في هذا الفصل إشارات لبعض فضائله صلى الله عليه وسلم، تقشُّفًا في عيشه، وزُهْدًا فيما لو طَلَبَهُ لَمَلَكَه بين يديه المبارَكَتَيْنِ وتحت قدميه الشريفتين، وسيادةً في الكونين والثقلين، وحيازةً لفضل الشفاعة العظمى يوم الحساب، وخُلُقًا وعلمًا وكرمًا، وعُلُوَّ درجةٍ في مراقي النبوة والرسالة، وما شاء الله من عطاء ربانيٍّ بَلَغَ به من الشرف مداه، ومن الْعِظَمِ غايَتَه، ومن الكمال منتهاه… صلى الله عليه وآله وسلم تسليما كثيرا.

وأول ما يفتتح به البوصيري هذا الفصل قوله:

ظَلَمْتُ سُنَّةَ مَنْ أَحْيَى الظَّـلاَمَ إِلَى *** أَنِ اشْتَكَتْ قَدَمَـاهُ الضُّرَّ مِنْ وَرَمِ

العبد الشكور

روى الإمام مسلم عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام حتى تَفَطَّرَ رجلاه قالت عائشة: يا رسول الله أتصنع هذا وقد غُفِرَ لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟) فقال: “يَا عَائِشَةُ، أَفَلاَ أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً؟!” الشُّكْرُ (مِنْ شَكَرَ يَشْكُرُ شُكْرًا وشُكُورًا وشُكْرانًا) : الثناءُ على المُحْسِنِ.

كأنه صلى الله عليه وسلم يقول لأم المؤمنين: أفلا أشكر من غمرني بإحسانه، وأنعم علي بعرفانه، وشملني برحمته، وغفرني (سَتَرَنِي) بعفوه، وأكرمني بقربه، وشرَّفني بالدَّلالة عليه؟

إنَّ مِنْ شأنِ مَنْ أَمِنَ نِقاشَ الحسابِ واطمأنَّ إلى سلامةِ العاقبة وضَمِنَ موافاةَ الجزاء أن تَبْرُدَ فيه لَهْفَةُ الطَّلب وتَرْتَخِيَ لديه حبالُ الْهِمَّة ويستسلمَ إلى دَعة الراحة، غير أن من ألقى ربُّه عليه محبةً منه واسْتَخْلصَه لنفسه وصَنَعَهُ على عينه وَوُعِدَ الوسيلةَ والفضيلةَ والدرجةَ الرفيعةَ تحت ظلِّ عرشه سبحانه لا يُنْتَظَرُ منه غيرُ ما يمليه عليه عِلْمُهُ بالله تعالى وشوقه إليه سبحانه وحبُّه إيَّاه يفيضُ منه عَفْوَ الخاطر لا يَتَكَلَّفُه ولا يتصنَّعه.

ولئن تفطَّرت القدمان الشريفتان قيامًا بين يدي الله تحقيقًا لمقتضيات شُكْرِ المنعِم سبحانه فلا يقيسَنَّ العاجزُ منا والضعيفُ الأمرَ على نفسه فيحسِبَ أنه صلى الله عليه وسلم كان يعذِّبُ نفسه ويرهقها (حاشاه) بطول القيام بين يدي الله!

لا يعلم إلاَّ الله تعالى إلى أَيِّ السماوات كانت تعرج هِمَّةُ نَجِيِّ الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومِنْ أيِّ كوثر كان ينهل قلبُ نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم، وفي أيَّةِ رياضٍ كانت تسْرَحُ روح حبيب الله صلى الله عليه وسلم!

ومَنْ اخترقت هِمَّتُه تلك السماوات، وارتوى قلبه من ذلك الكوثر، وتَشَبَّعَت رُوحه برَوْح تلك الرياض، أَنَّى يؤلمه تَفَطُّر قدمين موهوبتين لله مَبْذُولَتَيْنِ لله متشرِّفتَيْنِ بالقائم بين يدي الله؟!

قد كان مِما أمر سبحانه نبيَّه ومصطفاه أولَ البعثة أن يقوم الليلَ إلاَّ قليلا، استعدادا لتحمُّل القول الثقيل وتبعاتِه ومقتضياتِه والدعوةُ في البدايات قِلَّةً وضعفًا وغُربةً، فلما مَكَّنَ سبحانه لدعوته وفتح لأوليائه ألزم صلى الله عليه وسلم نَفْسَه في الرخاء أكثر مما ألزمه به ربُّه في الشدَّة.

فهل هو مزيدُ عطاءٍ اقتضى مزيدَ شكر؟ أم إن ما تَحَمَّلَه صلى الله عليه وسلم من أول ما بُعِثَ إلى أن مُكِّنَ له في الأرض ما كان سوى تهييءٍ ربّاني لنبيه ليرفعه إلى أعلى درجات الشكر؟

العبد الشكور هو العبد الكامل العبودية لله تعالى، القائمُ بتمام أمره سبحانه، الموفي بحقوق العباد، الباذلُ من ذاتِ نفسه لخلق الله طلبا لوجه الله. والعبد الشكور هو القلب السليم من الأذى الخالص من الشوائب المتعلق بربه لا يغفل عنه. والعبد الشكور هو العبد الذي استكمل من الإسلام كلَّ أركانه ووردَ من الإيمان كلَّ شُعَبِه ورَقِيَ من الإحسان كلَّ درجاته، واصطفاه ربه من خلقه واجتباه إلى حضرته وقَرَّبَه إليه قُرْبَانا. والعبد الشكور هو العبد الذي يزيده إحسان المحسن طلبًا لقربه وانجذابا لنوره، ولا يغريه أَمْنُ العاقبة بقناعة الْهِمَّة الكسول، ولا تغنيه رفعة الدرجات عن اللَّهَجِ باسمه والقيام بين يديه.

السُّنَّة المظلومة

أقَرَّ اللاَّئِمُ المستغفر في مطلع هذا الفصل بظلمه:ظَلَمْتُ سُنَّةَ مَنْ أَحْيَى الظَّـلاَمَ إِلَى ***أَنِ اشْتَكَتْ قَدَمَـاهُ الضُّرَّ مِنْ وَرَمِاُنظر كيف ربط البوصيري رحمه الله -على لسان اللاَّئِمِ- بين ما سبق من أبيات تلهج بمحبته صلى الله عليه وسلم، وبين ما يلحق بها مما يُمَجَّدُ به سيدُ الخلق من فضائل؛ رَبَطَ اللائمُ بين الأمرين باتهامه نَفْسَه أنه ظَلَمَ سُنَّةَ الحبيب صلى الله عليه وسلم. كأنه يقول لنا: إن للتحقق بمحبته صلى الله عليه وسلم سبيلاً سُنَّةً لا تتبدَّل ولا تتحوَّل ولا يتحقق أَثَرُها إلاَّ بين يَدَيْ طبيبٍ خبيرٍ بعلل النفس، مُتمَثِّلٍ بمثال النبوة النوراني الخالد. صلى الله عليه وسلم.

وما قصد الشاعر بظلمه سنة الحبيب إلا ظُلْمَه لنفسه إذْ رأى أنه ما اتبعها وما سار سيرة صاحبها صلى الله عليه وسلم. ومضمونُ ما يلي من أبيات البردة إلى آخرها فيه ذكر لبعض من سنته وسيرته صلى الله عليه وسلم.

وأول ما يسرد الشاعر من سُّنَّته وسيرته صلى الله عليه وسلم قيامُه عليه الصلاة والسلام بين يدي ربه متهجداً متبتلاً مُحْيِياً ظلام الليل.

ظَلَمْتُ سُنَّةَ مَنْ أَحْيَى الظَّـلاَمَ إِلَى***أَنِ اشْتَكَتْ قَدَمَـاهُ الضُّرَّ مِنْ وَرَمِ

لكأن سُنَّةَ النبي صلى الله عليه وسلم وسيرتَه وخُلُقَه ودأبَه وسبيلَه وبرنامَجَه أن يقوم من الليل حتى تتورَّم قدماه الشريفتان.

وانظر إلى لطيفِ ما نسبه البوصيري رحمه الله إلى القدمين الشريفتين من أدب جَمٍّ في حضرة مقام النبوة: فما اشتكت القدمان الشريفتان غيرَ ما ألَمَّ بهما من ضُرّ لا سببَ الضّرّ. وما اشتكتا هذا الضرَّ أَفَفًا أو ضَجَرًا، بل حَزَنًا ألاَّ يجد حبيبُ الله مِنْ عافيتهما بين يدي الله تعالى بقدر ما يجد من عافية هِمَّتِه وعُلُوِّها. صلى الله عليه وسلم.

ظَلَمْتُ سُنَّةَ مَنْ أَحْيَى الظَّـلاَمَ إِلَى ***أَنِ اشْتَكَتْ قَدَمَـاهُ الضُّرَّ مِنْ وَرَمِ

لكَأَنَّ اللَّيلَ كائنٌ مَيْتٌ لا تسري فيه الحياة إلاَّ على دَنْدَنَاتِ قلبِه الحيِّ في ركعاته وسجداته صلى الله عليه وسلم، أو لكأنَّه وَحْشَةٌ لا أَنَسَ فيه إلاَّ بأنفاس مناجاته وَتَهجُّده صلى الله عليه وسلم، أو لكأنه كهفٌ مظلمٌ لا يستضاء فيه إلاَّ بجذوةٍ مِنْ تسبيحاته وحَمْدَلاَتِه وتهليلاته وتكبيراته صلى الله عليه وسلم.

كان صلى الله عليه وسلم يَحْمِلُ أمانة إحياء البشرية كلِّها بل إحياء الكون كله، فاحتاج أن يحيي مِن الليل بقدْر ما يَغْرَقُ فيه هذا الكون من ظلمات ليتنور بنوره صلى الله عليه وسلم. ولا يستطيعُ عبدٌ من عباد الله أن يُحْيِي مِنْ ليلِ مَنْ حوله من الناس إلاَّ بقدر ما يُحيي من نفسه، أي بقدر ما يُحيي من ليله هو. ولا يَتَحَمَّلُ هذا العبدُ من آلام إعراض الخلق ومحاربتهم للحق ومن ضريبة السعي بالخير فيهم والحب لهم والرحمة بهم إِلاَّ بقدر ما يتحمل مِنْ تَفَطُّرِ قدميه قياماً بين يديه سبحانه في ظلمته (الليل)، ولا يُدْرِكُ مِنْ درجات القرب من المحسنين إلاَّ إن كان له حظ من اللَّهَجِ باسمه سبحانه في سكونه (الليل)، وإلاَّ فقد ظلم هذا العبد سنَّة الحبيب صلى الله عليه وسلم.

وهل يظلم العبدُ سُنَّتَه صلى الله عليه وسلم؟

وما هو ظُلْمُ العبد لسُنَّتِه صلى الله عليه وسلم؟ وكيف؟

وما هي سُنَّتُه صلى الله عليه وسلم أولَ شيء؟