيل شعبه إلى تعاون بل في أمر الخبير سبحانه: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِدلالة واضحة على أن التقوى المطلوبة إنما هي ثمرة للتعاون بين ناشديها. ولا يسجنن القارئ الكريم فهمه في النماذج الفرعية الطيبة التي ظهرت في تاريخ المسلمين تقوم مقام النموذج النبوي الكامل. النموذج النبوي الكامل للتعاون على تحصيل شعب الإيمان هو المجتمع المقيم لفريضة العدل بين الناس، المتنورة بيوته بمعاني استقبال المولودين على الفطرة والأخذ بأيديهم خطوة خطوة لتعليمهم دينهم و الغاية التي خلقوا من أجلها، استقبال تديره من قال فيها الشاعر رحمه الله:

الأم مدرسة إذا أعددتها *** أعددت شعبا طيب الأعراق

وأطيب ما يمكن أن ُيعَد عبد موصول بالله يحبه الله ويحب الله ويحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويحب الصالحين من عباد الله ويعامل كل المخلوقات وفق أوامر الله. بل إن ما تقوم به الأم المؤمنة من تربية للنشء في بيتها المتنور بنور الله ورسوله لأعمق تجل لمعنى التبليغ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إنه النقل الفعلي لرسالة الله عز وجل من جيل يوشك أن يلقى ربه إلى جيل مقبل على فرصة عظيمة لنيل مراتب القرب من الله والفوز برضاه. حتى إذا اشتد عود الوافد على الدنيا بدأ يخرج من محيط الأسرة وذوي الرحم إلى محيط أوسع مبني على العدل المثمر للإحسان، إحسان الكبار إلى الصغار بالرحمة وإحسان الصغار إلى الكبار بالتوقير قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا”كما جاء في سنن الإمام الترمذي وفي كتب أخرى. وإن المتدبر ليرى كيف تقف الأم المبلغة دعوة الله لأبنائها إلى جانب واعظ المسجد معلم الناس دينهم إلى جانب المقاتل المرابط في أكناف بيت المقدس إلى جانب المقتحم علوم العصر ابتغاء كفاية الأمة، كيف يقفون جنبا إلى جنب –عرفوا ذلك أم جهلوه- ينافحون عن دين الله ويتعاونون على نصرته وإعلاء كلمته مشكلين مع كافة المؤمنين بالله واليوم الآخر دروعا واقية من السهام المسمومة ولبنات يشد بعضها بعضا.

طالع أيضا  همسات في آذان المرابطين على ثغور التنظير .. القضية الفلسطينية مدخلا (3)

إن من خصائص الإيمان تشعبه وتغلغله في كل مستويات الوجود الإنساني. وإن الغفلة عن هذه الخاصية كثيرا ما ينتج عنها تركيز الجهد في مستوى معين مع غمط جوانب أخرى لا تقل أهمية و هنا أتحدث عن إيمان الفرد وعن الإيمان الجمعي للمتعاونين على تعبيد أنفسهم لله. وإن لنا في حركات التحرر الوطني المباركة -التي شهدها النصف الأول من القرن العشرين الميلادي- لعبرة. بدأت هذه الحركات مشروعها التحرري بتوجه إلى الله بالعبادة وطلب العلم وقتال المحتل لكنها -بعدما حققت هدف تحرير الأرض و طرد المحتل- وجدت نفسها غير قادرة على تجسيد روح رسالتها في عهد “الاستقلال” ويكفي دليلا على ذلك قبوع أغلب تلك الدول إلى حدود الساعة في الدركات الدنيا لسلم الحضور الأرضي في مختلف الميادين وأفظع منه الهوة السحيقة بين ما يدعو إليه الهدي النبوي وما يرى ويشاهد من مظاهر الغفلة عن ما بعد الموت من انحطاط أخلاقي وغياب للعدل وتهاون في العبادات وغمط لحقوق الآباء والأبناء والأزواج. من أسباب ذلك -كما يحكي شاهدوا مرحلة الاستقلال– ما لحق الصادقين من رجال المقاومة من تهميش وما حاكه المحتل المدحور بتواطؤ مع الخونة من دسائس وما تسلح به أذناب الاستعمار من وسائل الحضور في العصر وغفل عنه طالبوا الشهادة في سبيل الله. وإن في شعب الإيمان لوقاية من كل هذا، فمن شعب الإيمان حفظ الأسرار –لا سرية العمل– عن من لم تظهر عليه بعد براهين الصدق بله من جاهر بنفاقه وكراهيته للمؤمنين:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَومن شعب الإيمان الحضور المسؤول في العصر الذي تقتضيه الشهادة على الناس تأسيا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا

تعلمنا آيات الله عز وجل أهمية الاعتبار بسير من سبقونا: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وألا نكرر نفس الأخطاء. ونتعلم من هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن شعب الإيمان هي بمثابة المجسم أو التصميم الذي على أساسه يتم تنظيم العمل في ورش البناء. نعم إن الله عز وجل هو الناصر وهو المهيمن وهو الولي وهو الحميد وهو المنتقم وهو الحسيب سبحانه وتعالى لكنه سبحانه في صف المؤمنين أي المحققين لشعب الإيمان في أحوالهم وفي مختلف تجمعاتهم الأسرية والمجتمعية والكونية. ما معنى معرفة صفات الله عز وجل و أسمائه والقلب خاو من هم الدخول في صف المؤمنين؟ هو الرحيم سبحانه لكن رحمته قريب من المحسنين، هو الحافظ سبحانه لكنه يحفظ من حفظه “احفظ الله يحفظك”. وعلى قدر حظي من شعب الإيمان يكون حظي من ولاية الله عز وجل.

طالع أيضا  همسات في آذان المرابطين على ثغور التنظير .. القضية الفلسطينية مدخلا (3)

هكذا يتضح أن القضية الفلسطينية -بالنسبة لنا نحن المسلمين- لا يمكن أبدا تناولها خارج سياق وجودنا العابر للدنيا المقبل على الاستقرار الأبدي في الآخرة، نحن أمة حملت رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وابتلاها الله عز وجل بعقبات في طريقها للاستجابة لدعوة رسول الله وتبليغها ومن هذه العقبات جهد خلقه سبحانه وأذن لجنود إبليس من الصهاينة ببذله ومكن لهم أسبابه: ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ووعدنا الله عز وجل بتأييد منه ونصر يمكناننا من اقتحام كل العقبات مهما كانت إن نحن استحققنا أن تذكر في ميزان الله عز وجل بوصف “الذين آمنوا” أي إن نحن حققنا الإيمان الجمعي الذي هو بضع وسبعون شعبة. آنذاك وآنذاك فقط يمكننا الله عز وجل من أن نخلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أمته على منهاجه الذي جاء به وجسده هو صلى الله عليه وسلم وسادتنا آل بيته عليهم السلام وسادتنا صحابته رضي الله عنهم وأرضاهم وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًااللهم أورثنا كتابك نتبوأ من آياته حيث نشاء آمين ونعوذ بك اللهم من علم في اللسان ونفاق في القلب آمين.

إن اتخاذنا الحركة الصهيونية عدوا هو جزء من إيماننا الذي نعبد به الله عز وجل ومحاربتنا لهذا العدو بكل الوسائل المتاحة –التي لا تؤدي لنتائج عكسية وأقصد تلك النظرة الظلامية للجهاد التي تتخيله تفجيرا للنفس وسط جموع المسلمين المستضعفين أو في تجمعات لمواطنين أبرياء يدينون بغير الإسلام- محاربتنا لهذا العدو هو استجابة لنداء الله عز وجل وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُهي من جنس استجابتنا لندائه سبحانه إلى الصلاة: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فكلا العملين –إقامة الصلاة وإعلان الحرب على هذا العدو– يقرباننا إلى الله عز وجل ويخدمان الجهد الساعي إلى جعل الدنيا ورشا يتعاون ساكنوه على الاستعداد للآخرة.