الهوّة بين الدولة المخزنية وجماعة العدل والإحسان قد ضاقت!
والخلاف اليوم بين الدولة والجماعة ليس جوهريا!

حاولت في المقالتين السابقتين أن أثبت، بالبيّنات القاطعة من مصادر الجماعة، أن الدكتور ضريفا، فيما توصل إليه من آراء واستنتاجات في قراءته وتحليله للتطورات التي طبعت المسار السياسي لجماعة العدل والإحسان، قد شرد كثيرا عما هو معروف ومشهور من اختيارات الجماعة ومواقفها، وعما هو مقرر في وثائق وتصريحاتٍ لا تحتمل التأويل، صادرة عن هيئات مسؤولة في الجماعة.

إن الأستاذ ضريفا، في اعتقادي، قد أضاع المفتاحَ الذي يحلّ كثيرا من المُشكلات المتعلقة بمواقف الجماعة في شأن العمل السياسي، وذلك حينما رأى في استنتاجاته أن الهوّة بين الدولة والجماعة هي اليوم في تقلص، لأن الجماعة باتت تعترف بشرعية المؤسسة الملكية، وهي الآن في الطريق لتأسيس حزب سياسي، والانخراط في “اللعبة الديمقراطية”.

مفتاح الفهم

لقد أضاع الأستاذ الباحثُ المفتاح، لأنه أهمل أن يستحضر أن كتاب “المنهاج النبوي” ما يزال هو الروح الذي به قوامُ الجماعة، وما يزال هو المعبر عن مسلكها التربوي وخطها السياسي. فالمنهاج هو مصدر قاطع الدلالة على أن ما ذهب إليه الأستاذ ضريف في استنتاجاته في واد، وأن ما عليه الجماعة في واد آخر.

إن منهاج الجماعة السياسي، وهو جزء أساس من “المنهاج النبوي” العام، مبنيّ في جوهره على اجتهاد الأستاذ ياسين في فقه “حديث الخلافة”، الذي رواه الإمام أحمد، عن النعمان بن بشير، رضي الله عنه، وفيه أن حذيفة بن اليمان، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عيه وسلم: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضّا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريّة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت…”في النهاية لابن الأثير: وفي الحديث: “ثم يكونُ مُلْكٌ عَضُوضٌ”أي يُصِيبُ الرَّعيَّة فيه عسْفٌ وظُلْم، كأنَّهم يُعَضُّون فيه عَضًّا. والعَضُوضُ من أبْنية المُبالغة. وفي رواية: “ثم يكون مُلوكٌ عُضُوضٌ”، وهو جمع عِضٍّ، بالكسر، وهو الخَبِيثُ الشَّرِسُ. ومن الأول حديث أبي بكر: “وسَتَرَون بَعْدي مُلْكا عَضُوضاً”وفيه: “ثم يكون مُلك وجَبَرُوت” أي عُتُوّ وقَهْر. يقال: جَبَّار بَيّن الجَبَرُوّة والجَبريَّة والْجَبَرُوت”.

فقهُ الأستاذ عبد السلام ياسين لهذا الحديث ينتهي إلى رسم خط مستقيم صاعد، تتوالى عبره مراحلُ أنظمة الحكم في الإسلام تواليا “حتميا”؛ فهناك مرحلة “النبوة”، تتبعها مرحلة “الخلافة على منهاج النبوة”، وهي مرحلة الخلفاء الراشدين، تتبعُها مرحلة “الملك العاض”، أي الملك الوراثي، وتمتد، حسب تقدير الأستاذ ياسين (في “مقدمات لمستقبل الإسلام”، ص30) “من لدن نهاية الخلفاء الأربعة الراشدين إلى سقوط الدولة العثمانية”، تتبعُها مرحلة “الحكم الجبري”، “وهو- يقول الأستاذ ياسين- والله أعلم- الحكمُ المستبد الذي يعرفه زمننا”، ثم تأتي المرحلة النهائية، وهي “الخلافة على منهاج النبوة”.

ليس بمهمّ هنا أن نعرف أن هناك آراء أخرى تخالف منهاج جماعة العدل والإحسان في فقهِ هذا الحديث وتفسير مضمونه، وإنما المهم، في اعتقادي، هو أن نعرف هذه “الحتمية” التاريخية والسياسية، التي يمتاز بها اجتهادُ الأستاذ عبد السلام ياسين، والتي تشكل العمود الفقري في المنهاج السياسي لجماعة العدل والإحسان.

وقد وُوجهت هذه “الحتمية” في منهاج الجماعة، وما تزال، بكثير من الاعتراضات والانتقادات، كما كانت هذه “الحتمية”، وما تزال، وراء الكثير مما تعانيه الجماعة في مضمار النضال السياسي، وخاصة في مواجهة الدولة المخزنية.

فمن هذه “الحتمية” أن الدعوة القائمة- وليست هذه الدعوة مقصورة بالضرورة على دعوة العدل والإحسان، فقد تشمل جماعات أخرى، بل قد تعني جميع مكونات الحركة الإسلامية- لا بد أن تنتهيَ إلى بناء “جماعة المسلمين” القوية، التي ستكون قاعدة لانطلاق “الموجة العارمة”، أي “القومة” على “الحكم الجبري”، وتأسيس “حكم إسلامي قطري”، قبل أن تجتمع الأقطار الإسلامية المحرَّرَة(بالبناء للمجهول) لتؤسس نظام “الخلافة الثانية على منهاج النبوة”.

إذن، بهذه النظرة السياسية “الحتمية” في الفهم والفقه والتفسير، وبهذا “الإيقان الراسخ” في تقدير الواقع السياسي وتحليل معطياته وقراءة صيرورته، فإن الحكم الجبري صائر، لا محالة، عاجلا أم آجلا، إلى زوال. وهذا- حسب الثوابت الإيمانية في دعوة العدل والإحسان- وعدٌ من الله ورسوله غيرُ مكذوب.

يقول الأستاذ عبد الواحد المتوكل، عضو مجلس إرشاد في الجماعة، والأمين العام لدائرتها السياسية، من كلمته في افتتاح الدورة التاسعة للمجلس القطري للدائرة السياسية(مقدس) يوم 08 أكتوبر2004، معبرا عن هذا الإيقان الراسخ: قد تضافرت النصوص وتكاثرت الشواهد، وتوالت البشائر في ظل صحبتنا المباركة، لتؤكد ما لا يشك فيه إلا من يكذب بالدين أو ضعفاء الإيمان على أن الإسلام سينتصر، وعلى أن دعوة العدل والإحسان ستظهر، وعلى أن دولة القرآن ستقوم، وأن أرض فلسطين ستعود حرة أبية كما كانت. (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)…)فلو أن الأستاذ ضريفا رجع إلى ثوابت منهاج الجماعة، لعلم قطعا ويقينا أن ليس بين الدولة ودعوة العدل والإحسان إلا التنافر والتنابذ.

طالع أيضا  آراء شاذة لباحث متخصص

ولو أنه اعتمد “المنهاج النبوي”، مصدرا أساسا، لقرأ بالعبارة الواضحة الشافية الكافية أن ليس للدولة الجبرية عند جماعة العدل والإحسان إلا المعارضةُ والعصيان.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في “المنهاج النبوي”(ص32 من الطبعة3): خطنا السياسي الواضح هو أننا لا نعارض حكام الجبر معارضة الأحزاب على مستوى تدبير المعاش والاقتصاد، بل نعصيهم، لأنهم خرجوا عن دائرة الإسلام، إلا أن يتوبوا توبة عمر بن عبد العزيز(…) نعصيهم ونعارضهم، لأنهم خرّبوا الدين(…). الأمر أعمق وأخطر وأشد صرامة من مجرد المعارضة السياسية)وهذا ما كرره وأكده الأستاذ المتوكلُ حينما قال في الكلمة التي افتتح بها الدورة العاشرة لـ (مقدس)، في 25 نونبر2005، في سياق التذكير بمواقف الجماعة الثابتة: إذا كانت مشكلة المغرب السياسية وغيره من بلاد العرب والمسلمين مرتبطة أساسا بنظام الحكم، فإن موقفنا الثابت هو أننا نعارضه معارضة صريحة(…) نعارضه سياسيا، لأنه لا مكان فيه للشعب للاختيار الحر، أو المراقبة، أو المشاركة في صناعة القرار(…) ونعصيه دينا، لأنه لا يُحَكِّمَ شريعة الله العليم الخبير بما يصلح البلاد والعباد…)ويقول الأستاذ ياسين في “المنهاج النبوي(ص31): يحرم علينا السكوت والرضا وطاعة من يعصون الله)ويسأل في (ص30): “هل يجوز القيامُ على حكام الجور؟”. ثم يورد أحاديث وأقوالا يُفهم منها في السياق جوازُ القيام عليهم، إلى أن يقول: “السياسة الشرعية تُجيب أن القومة الإسلامية على حكام الجبر مشروعة، ولا يصطدم بالشرع أيّ من الرأي والخدعة الحربية والمكايدة…”.

وفي اعتقادي أن النظام المخزني هو مِن أعرف الناس بهذه الحقيقة القاطعة في منهاج جماعة العدل والإحسان، لأن هذا النظام مهتم، بالرغم عنه، بكل جزئية في هذا المنهاج وإن لم تكن من ثوابته، فأحرى إن كانت من ثوابته. فالنظام المخزني يقرأ في “المنهاج النبوي”، وفي غير المنهاج النبوي من كتابات مرشد الجماعة، خطابا واضحا متحديا، لا يلف ولا يدور، ولا يراوغ ولا يتستّر؛ يقول الأستاذ ياسين في هذا الصدد، وبكل قوة ووضوح (المنهاج، ص28): “لا نكذب على حكام الجبر، ولا على أنفسنا، عندما ندعوهم للتوبة والسلوك مسلك عمر بن عبد العزيز. إنما نتحداهم ونتخذ مظلة سياسية يعلم الكل، نحن وهم، ماذا تعني الكلمات”. ويقول في (ص30): “…ومن الرأي والخدعة والمكايدة أن نكتب هذا ونعلنه لمن يعلم قواعد اللعبة السياسية ومداخل الأمور…”.

ويقول في موضع آخر مخاطبا حكام الجبر (ص29): “اعملوا على مكانتكم. اعملوا ما في وسعكم ووسائلكم. هذه كلمة من وطد نفسه على اقتحام العقبة، ووثِق بالله، وباع نفسه وماله لله”.

ويقول، في قوة ووضوح (العدل، ص681): “لسنا نرمي لترميم صدع الأنظمة المنهارة معنويا، المنتظرةِ ساعتها ليجرفها الطوفان جزاء بما كسبت أيدي الناس. يندكّ ما كان يظنه الغافلون عن الله، الجاهلون بسنته في القرى الظالمِ أهلُها، حصونا منيعة وقلاعا حصينة، وتندثر، وتغرَق. ولما بعد الطوفان، ولخواء ما بعد الطوفان وخيبة ما بعد الطوفان نكتب”.

إن كلا الطرفين، أي الدولة والجماعة، يعرف صاحبه، وكلاهما يعمل، وخاصة في مضمار التدافع السياسي والإعلامي، من أجل إظهار الآخر في صورة الجاني الخارج على القانون. إنها معركة مستمرة، إلا أن موازين القوى فيها هي اليوم لصالح الدولة المخزنية بما لا مجال معه للمقارنة بين الطرفين، لأن الدولة، بما هي دولة، تملك “مشروعية” استعمال جميع الوسائل الواقعة تحت سلطتها في المدافعة والمواجهة.

فالدولة، في هذه المواجهة، تحاول جاهدة، وفي الظاهر على الأقل، أن تتبع سياسة ظاهرُها تطبيق القانون، والمحافظة على النظام العام والاستقرار الاجتماعي، وباطنُها قمعٌ ومنعٌ وانتهاكٌ للقانون.

أما الجماعة المحاصرة المقموعة، فإنها تجتهد من جهتها أن تظهر للرأي العام الداخلي والخارجي ــ بل إن قمعَها ومنعَها ومحاصرَتها ظاهر للقريب والبعيد لا يحتاج إلى بيان ــ على أنها حريصة على التشبث بالقانون وتطبيقه، وأن الطرف الآخر هو الظالم، وهو الذي ما فتئ يعتدي على حقوقها في الحرية والتعبير والتنظيم، بل يعتدي حتى على وجودها القانوني الذي اعترف به أكثر من حكم قضائي.

إذن، هو كرّ وفرّ في ميدانٍ أبرزُ أسلحته السلاحُ القانوني والحقوقي، وسلاحُ الدفاع عن الحريات العامة.

النظام المخزني نظامٌ جبري؛ هذا هو المفتاح الذي أضاعه الأستاذ ضريف، فأضاع معه الطريق الصحيح إلى فهم حقيقة النهج السياسي الذي تسير عليه جماعة العدل والإحسان.

الطريق إلى الدولة الإسلامية القطرية

رأينا أن من ثوابت منهاج جماعة العدل والإحسان أن الحكم الجبري، حسب فهم الأستاذ عبد السلام ياسين وفقهِه لحديث الخلافة، إنما هو مرحلة من تاريخ المسلمين ستزول حتميا، قبل أن يبدأ زمن الخلافة الثانية الموعودة.

كيف سيصير المسلمون إلى هذه الخلافة؟

يرى “المنهاج النبوي” أن أفضل السبل هو سبيل البدء بإقامة الحكم الإسلامي القطري أولا، ثم بعد ذلك يُنظر في الصيغة المناسبة لإقامة نظام الخلافة.

ولْنرجع إلى القطر المغربي. هل هناك طريق محدّد يقترحه “المنهاج النبوي” لوصول “الإسلاميين” إلى الحكم؟

طالع أيضا  آراء شاذة لباحث متخصص - 2 -

يتعلق الجواب على هذا السؤال بعنصرين اثنين، الأول يخص “صورة الفاعل الإسلامي”، هل هو جماعة بعينها، أم جماعات، أم تحالفٌ سياسي يجمع الإسلاميين وغيَر الإسلاميين، أم هو شيء غير هذا؟

والعنصر الثاني يخص “الوسيلة” التي سيعتمدها هذا “الفاعل الإسلامي”، للزحف إلى الحكم.

فيما يخص العنصر الأول، يتحدث “المنهاج النبوي” عن ضرورة وجود “الأمة الخاصة” من بين الأمة العامة، أي جماعة قطرية قوية ومنظمة. ويتحدث كذلك عن “جماعة المسلمين”، وهي ليست هذا الفرع أو ذاك من هذه الفروع المباركة المنتظمة في جماعات عاملة مجاهدة. بل هي تكوين جماعي يقرب من المطلوب شرعا كلما كان أقرب إلى توحيد الأمة في القطر، ثم توحيدها في الأرض. إن كانت نية هذه الفروع المترابطة المتعاقدة جمعَ الأمة على الصفاء والقوة فهي، على تنوعها، حاملةٌ لمعنى “جماعة المسلمين”..)

هل تتعدد الأحزاب الإسلامية قبل القومة وبعدها؟ هل يجوز ذلك شرعا؟ يسأل الأستاذ ياسين في “المنهاج النبوي”(ص376)

الحقيقة أن هناك نسختين لجواب الأستاذ ياسين عن هذا السؤال، نسخة أصلية، وهي المثبتة في الطبعة الأولى من المنهاج، وهي التي نُشرت في الأعداد الأربعة الخاصة من مجلة “الجماعة”، ونسخة ثانية معدّلة، وهي المثبتة في الطبعة الثانية سنة 1989، وهي تختلف عن الأولى عبارة ومعنى. وفي اعتقادي أن هذا الاختلاف بين النسختين يعدّ هو المراجعة الأولى التي مست نص “المنهاج النبوي” في صورته الأولى، إلا أنها مراجعة لا تمس الأصول والثوابت، بل قلْ إنها مراجعة من داخل هذه الأصول والثوابت نفسها. والمقارنة التالية بين النسختين، الأصلية والمعدَّلة، ستبين لنا قيمة هذه المراجعة وحجمَها:

1) في النسخة الأصلية، يقول الأستاذ ياسين: تعدد الجماعات انشطارٌ للأمة لا يقبله الشرع. وقبول التعددية حكم بغير ما أنزل الله…)وفي النسخة المعدَّلة: فتعدد الجماعات التعددَ العدائي المفرق انشطارٌ للأمة لا يقبله الشرع. وقبول هذه التعددية العدائية، التي تكيد فيها الجماعةُ الإسلامية الجماعةَ الإسلامية وتدسّ عليها، وتنافسها بالبهتان والتزوير على أصوات الانتخاب، كما تفعل الأحزاب العلمانية، قبولٌ لشر مبين، وحكم بغير ما أنزل الله )2) في النسخة الأصلية، يقول الأستاذ ياسين: …في مراحل التجديد وإعادة بناء الأمة، لا بد أن يجتمع المؤمنون المخاطبون بالقرآن في كتلة واحدة متراصة. واجب شرعي يأثم من يحدث نفسه بغيره )

وفي النسخة المعدَّلَة: “… في مراحل التجديد وإعادة بناء الأمة، لا بد أن يكون مطمح المؤمنين العاملين للإسلام، المخاطبين بالقرآن، تقريبَ الشقة بين الجماعات المتعددة حتى يستقر الأمر على صيغة تنظيمية يمكن في إطارها التعاونُ على البر والتقوى، وإعطاءُ الولاية المفروضة شرعا بين المؤمنين حقها. وقد يكون في هذه الصيغة النهائية تعدديةٌ تنظيمية يتنوع بينها الرأي ويثمر الاجتهاد، وتكتسب المناصحة بين المؤمنين المستقلين في الاجتهاد والحركة شفافيةَ وجدّية ويقظة لا تتأتى مع وحدة التنظيم وغلظ الكتلة الواحدة. على أن يفسح المجال، بعد قيام الدولة الإسلامية، لكل جماعة كي تساهم في جو من التنافس والمسارعة إلى الخير في الأمر العام دونما إضرار بالأخوة الجامعة، ولا هتك للحرم المرعية، ولا إخلال بواجب الطاعة لأولي الأمر الذين أبرزتهم الشورى العامة. هذا واجب شرعي يأثم من يحدث نفسه بغيره، ويستحق النبذَ خارج جماعة المسلمين- ولو كانت هذه الجماعة على صيغة تعددية تنوعية- منْ دعا إلى عصبية أو ما يشبه عصبية )3) في النسخة الأصلية، يقول الأستاذ ياسين: إن كانت مراحل البناء تقتضي البدء بتوحيد جماعات المسلمين القطرية، فلا ينبغي شرعا ولا سياسة أن تنغلق هذه الجماعات القطرية وتتحجر في كيانات جزئية)وفي النسخة المعدَّلَة: إن مراحل البناء تقتضي البدء بتأليف الجماعات الإسلامية القطرية تأليفا، إن اقتضت الحكمة أن تتخلله تعددية تنويعية، فلا ينبغي شرعا ولا سياسة أن تنغلق هذه الجماعات وتتحجر في كيانات متعادية، بل يقتضيها جميعا واجبُ الولاية العامة أن تتعاون على البر والتقوى، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى جمع الكلمة، وعلى طرح الحزازات الشخصية، وعلى دعم الدولة الإسلامية وشد أركانها والنصيحة لها بعد قيامها، ليكون تعدد الرأي اجتهادا خالصا لله، عز وجل، تمسكه التقوى عن التفلت إلى المنازعات العصبية المشتتة. فإنما هي أمة واحدة. من ابتغى لها القطيعة قطعه الله، عز وجل)وأعتقد أن المقارنة بين هذه الفقرات، الأصلية والمعدَّلَة، التي أوردتها لا يدع مجالا للشك بأن الأمر يتعلق بتعديل يتجاوز العبارة اللفظية إلى المضمون الفكري، لكنه، كما أشرت قبل قليل، مضمون لا يتناول أساسا من الأسس التي يقوم عليها “المنهاج النبوي”. ولكن، لا بد أن نسجل أن الأمر في هذا التعديل يتعلق بمراجعة واضحة لا غبار عليها.

وأرجع إلى السياق الذي كنت فيه.

فـ”المنهاج النبوي”، إذن، واعتبارا للتعديل الذي لحقه في الطبعة الثانية، لا يرى بأسا من تعدد الجماعات داخل “الأمة الخاصة”، التي هي محرك القومة ووقودها وشريانها الأساس.

إذن، الفاعلُ الإسلامي في الزحف إلى الحكم، في “المنهاج النبوي”، هو “الأمة الخاصة” أو “الطليعة المجاهدة”، وإن تعددت مكوناتها، وتنوعت اجتهاداتها.

طالع أيضا  آراء شاذة لباحث متخصص - 2 -

فيما يخص العنصر الثاني المتعلق بـ”الوسيلة” أو الأساليب التي سيعتمدها هذا “الفاعل الإسلامي”، للوصول إلى الحكم، فإن المنهاج النبوي، في عمومياته، وكذلك في تفصيلاته ــ وعندي أن كتاب “العدل” هو مدونة للتفصيلات المتعلقة بالمشروع السياسي الإسلامي، قبيل القومة وبعدها. وهناك في “المنهاج النبوي” عدّة إشارات إلى أن تفصيلات شؤون نظام الحكم في الدولة الإسلامية القطرية سيُفرد لها مؤلف مستقل. وبالفعل، فقد أفرد الأستاذ ياسين لهذا الموضوع كتاب “العدل؛ الإسلاميون والحكم”، ظهرت طبعته الأولى سنة2000ــ

قلت المنهاج النبوي، في عمومياته وتفصيلاته، يتحدث عن عدّة اختيارات يَبرزُ منها اختياران اثنان: طريقُ القومة/الثورة الشعبية العارمة على نموذج “الزلزال الإيراني”، كما يعبر الأستاذ ياسين، وطريقُ التسلل اللطيف، و”النفاذ إلى الحكم من مسارب جانبية كلما كان التسرب حكمة” (ص18 من المنهاج، الطبعة الثالثة، وهذه الطبعة هي التي أعتمدها في النقول التي أوردها).

هل هي فلتةٌ غيرُ محسوبة أن يذكر الأستاذ ياسين أسلوبَ “الانقلاب” من بين الطُرق الممكنة لوصول الإسلاميين إلى الحكم؟ ذكر هذا في كتاب (العدل، ص149) حين قال: وسواءٌ وصلنا إلى الحكم عن طريق ثورة، كثورة إيران، أو عن طريق انقلاب، أو عن طريق انتخاب، فلا محيد لنا عن التعامل مع الأحزاب، بالمعنى العصري للكلمة…)مهما يكن تعليلُنا لذكر أسلوب الانقلاب في هذا السياق، فإن المشهور والمعروف من كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين أن الرجلَ كان، وما يزال، من أشد الناس اعتراضا على الأسلوب الانقلابي، ومن أكثرهم انتقادا للعقلية الانقلابية، وخاصة في نموذجيها الكالحين الدمويين الفاشلين، القومي والشيوعي. يشهد على هذا كلامُ الرجل الطويل في كتابيه “الإسلام غدا”(1971) و”الإسلام بين الدعوة والدولة”(1972)، وإن كان هذان الكتابان ينتميان إلى مرحلة متقدمة، إن لم نقل متقادمة، في تطور تفكير الأستاذ ياسين السياسي، ونظريته في فقه التجديد الإسلامي.

هذا، وإن “الثقافة الديمقراطية” الآخذة اليوم في الانتشار والترسّخ أفقدت أسلوبَ الانقلاب بريقَََه الذي كان يتمتع به في الماضي، وجعلت الناس، في العالم عموما، ينظرون إلى دعاة هذا الأسلوب ومناصريه نظرة ارتياب واتهام، إن لم نقل نظرة رفض وإدانة.

وأجتزئ هنا من كلام الأستاذ ياسين في إدانة الأسلوب الانقلابي بقوله في كتاب (العدل، ص520):الانقلابية دين القوميين وأسلوبُهم…)وقوله في السياق نفسه: وماذا بنى وجنى الانقلابيون القوميون الأوصياء على الأمة: عليها أن تطيع وتَتْـبَعَ وتخنَع؟ بنَوْا الحزبَ الوحيد، والزعيم العنيد، والويلَ العتيد…)وقوله في كتاب (رجال القومة والإصلاح، طبعة ماي2001، ص32): دولة القرآن إذن، وقومة القرآن، ليست عملية انقلابية نخبوية، بمقتضاها ينتصب جماعةٌ وُكلاءَ على الأمة، أوصياءَ أبَدَ الدهر على مصيرها…)إذاً، هما أسلوبان بارزان للوصول إلى الحكم، أسلوبُ الانتخابات أو أسلوب الثورة الشعبية، بل إن الأستاذ عبد السلام ياسين، في المنهاج النبوي، كما بيّنا في المقالة الثانية، يرى أن خطّ الثورة، هو في الواقع نضج واكتمال لخط “الدخول في تعددية الأحزاب، والترشيح للانتخابات، وما يقتضي هذا من علنية العمل، والمرونة الدائمة، وطول النفس.” (المنهاج، ص374). وقد وقفنا، بشيء من التفصيل، في المقالة السابقة على موقف جماعة العدل والإحسان من المشاركة في الانتخابات عموما، وموقفها من المشاركة في ظل أنظمة القهر والاستبداد على التخصيص. ولا حاجة أن أكرر هنا ما قلته هناك.

أما أسلوب القومة/الثورة، التي ستأتي على الباطل من جذوره، فهو المحجة الناصعة، و”المسيرة القاصدة”. فـ”القومة تعني جهادا منظما، ولا جهاد بدون تربية الأمة وتعبئتها للجهاد المرير الطويل.”(رجال القومة والإصلاح، ص26). و”إشراك الأمة في تقويض الباطل ركن من أركان القومة. وإشراكها في بناء الحق ركن ثان.”(نفسه، ص36)

و”لن يقوم القومة الإسلامية إلا جند الله الذين يتعين أن ننشئهم ونربيهم على نشدان الشهادة، ثم ننظمهم وننظم تغلغلهم في الشعب تعاطفا معه وتعليما وتبشيرا وتحريضا، حتى تتألف الموجة الإسلامية العارمة التي ينبغي أن نقودها، لتكون قومة إسلامية لا ثورة عمياء.” (المنهاج، ص17)

“ولا بد أن تكون التربية إعدادا شاملا لذلك المؤمن المجاهد الذي ينبري أمام العدو، يعرض صدره للرصاص والدبابات عند الحاجة، لكنه يتجهز بكل أسباب القوة العلمية والعملية، ليساهم في الصف وراء القيادة في التقدم خطوة خطوة بالقضية الإسلامية، سرا وجهرا، كرّا وفرّا، يوما لنا ويوما علينا، حتى النصر إن شاء الله.”(ص18)

“فعندما تتألف الموجة العارمة يستطيع المؤمنون إيقاف الفساد بالعصيان الشامل، والإضراب العام، والنزول للشارع، حتى يخزي الله المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.”(ص18)

بهذه المقالة الثالثة أُنهي نقاشي لآراء الدكتور ضريف وأفكاره واستنتاجاته بخصوص الاختيارات السياسية لجماعة العدل والإحسان.

وسأرجع في مقالة لاحقة، إن شاء الله، وفي سياق آخر غير السياق الذي طبع كلامي في المقالات الثلاث، لأسأل أين هي جماعة العدل والإحسان اليوم من تكوين “الأمة الخاصة”؟ وأين وصلت في الإعداد لميلاد الموجه الشعبية العارمة الكاسحة؟ ولأسأل أيضا إن كانت الجماعة ما تزال متشبثة بهذا الخيار، ومؤمنة بجدية الأسلوب الثوري الشامل وفاعليته وجدواه، أم أنها نفضت يدها منه، وأصبحت تراهن أكثر على أسلوب “الانتخابات”؟

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.