يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الظالم سوط الله في الأرض ينتقم به ثم ينتقم منه” 1

إن المتأمل في جُلّ الأحداث التي عرفها المغرب فيما مضى من الشهور، من محاكمات سياسية واستحقاقات انتخابية ومتابعة للصحف إلخ. يجد بَصمة القضاء على كل ملف وكل قضية، للأسف بما لا يُشرف سُمعته ولا سُمعة هذا الوطن المتهاوية أصلا جراء استشراء الفساد بكل أنواعه..

القضاء، مع الأسف الشديد، بعض من أدوات المخزن في بَثِّ شَرِّه. أضحى غارقا في الفساد حدّ الثمالة. ضَلَع مع المخزن وسار في رِكَابه، فلا يَرى إلا ما أرته أجهزته البوليسية ولا تَسلُك في أذنيه سوى تعليماته… لو كانت حرفة من الحرف لأمسكنا، ولكنها حقوق العباد وخلافة الله في الفصل بين الناس بما أمر به سبحانه من عدل وقسط.

إن الله، تبارك اسمه، سمى نفسه عدلا. حَـرَّم عز وجل الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرما. بين العباد !! فكيف لو كان الظالم هو عَينُه الموقوف للحكم بين العباد!؟ وبالعدل أمر سبحانه: إن الله يأمر بالعدل والإحسان 2 وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “القُضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار: فأما الذي في الجنة: فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجَارَ في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهلٍ فهو في النار” 3

هذا الأمر تـَلَقّـَفَتْه قلوب الصحابة وصالحي الأمة من بعدهم، ممن تولوا الفصل في النزاعات والبث في المظالم، بقلوب لله مراقبة، فلم يَـألوا جُهدا رضي الله عنهم في إحقاق الحق وإزهاق الباطل، وحفظ تاريخ المسلمين قصصا عن عدلهم هي أقرب للأساطير..

لما رأوا أن القضاء ظل الله في الأرض الذي يَفيئ إليه المَضِيم، ويد الله التي يَـذُبُّ بها عن الضعيف المَهيض الجناح، ويَـرُد بها المستكبر العارم، علموا أنهم في مقام النيابة عن الله في بسط العدل بين عباده، فاكتنفهم خوف منه سبحانه أن يجوروا على واحد من عياله، وكان ذلك مُعتَصَمَهم من كل من أراد أن يَحْمِلَهم على الجور من الملوك الظلمة. كانت لهم في دولة الإسلام شوكة وعزة ومَـنَعة لا تضاهيها إلا سُطوة السلطان نفسه. علموا أنهم انتدبوا لمهمة شَرُف بها الأنبياء قبلهم فاستحيوا أن يلقوا أنبياء الله غدا وقد خلفوا في الدنيا مظلوما كسيرا أو أعانوا ظالما مستطيلا على أَشَـرِه.

كانوا رحمهم الله يَفرّون من القضاء كما يفرون من سَبُعٍ ثائر مَـكلوم… فمنهم من ادّعى الخَرف والجنون لألا يتولى القضاء، ومنهم من هجر أرضه التي يقيم فيها إشفاقا على نفسه أن يَحملها على حَتفها بِتَولّي الحكومة بين المسلمين، ومنهم من اسْتَجَرَّه السلطان إلى هذه المهمة بالسّياط فأقبل عليها باكيا كَمن يُساق إلى الموت…

حُـقّ لمن نظر في سِيَر مفاخر الأمة هؤلاء أن يرثي لحال القاضي اليوم، هذا الذي صار مجرد موظف لا يُحفَل به، يتقاضى أجرا قد لا يَفي بما تقتضيه بَهرجة التكاثر والتفاخر بين الأنداد ممن لهم نفس المكانة الاجتماعية، فإذا به يَلِـغُ في الفساد وَلَغاً،… “لا تَعجب بعد ذلك أن تجد قاضيا متورطا في كل قضية من قضايا الفساد التي تطفوا على بركة فضائح المخزن الآسنة بين الفينة والأخرى”، ويُوَقع باسم الظلمة أحكاما تُرضي أهواءهم وأهواء وزبانيتهم…

وبعد…

فإن أمثال عمر الفاروق وشريح العراقي وتاج الدين السبكي ومعاذ بن جبل وسواهم -رضي الله عنهم- لَسَقْفٌ عالٍ لا تَنَـالُه إلا هَامَاتُ رجال تَرَبّوا مثلما تَرَبّوا ووَرَدُوا نفس الماء.. فلا نُحمِّل أصحابنا ما لا طاقة لهم به.. إنما نرجو أن تستيقظ ضمائر بعضهم وأن ينتفض ذوو المرؤة منهم، على واقع فرضه فساد المخزن ورسخه صمتهم وتواطؤهم.

لقد عَسْعَس ليل الظلم في ردهات المحاكم فملأها جورا وعسفا، فمتى يتنفس صبح العدل مُزيلا هذا الفساد الجاثم على كلكل الوطن؟ متى نسير إلى دُور القضاء بلا خوف من سياط القضاة؟ (مفارقة!). إلى ذلك الحين ندعو الله تعالى أن يشملنا بلطفه، ويُسبغ علينا ستره، ويعافينا مما ابتلى به سوانا، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.


[1] رواه الطبراني والديلمي \
[2] سورة النحل – الآية 90 \
[3] رواه أبو داود وغيره\