أجرت مجلة منار الهدى حوارا مع ذ مصطفى الريق عضو الأمانة العامة والأمين العام للقطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان. هذا نصه:

سؤال:

نرحب ابتداء بكم على صفحات مجلة منار الهدى، شاكرين لكم حسن تجاوبكم مع طلبنا لإجراء هذا الحوار. ونسألكم حول بيانكم الأخير الذي أعدتم فيه دعوة الإطارات النقابية المغربية لجبهة نقابية موحدة، هل تعتقدون حقا أن هذا مطلب حقيقي أم هو هروب للأمام من طرفكم؟

جواب:

بسم الله الرحمن الرحيم، الجبهة النقابية الموحدة قناعة مبدئية عندنا، وخيار استراتيجي لانتشال العمل النقابي من وهدة الضياع والضعف والتشتت والحسابات الضيقة التي أساءت إلى العمل النقابي والمؤسسة النقابية، فحولتها من رمز للمنافحة عن الحق، ونصرة المستضعف المظلوم إلى ذيل تابع خاضع خانع، لا يتذكر عنتريات النضال إلا إذا اقتربت الاستحقاقات الانتخابية أو احتاج إلى تسخينات من أجل مسيرات عمالية.

هذا الواقع المكروه لا أمل في حله – بعد توفيق الله عز و جل – إلا بعمل نقابي راشد، قوامه جبهة نقابية موحدة قادرة على مواجهة التحديات التي ازدادت في ظل عولمة يحرسها استبداد دولي، وتغذيها أنظمة جبرية ذيلية متواطئة، تتلقى الأوامر من “الأسياد” بالفاكس فتهب مسرعة لتلبية ما يطلبون، لها استعداد عجيب لبيع الأرض والعرض مقابل جمع القروش، والحفاظ على العروش؛ حتى ولو كانت هذه الإمارة على الحجارة.

ولذلك فأنا أقدر أن الهروب إلى الأمام هو الإمعان في الانقسام بحجة التعدد النقابي، وهو حق أريد به باطل، وإلا فلا يتصور عاقل أن يكون لنا في المغرب من المدارس النقابية بعدد ما هو موجود من المركزيات النقابية، وإلا لكنا أمام تخمة في التنظير والممارسة النقابيين نحتاج أن نوزعهما على القارات الخمس فتسع الكل وزيادة.

فما نقترحه هو الأقرب إلى الواقعية لأن عددا من المركزيات النقابية بدأت تتحدث عن ضرورة التنسيق بينها؛ بل اتخذت خطوات في هذا الاتجاه كان آخرها إضراب 10 فبراير الأخير، و إضراب قطاع البريد.

وأؤكد أن السبب التاريخي الذي ساهم في التشتيت والمانع الواقعي من الوحدة وتشكيل الجبهة المقترحة هو المكر المخزني والحسابات الحزبية السياسوية.

سؤال:

ألا تلاحظون أن المركزيات النقابية تعاني من تصدع داخلي خطير، ومن تضارب في الخيارات النقابية، ورفض للتنسيق في المعارك النضالية بينها. كيف تستشرفون إمكانية نزولهم عند مطلب الجبهة النقابية الواحدة في ظل التشتت الحالي والإكراه المستقبلي؟

جواب:

كل متتبع لواقع المركزيات النقابية يلاحظ دون كبير عناء، ودون حاجة للبحث في خبايا الأمور، أن هذه المركزيات تعاني فعلا من تصدع داخلي ومن أزمة في العلاقة ببعضها البعض، لكن إحساسها بهذا النزيف – إحساس بعضها على الأقل – وانصراف الشغيلة من حولها حتى أصبحنا نجد نسبة “التبطيق” والانخراط لا تكاد تذكر في بعض القطاعات التي كانت رائدة في العمل النقابي (التعليم مثلا)، و تمدد بعض الهيئات الأخرى إلى ساحة الفعل الاجتماعي (كالجمعيات الحقوقية، والتنسيقات المناهضة لغلاء الأسعار،…) كلها عوامل ستدفع المركزيات النقابية دفعا إلى البحث عن فرص للتنسيق، وهو ما بدا واضحا في المعارك النضالية الأخيرة حيث أصبحت جل المحطات مشتركة بين مركزيات متعددة، وهو أمر إيجابي يمكن تطويره – إن ارتفعت الإكراهات المخزنية والحزبية – إلى جبهة نقابية موحدة قابلة للنقاش شكلا ومضمونا.

سؤال:

في هذا السياق، ما هي إضافات قطاعكم النقابي في المشهد النقابي والحركة النقابية في المغرب؟

جواب:

إن القطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان –من موقع المسؤولية لا من موقع الأستاذية– يطمح إلى الإسهام في تصحيح مسار الحركة النقابية في المغرب من خلال وضع الأصبع على مكان الخلل في تاريخ الحركة النقابية، ويتعلق الأمر بخللين مفصليين: فلسفة صراعية دخيلة أطرت العمل النقابي فترة من الزمان لا يستهان بها، ولا تزال رواسبها إلى يوم الناس هذا، وممارسة نقابية عاشت رهينة للحسابات، بل للصراعات الحزبية، ثم أصبحت في العقدين الأخيرين محكومة بالسقف المخزني.

انطلاقا مما سبق، نقدر أن التأسيس لعمل نقابي راشد يقتضي:

* القطع مع فلسفة الصراع، والسعي الجاد والمسؤول نحو فلسفة جديدة تؤسس لشراكة حقيقية بين “الفرقاء الاجتماعيين”.

* تجاوز الحسابات الحزبية الضيقة التي تنظر إلى النقابة باعتبارها ملحقة حزبية لا دور لها إلا تصريف أجندة الحزب، وهو أمر أساء للعمل النقابي وأدخله في متاهات الكيد الداخلي وأفقده البوصلة الاجتماعية، فتحول التدافع من تدافع مع مخزن يريد الإجهاز على المكتسبات، ومصادرة الحقوق المشروعة للشغيلة إلى صراع بين المركزيات النقابية، بل في كثير من الأحيان إلى صراع داخل المركزية النقابية الواحدة.

وفي هذا الإطار نقترح جبهة نقابية موحدة تتدارك هذا الضعف، وتنأى بنفسها عن نقابة الريع الحزبي، ونحن على وعي تام بأن هذا الأمر دونه خرط القتاد.

سؤال:

نريد أن نسألكم عن القطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان، هل هو جهاز داخلي للتأطير والمتابعة خاص بأعضاء الجماعة والمتعاطفين معها؟ وكيف يمكن أن يكون لكم تأثير على الواقع النقابي المتموج من خلال هذا الجهاز؟

جواب:

القطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان هو جهاز داخلي من مؤسسات الدائرة السياسية تهتم بإنضاج التصور والممارسة النقابيين لأبناء الجماعة، والعمود الفقري لهذا الجهاز هم الإخوة والأخوات الممارسون النقابيون داخل المركزيات التاريخية المعروفة.

ولا شك أن فاعلية إخواننا، وحضورهم المسؤول، وعمق ما يتقدمون به من مقترحات، وتواصلهم بقلب مفتوح مع الفاعلين النقابيين، إضافة إلى الإكراهات الموضوعية أمام العمل النقابي؛ كلها عوامل ستزيد من مصداقية ما نحمل من رؤى وتصورات سيكون لها لا محالة تأثير على الواقع، يتعاظم مع الزمن بقدر ما تتاح من حرية للفعل النقابي.

سؤال:

العمل من داخل بعض المركزيات النقابية، أهو تكتيك مرحلي أم خيار استراتيجي؟ هل ستؤسسون مركزيتكم النقابية في حال وقوع انفراج على المستوى السياسي للجماعة؟

جواب:

خيارنا الاستراتيجي هو الجبهة النقابية الموحدة كما أكدت على ذلك سابقا، أما العمل من داخل بعض المركزيات النقابية فلأننا نقدر أنها من الممكن أن تكون نواة للجبهة النقابية المأمولة بما لها من رصيد تاريخي، وأطر نقابية، وتعدد الهيئات السياسية العاملة داخلها، لكن ما يعيق أداءها وفاعليتها هو إرث تاريخي ثقيل، وتغول مخزني، وحزبية مقيتة. أما إذا وقع انفراج سياسي حقيقي فالأولى هو أن نعمق خيار الجبهة لا أن نرجع إلى الوراء لنساهم في مزيد من التشتت والانقسام.

سؤال:

هل لكم حضور في المنتديات الاجتماعية والنقابية على الصعيدين الإقليمي والدولي، وفي أي سياق يندرج؟

جواب:

لأعضاء الجماعة عموما، وللممارسين النقابيين خصوصا، حضور في بعض المنتديات الاجتماعية والنقابية على الصعيدين الإقليمي والعالمي، وهو حضور لم يرق بعد إلى المستوى المطلوب نظرا لظروف الحصار والإقصاء الممنهجين اللذين يفرضهما المخزن؛ إما بشكل مباشر أو غير مباشر حتى لا يحظى إخواننا بالصفة التمثيلية في مثل هذه المنتديات. ويندرج هذا الحضور في سياق التواصل مع الفاعلين النقابيين قصد بلورة رؤية جديدة للعمل النقابي في ظل تحديات العولمة.

سؤال:

نود الانتقال معكم للأزمة العالمية التي تعيد رسم مشهد علاقة الرساميل بمئات العمال، والذين يتم تسريحهم اليوم بالآلاف، ما هو تشخيصكم لأسباب هذه الأزمة؟

جواب:

الأزمة الخانقة التي يعيشها العالم اليوم تتداخل فيها عوامل متعددة: قيمية وسياسية واقتصادية واجتماعية، وهي أزمة لم يشهد لها العالم مثيلا منذ ثلاثينيات القرن الماضي حسب رأي الخبراء. وقد بدأت تداعيات هذه الأزمة تظهر تباعا وبشكل متسارع متمثلة في انهيار العديد من المؤسسات المالية والشركات العالمية… مما تسبب في أوضاع اجتماعية كارثية نجم عنها فقدان الآلاف من العمال لمناصب شغلهم، وتشرد بعضهم حتى أصبحنا نسمع في الإعلام من يتحدث عن “المشردين الجدد” كما هو حاصل الآن في الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال. وهذه الأوضاع نتيجة طبيعية لنظام عولمي يطبعه الجشع واحتكار الثروات ويقوم نظامه المالي على أساس ربوي.

وقد برزت هذه التداعيات بشكل كبير في المجال الاجتماعي باعتبار العامل هو الحلقة الأضعف في المنظومة الإنتاجية، ناهيك عن أن المركزيات النقابية المنوط بها الدفاع عن الشغيلة وصيانة حقوقها لم تتطور التطور المطلوب في ظل نظام عولمي طور إدارة المال والأعمال.

سؤال:

إذا كان العمل النقابي يتأسس على تصور واضح لمفاهيم: العدل، والعمل، والرأسمال، وقانون الشغل… لماذا نلحظ غيابا من طرفكم في التنظير للعمل النقابي بخلفية فكرية عميقة؟

جواب:

في البداية لا بد من تسجيل ملاحظة عامة وهي أن واقع الاستبداد الذي أناخ بكلكله على العالمين العربي والإسلامي لم يحفز على التنظير في أي مجال على اعتبار أن الجهة التي يفترض فيها التنظير –إذا أخذنا على سبيل المثال العمل النقابي- لقضايا العدل، والعمل، وقانون الشغل، ستكون عبارة عن صيحة في واد أو نفخة في رماد، أو في أحسن الأحوال توضع هذه التنظيرات في الرفوف إلى أن يشاء الله.

لكن مع هذه الملاحظة أؤكد بأن لنا نصيبا من التنظير للعمل النقابي منبثق من مدرسة السلوك المنهاجي التي ننتمي إليها. إلا أن ظروف الحصار المخزني لا تسمح لكثير من إنتاجاتنا الفكرية أن ترى النور، أو يتم تداولها، لكن في نطاق ضيق.

سؤال:

قانون الشغل خرج إلى الوجود، والقانون التنظيمي المؤطر لحق الإضراب الدستوري لم يعد ينقصه الكثير لتحقيق الإجماع عليه لإخراجه إلى الواقع، ما قولكم فيما صدر وفيما يعد؟

جواب:

دعني “أبشرك” بأن ما أعد وما يعد من قوانين لن يكون لها المفعول اللازم في ظل بيئة لا تعلو فيها كلمة فوق كلمة الاستبداد الجاثم على البلاد والعباد، وإلا قل لي بربك ما السياق الذي أفرز هذه القوانين؟ ومن هي الجهات التي شاركت في إعدادها ومناقشتها؟ وكيف تم إقرارها؟ وأي صلاحية واستقلالية للمؤسسة النيابية التي أقرتها؟ وهل تحظى هذه المؤسسة بالتمثيلية الحقيقية للشعب المغربي في ظل مقاطعة ملحوظة للانتخابات أصابت حاسوب الداخلية بمرض غير معروف لدى خبراء التزوير يطلق عليه “جنون الحاسوب” فبقيت النسبة الحقيقية للمشاركة الانتخابية حبيسة الرفوف ؟ وأين القضاء المستقل النزيه الساهر على تطبيق القانون قصد تحقيق العدالة؟

نعم لا بد من القانون لحفظ المصالح المتداخلة للأطراف المعنية بالشغل، لكن لا يكون لهذا القانون معنى إلا في ظل بيئة تنعم بالعدل وتتفيأ ظلال الحرية، وإلا تحول القانون إلى سيف مسلط على رقاب المستضعفين.

عن مجلة منار الهدى، عدد 13