الثُّلاَثِيَّةُ المقدَّسَة

جاء في لسان العرب: السُّنَّةُ: الطريقة المحمودة المستقيمة.

وفي الصّحاح: السُّنَّة: السيرة.

ويُعَرِّفُ الفقهاء السُّنَّةَ أنها: النافلة (بإزاء الفريضة). ويُعَرِّفُهَا الأصوليون بأنها: ما أضيف أو أُسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، ويضيف المحدثون إلى هذا كل صفة خَلْقية أو خُلُقية.

وحتى لا نتيه وُسْطَ هذه التعريفات وغيرِها دعنا نسمي الميراث العظيم بما سمَّاه به سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه: “ميراث رسول الله” صلى الله عليه وسلم.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معلما ومربيا وقائدا في آن، وكانت أقواله وأفعاله وتوجيهاته وتقريراته صلى الله عليه وسلم في كل الشؤون نسيجَ بُرْدة واحدًا ملتحمَ اللُّحْمَة والسَّدَى مَتِينَهُما. وعاش الصحابة رضي الله عنهم تحت ظلها مستمدِّين آمنين مطمئنين.

فلما اختار صلى الله عليه وسلم الرفيق الأعلى اشتد حرصُ الصحابة الكرام على “ميراث رسول الله” صلى الله عليه وسلم تَهَمُّمًا بآخرتهم وأداءً للأمانة وتبرئةً للذمة وحرصًا على عاقبة الْعَقِب اللاَّحق. ولهذا خاطب سيدُنا أبو هريرة أهل السوق باللغة التي يعرفون ويحبون: “يا أهل السوق ما أعجزكم؟!… ذاك ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقْسَمُ وأنتم هاهنا! ألا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه”؟!

وما كان هذا الميراثُ النبوي إلاَّ قيامًا بين يدي الله، وقرآنًا يتلى، وعِلْمًا يُتدارس في حِلق الذِّكر.

وفي هذا الميراث العظيم ومِنْ هذا الميراث العظيم ومع هذا الميراث العظيم منظومةٌ نبويةٌ جامعةٌ موازيةٌ مفاتيحُها بِيَدِ مَنْ أُوتوا الفهم عن الله وعن نبي الله. منظومةٌ لم تفصل حَبَّاتِ عِقْدِ هذا الميراث العظيم فصلاً، فَلَمْ تَفْرِزْ لُؤْلُؤَتَه مِنْ واسِطَتِهِ، ولم تَعْزِلْ فريدَتَهُ عن زُمُرُّدَته، ولم تضرب جُمَانَتَهُ بدُرَّتِه. ذلك أن جمالَ وقَدْرَ ووظيفةَ حَبَّاتِ هذا العِقد النبوي لا تكون وهي متنافرةٌ موتورةٌ منثورة، بل تتحقق وهي متآلفة منظومة كما نَظَمَها ناظِمُها الأول صلى الله عليه وسلم.

وزُلْزِلَت الأرض مِنْ تحتِ أقدام الأمَّة زلزالَها إبَّانَ انتقاضِ أُولى عرى الإسلام (الْحُكْم) فاهتزَّ البناءُ وباتَ أَمْرُهَا مُلْكًا موروثًا.

وانفرط عِقْدُ الميراث النبوي.

ومن نتائج الاِرتدادات التالية للزلزال الذي أصاب الأمة ومِنْ آثار انْفِرَاطِ عِقْدِها اهتزازُ أركانِ الْمَنْظُومَةِ النبويَّة الجامعةِ الناظمة لها.

وإن شئتَ أن تلمس بعضًا من نتائج هذه الارتدادات وهذا الاِنفراط فهاك ثلاثاً مِنْ حَبَّاتِ هذا العِقد صار كلٌّ منها جزءًا منفصلاً مستقلاًّ منكفئًا موتورًا مستغنيًا بذاته بل ببعضٍ مِن ذاته بعد أن انقطع الخيط الناظمُ لهذه المنظومة. وسأمثِّلُ الأمر تمثيلاً:

فأما الحبَّة الأولى من هذا العقد النبوي فحَوْلَها يدور دينُ الله تشريعاتٍ وقوانينَ وضوابطَ وحدودًا في كل أركان حياة الفرد والجماعة والأمة والبشرية الدينية والدنيوية، تَمَامًا كمثل الكعبة المشرَّفة: تُوَلَّى الوجوه شطرَها تتحرَّى السداد في استقبالها في الصلاة، ويطوف الحجيج بها فرضًا بقدْرٍ وكيفٍ معلوم. والكعبة في هذا المثال هي مَثَلُ ما اصطُلِحَ عليه: بـ: “فقه السُّنّة”.

وأما الحبَّة الثانية فإليها يجلس طالبو الوصول لأعالي درجات الكمال الروحي، يتتلمذون لدى عتباتها، ويستمدون من أنوار الغيب المبثوث من مشكاتها، وينهلون من حوض الصُحْبَةٍ الفياض بِغَمْرِها، يغترف منها مريدو اللهِ والدار الآخرة كلٌّ على قدر إنائه وسَعَةِ هِمَّته وعطاءِ ما سبق به علم الله جلَّ وعلا، تمامًا كمثل المنبر النبوي الشريف: لدى أعتابه تُطأطأ الرؤوس كأن عليها الطير، ومن كَوْثَرِ مَعِينِه ينهل الظامئون، وبين يديه تسكن الأرواح، وفي حضرته الشريفة تُغَضُّ الأصوات، وتحت ظله الْمُنيف تخشع القلوب وتطمئنّ، وبعطر أنفاسه تزكو الحياة. ومثل المنبر الشريف في هذا المثال هي مثل ما اصطُلِحَ عليه بـ: “فقه السلوك”.

وأما الحبة الثالثة فهي عنوانٌ ودليلٌ على صدق الحاملين أمانةَ التبليغ عن الله وعن نبي الله، ورمزُ الجهاد في تاريخ هذه الأمة، ومقياسٌ من مقاييس الإخلاص في العمل على تَحَرُّرِها، وميزانٌ توزَنُ به إرادتُها واستعدادها لشدِّ الرحال إلى قمم العزة في الدنيا والكرامة في الآخرة، تمامًا كما يُطْلَبُ شَدُّ رِحال العزائم والهمم إلى المسجد الأقصى طلبا لوجه الله وجهادًا في ذات الله وحركةً دؤوبةً في أرض الله ركوبًا مَتْنَ بُراقِ الدعوة تغييرًا بالقلب واللسان واليد. ومثل المسرى في هذا المثال هو مَثَلُ ما اصطُلح عليه بـ: “فقه الدعوة”.

ثلاثةُ مساجد لا تُشَدُّ الرحال إلاَّ إليها، وثلاثُ حبّات لا يكون العِقدُ ولا يَكْمُلُ ولا يجمُل ولا يسمى نَبَوِيًّا إلاَّ إذا انتظمها.

ثلاثُ حباتٍ ناظِمُها الفهمُ عن الوحي؛ غير أن تَفَكُّكَ هذا الفهم وضعفَ الإرادةِ الحاملة له وانتقاضَ عرى الإسلام عروةً بعد عروةٍ فَصَلَ ما بين “كعبة الفقه” و”منبر التربية” و”مسرى الدعوة”، فَفُصِلَ كلٍّ عن صِنْوَيْهِ في غيبة من يجمع الشتات بقلبه ويُظْهِرَ الحقَّ بلسانه وينظِم اللآلئَ بيديه.

هذه هي ثلاثيةُ السُّنَّةِ المقدسةُ.

وفي الحديث التالي تعريفٌ نبويٌّ تفصيليٌّ نفيس بحَبَّاتِ عِقْدِ السُّنَّة الشريفة على لسانه هو صلى الله عليه وسلم. تعريفٌ بهذه اللآلئ المتلألئةِ المستمَدَّةِ أنوارُها من وَهَجِ الحبات الثلاث:

عن سيدنا علي رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سُنَّتِه فقال: “المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والعجز فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد خلقي، وقرة عيني في الصلاة”. وفي حديث آخر: “وثمرة فؤادي في ذكره، وغمي لأجل أمتي، وشوقي إلى ربي” 1 .

هذه هي “السُنَّة” عند من تُنْسَبُ إليه وتتشرف به صلى الله عليه وآله وسلم:

معرفةٌ هي رأس مال العبد الذي إن أحسن تدبيرها واستثمارها عادت عليه بالربح والفوز والفلاح دنيا وأخرى. وعقلٌ هو الأصل الذي يُبْنى عليه دِينُ هذا العبد. العقل بمعناه القرآني. وحُبٌّ هو أساس مَسيره وحادي رَكْبِه. وشوقٌ هو المركب الذي يحمله إلى غايته ويخوض به غمار بحره. وذكرٌ لله هو أنيسه في وحشة الطريق. وثقةٌ بالله هي أنفس عطايا الوهّاب. وحزنٌ هو الصاحب الملازم له كظله في حَلِّه وتَرحاله. وعلمٌ هو سلاحه الأشد على الشيطان. وصبرٌ هو درعه الواقي للقلب من آفات السلوك. ورضًا هو غنيمته في كل غدوة أو روحة. وعجزٌ وافتقارٌ هو وسيلته إلى ربه. وزهدٌ هو الحرفة التي يقتات منها، كأنه كلما عظم زهده في دنياه زاد رزقه وبورك له فيه. فسبحان الله. ويقينٌ هو مصدر القوة والثبات. ذلك أن الشكَّ قرينُ الضعف، ومقدمةُ التردُّد، ودليلُ الهزيمة. وصدقٌ هو الشفيع الذي لا يُرَدُّ له دعاء، ولا ينعكس له رجاء، ولا يُخْرَمُ له حساب. وطاعةٌ هي حسْبُه دليلاً على صدقه. وجهادٌ هو خُلُقُه الذي يُعرف به. وصلاةٌ لا عَجَبَ أن تكون قرة عينه وقد جمعت كل معاني الحب والوصل والمعرفة والشوق إلى المحبوب سبحانه. وتَغَمُّمٌ وتهمُّمٌ لأجل أُمَّتِهِ الشهيدة الشاهدة.

هذه هي السُّنَّةُ في كمالها وشمولها وعمقها وسموِّها وصفائها ووهَجِها. فمن اسْتَنَّ بها فقد سلك سبيل الرشاد، وإلاَّ فقد ظلم نفسه وظلم سُنَّة نبيه.


[1] “الشفا”، ص: 97. \