السكتة القلبية

بعد سنوات من القبضة الحديدية ظل خلالها الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله يتابع كل صغيرة وكبيرة في أي شأن من شؤون البلاد والعباد، فلم يكن يخفى عليه زيادة ريال واحد في ثمن كيلو الطماطم ـ على حد تصريحه في أحد استجواباته ـ وكان يناقش المدرب الوطني في تشكيلة المنتخب الوطني كما حدث في المقابلة التاريخية بين المغرب والجزائر، عرفت السنوات الأخيرة ولأسباب كثيرة تراجعا في هيبة المخزن وارتفاعا للاحتقان الاجتماعي أسسا لمرحلة التناوب وقبول المعارضة اليسارية الانخراط في السلطة في محاولة لإخراج المغرب من نفق السكتة القلبية وتوظيف الرصيد الجماهيري للمعارضة لامتصاص الغضب الشعبي، وضمان انتقال سلس للسلطة بعد وفاة الحسن الثاني التي باتت وشيكة.

وتستمر الحياة..

في الوقت الذي كان يعتقد فيه الكثير من المغاربة استحالة استقرار المغرب في غياب الملك الحسن الثاني تمت عملية انتقال السلطة إلى ولي العهد آنذاك محمد السادس دون تسجيل أية قلاقل، بل على العكس من ذلك سرعان ما ردد المغاربة شعار: “ملكنا واحد محمد السادس”. استمرت الحياة لأن النظام الذي كان الحسن الثاني يقوده مازال مستمرا كما قالت الأستاذة ندية ياسين كريمة الأستاذ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان تعليقا على وفاة الحسن الثاني: كنا نتمنى أن يموت النظام ويبقى الحسن الثاني، لكن مات الحسن الثاني وبقي النظام.)

تركة ثقيلة

ورث محمد السادس غداة توليه الحكم قبل عشر سنوات تركة ثقيلة، فإضافة إلى الثروة المالية الملكية الكبيرة ورث أوضاعا اجتماعية وتفاوتا طبقيا مهولا ينذر بالانفجار وسجلا ثقيلا من الخروقات الجسيمة في مجال الحقوق والحريات مثلما ورث ظلا كثيفا لشخصية كارزمية كان لها حضور قوي على الصعيدين الداخلي والخارجي. تركة ثقيلة تطلبت جهودا كبيرة لطي صفحة عهد الحسن الثاني وتدشين عهد جديد يكون للملك الشاب فيه طابعه وأسلوبه.

الملك الشاب

“الملك الشاب” صفة أو لقب أطلق على الملك محمد السادس غداة وصوله لسدة الحكم، وهو لقب بقدر ما يحمل دلالات إيجابية من قبيل أنه حديث العهد بالحكم وبالتالي لا يؤاخذ بأخطاء من سبقه ـ ولذلك امتعض البعض من مذكرة “إلى من يُهمه الأمر” التي توجه بها الأستاذ عبد السلام ياسين مرشد الجماعة ينصحه بالاستفادة من فترة ملك والده، ويقترح عليه تصحيح مسار الحكم ـ فقد تهافت الزعماء السياسيون لإعطاء الملك الجديد فرصة لترتيب الأوضاع مبررين تهافتهم بما سمي وقتها بالإشارات الإيجابية وما فتح من أوراش تنموية؛ إلا أن هذا اللقب قد يوحي كذلك بقلة التجربة وعدم الإلمام بالأمور وعدم القدرة على اتخاذ القرارات الحاسمة لذلك لم ينتظر محمد السادس كثيرا ليعفي وزير الداخلية والركن الركين في نظام الحسن الثاني إدريس البصري من مهامه، وهو القرار الذي صفق له الجميع وتنفس على إثره الكثير من السياسيين الصعداء، ناسين أو متناسين أن الرجل مهما يكن لن يعدو أن يكون أداة مخزنية، وأن المخزن الذي أنتج إدريس البصري قادر على إنتاج غيره وبالمواصفات والعدد المطلوبين.

حصاد عشر سنوات

خلال عشر سنوات خلت عمل النظام على تثبيت أركانه وإعادة الاعتبـار لهيبة المخزن وذلك من خلال:

ـ اعتماد وجوه شابة من زملاء الملك في إشارة لقطع العهد ـ ظاهرا ـ مع العهد القديم ورموزه.

ـ النيل وبشكل ممنهج من قيمة العهد القديم والهجوم بشكل لافت على شخص الحسن الثاني وخدش مكانته في نفوس المغاربة من خلال ملفات أشبه بالسرية لتسليط الضوء على جوانب من حياته الشخصية والتي يعتبرها المخزن أحيانا إساءة للاحترام الواجب لشخص الملك، في حين منع المخزن الجديد مجلة فرنسية من التوزيع في المغرب لأنها تتضمن استطلاعا للرأي خلاصته أن 91 % من المستجوبين “فقط” يؤيدون الملك محمدا السادس.

ـ إطلاق أوراش كثيرة وفي مجالات متعددة حقوقية كهيئة الإنصاف والمصالحة وتعويض ضحايا سنوات الرصاص، وتنموية كمبادرة التنمية البشرية..

ـ تكثيف الزيارات لمختلف ربوع البلاد حتى عاد عرشه على متن سيارته ـ على حد تعبير خطبة وزارة الأوقاف بمناسبة ذكرى عيد العرش ـ لتدشين الأوراش والمشاريع التنموية حتى التي كانت من اختصاص العمال والولاة سابقا.

ـ الضرب بقوة على أيدي المتابعين في تفجيرات 16ماي 2003 وما تلاها من أحداث أكدتها أحكام ما يعرف بقضية “بلعيرج” قبيل أيام من الذكرى العاشرة لعيد العرش في رسالة واضحة أن المخزن لن يتسامح في النيل من هيبته، وأنه لم يفقد شيئا من قوته.

ـ الحضور الملكي القوي في تدبير الشأن العام للبلاد، فكل القرارات اتخذت من طرف الملك أو من خلال هيئات أنشأها: المجلس الأعلى للتعليم نموذجا؛ وما لم يتخذ من قرارات بشكل مباشر يضاف ويلحق بالمؤسسة الملكية، فالتوظيفـات الأخيرة لحملة الشهادات العليا في سلك التعليم صنفت مبادرة ملكية، والتعويضات التي تصرفها وزارة الأوقاف لأعضاء المجالس العلمية الإقليمية تسميها “هبة مولوية”.

حضور همش الحكومة والهيئات المنتخبة، بل إن التدشينات تسبق الحملات الانتخابية وتتخللها وتلي الاستحقاقات الانتخابية في إشارة إلى أن من يدير شؤون البلاد والعباد فعليا وعمليا هو شخص الملك والملك فقط، وما عداه فهو ديكور أو “كمبارس”.

ويستمر المخزن..

عشر سنوات كانت كافية للنظام ليثبت أركانه ويستعيد المخزن هيبته وترتفع أصوات ـ كانت بالأمس تصفق لعهد جديد ـ أن لا شيء تغير وأن “حليمة رجعت لعادتها القديمة”. تثبيت لأركان المخزن كان على حساب مصادرة حقوق الصحافة ـ لا سيما المستقلة منها على الأخص ـ والحق في إبداء الرأي وإقصاء التصـورات المعارضة ـ جماعة العدل والإحسان نموذجا ـ وإضعاف مكونات المشهد السياسي وتجريده من أي دور ريادي للتغيير مستفيدا من مشاكل الأحزاب الهيكلية، فقد غدت الهيئات الحزبية والنقابية تصارع من أجل البقاء، وأضحت أوهن من أن تطالب بتعديل دستوري يضبط السلط ويحدد الصلاحيات.

لقد غدت المؤسسة الملكية في عشر سنوات الكل في الكل، مثلما تحول ملك الفقراء الشاب إلى سابع أثرياء العالم، وغاب عمليا مفهوم الدولة بما هي برلمان وحكومة وهيئات سياسية فاعلة، وبما هي قضاء ـ ما زال يبحث عن الاستقلالية ـ وصحافة حرة ومسؤولة؛ أي أننا أصبحنا بعد عشر سنوات أبعد ما نكون عن دولة المؤسسات.