الذين أسهروا له العيون، وأخمصوا له البطون، فهم طول دهرهم عما سواه صائمون، وفي مسجد الخلوة عليه عاكفون. جعلوا مدة الحياة صومهم ليكون الموت عيدهم، وقنعوا أيام العاجلة بالخلق ليلبسوا في الآخرة جديدهم، فلما أنجزوا لله من أنفسهم وعودهم أنجز لهم من نفسه وعوده، فآوى طريدهم، وأدنى بعيدهم، وعوضهم من شقائهم سعوده، قد جعلوا أنفسهم عبيده، فجعل الولدان المخلدين عبيدهم.

من كان لله عبدا فذاك مولى الموالي، ومن تولاه أضحى على الخليقة والٍ، وُلِّي عن الكون لما والى الجناب العالي. يا فوز عبد له الرب مكرم ومُوَالٍ! قد حل من قرب مولاه بساميات المعالي، ونال من طيب وصل الحبيب كل منال، مسربلا بسرابيل العز والإقبال، لا يخطر الخوف من غير الله منه ببال.

كم ذا تشوف نفسي بصالح الأعمال! وإلى متى أرتجي بلوغ أمر محال؟ لا يبلغ المجد إلا بالشد والترحال، والزهد في دار دنيا قد آذنت بزوال، والصوم حتى يكون التعييد يوم وصال.

جميع الطاعات والعبادات التي يتقرب بها إلى الله المتقربون لها شريعة يرويها الناقلون، وحقيقة يفقهها العارفون، ولا شريعة ولا حقيقة إلا وهي فيما جاءنا به عن الله المرسلون، فمن عمل بالظاهر المعتاد وأهمل الباطن المراد فليس هو من أولي الألباب؛ لأنه اشتغل بالقشر عن اللباب.

رب قائم ليس من قيامه إلا السهر والتعب، ورب صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ والتعب، فأمنوا إلى ظاهر الشريعة باطن الحقيقة، واسلكوا مع السالكين إلى الله أحمد الطريقة، وافطموا هذه النفوس عن سوء الرضاع، فإنما شرعت لكم الطاعات لنقلكم عن رديء الطباع.

إلى متى أكلا وشربا ونوما؟ فقد آن أن تذيبوا شحوم الراحة والشبع صلاة وصوما، فكل ما أنتم فيه عما قليل زائل، ولو كان دائما لا يزول فما هو بطائل، ولا له حاصل.

أين أنتم عن مخارِف 1 البر الرحيم في جنات النعيم؟ أين أنتم من لذة المناجاة إذا أرخى سدوله الليل البهيم؟ يا لها لذة ما ذاقها إلا ذو بطن هضيم، وقلب سليم، وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم!

عبادتان مؤكدتان في عبادة الإسلام؛ إحداهما الصلاة، والأخرى الصيام، ومن أدمن فعلهما غفرت له الإساءة، وضمن له الإحسان، وسلك في محجة الإيمان إلى دار الأمان.

إنما كان الصوم والصلاة موجبين لغفران الذنوب لما فيهما من تطهير النفوس وإصلاح القلوب، فالصوم يجلو عن مرآة الباطن، والصلاة يجلى فيها ما هو من الشر كامن. فيا خيبة المحجوبين! ماذا فاتهم من المشاهدة لأنهم رضوا أن يبيتوا وبطونهم ملأى، وعيونهم راقدة، ليلهم أضغاث أحلام، ونهارهم لغو الكلام، وكسب الحطام، فهيهات أن يذوقوا من حلاوة مناجاة الله ما ذاق أهل الصلاة والصيام!

لو أدمتم عما سواه الصيام،***وأطلتم جنح الظلام القياما.
فأقمتم في الصلاة له فطَوْرا ***ركعا سجدا، وطورا قياما.
لوجدتم لذاذة لم يذقها ***مستلذا إلا الملوك الكراما.
حُمْ على ما حاموا عليه عسى *** تكتب ممن على المكارم حاما.
دُمْ على السير مُدْنِفا وصحيحا***لم يصل غير من على السير داما.
2 قُمْ على الباب خاضعا وذليلا*** لم يلج غير من على الباب راما.
أُمَّ ذاك الحمى المنيع*** تصر في خير للمتقين إماما.
3 صُمْ عن الغير إنما ذاق طعم***العيد من غير الأحبة صاما.
حُمْ عن ذلك المجد الأثيل فلا ماجد***إلا الذي عن المجد حاما.
لائمي كف! كيف أصغى وفي ***القلب من الوجد ما يذوذ الملاما؟.
أنا إن همت في هواه فكم من***ذي حجي في هواه هاما!.
4 لو درى المطرود ما فاته، ومن أين للمطرود أن يدري؟ لَذَرَف دموع الأسف حتى تظل على الخدود تجري، سرت الركاب إلى وصال الأحباب وركابه لا تسري، ما شرى نفسه ابتغاء مرضاة الله ومن الناس من يشرى.عيل في حبك صبري وتحيرت بأمري =أطلب الوصل فلا أعطى سوى صد وهجر

ليلة أنظر فيها وجهه ليلة قدري =اجبروني بوصال طال بالهجران كسري

)اللهم اجبر كسرنا، واكشف ضرنا يا كريم يا رحيم.

من كتاب العهود المحمدية للإمام الشعراني رحمه الله


[1] الـمَخارِفُ جمع مَخْرَفٍ، وهو الحائطُ من النخل. والمِخْرَفُ ما يُجْتَنى فيه الثِّمارُ، وإنما سمِّي مِخْرَفاً لأَنه يُخْتَرَفُ فيه أَي يُجْتَنَى.\
[2] رجل دَنَفٌ ودَنِفٌ ومُدْنِفٌ ومُدْنَفٌ: براه المرضُ حتى أَشْرف على الموت.\
[3] أمّ: اِقْصِدْ.\
[4] الحِجَى: العقل والفطنة.\