* انتهى الموسم الدراسي 2008-2009، وهي مناسبة لتقييم الحصيلة خلال هذه الفترة، ماذا تقولون بهذا الصدد؟

جواب: نعم انتهى الموسم الدراسي الحالي 2008/2009 ومن الطبيعي، بل من الواجب أن يقوم المسؤولون أولا، والفاعلون في قطاع التربية والتعليم، والمتهممون بأمور الأمة وأزماتها ومشاكلها، بجلسات تقويم ومتابعة، إذ التقويم والمتابعة حلقة من حلقات تدبير المنظومة التربوية.

لكن من حقنا أن نتساءل ماذا نقوم؟ هل نقوم الشعارات التي يتفنن المسؤولون في رفعها والتسويق لها؟ هل نقوم النتائج من حيث عدد الناجحين في مستويات عتبات التوجيه وخصوصا الثالثة إعدادي التي هبطت فيها عتبة النجاح إلى 7/20؟ أو نقوم أعداد الناجحين في امتحان الباكالوريا ونقارنهم بالمسجلين، ولا أقول بالذين هم في سن شهادة الباكالوريا لأن ذلك مسكوت عنه؟ هل نقوم نسبة الموجهين للشعب التقنية، إذ فلسفة التوجيه وتعليمات الميثاق الوطني للتربية والتكوين تحث على رفع هذه النسبة. كما أن مسار التكوين الذي اعتمد هو التكوينات القصيرة والشعب التقنية تدخل في هذا الصنف. فماذا نقوم؟ إذا كان القاصي والداني يشهد تراجع نسبة الحاصلين على الباكالوريا بالرغم من تزايد نسبة المرشحين؟ ويمكن الرجوع للإحصاءات الرسمية لسنة 1997 حيث من المفروض أن يلتحق فوج الحاصلين على الباكالوريا هذه السنة2009، ليجدوا كارثة: أزيد من 400 ألف تلميذ التحقوا بالسنة الأولى ابتدائية كم حصل منهم على شهادة الباكالوريا؟ حوالي 87 ألف. نتساءل ما مصير الآخرين؟ أين هم؟ ماذا وفرنا لهم من فرص التكوين والشغل والعيش الكريم؟؟؟

أما على مستوى البنيات فقد أجمعت التقارير الدولية على أن المنظومة التعليمية لا تتفق ومتطلبات الجودة بل الأساسيات، إذ أن أكثر من 9000 قسم يعتبر غير صحي، أما في المجال القروي فقد أكدت بعض التقارير شبه الرسمية، أن التيار الكهربائي لا يصل سوى إلى 60 بالمائة من المدارس فقط، و75 بالمائة من المدارس تفتقر إلى مياه الشرب وأكثر من 80 بالمائة لا تتوفر على مرافق صحية.

هل نقوم كلفة التلميذ المغربي؟ لنقارنها مع غيره من تلاميذ المغرب العربي فقط. كلفة التلميذ في المغرب حوالي 525 دولار. وفي الجزائر التي لم تخرج بعد من مشاكلها الداخلية والأمنية 700 دولار. وتونس بلد يفتقر إلى مصادر الطاقات وليس بتروليا:1300 دولار.

هذا على المستوى الكمي، أما على المستوى الكيفي والنوعي فماذا تحقق من جودة التعليم؟ أي كفايات للتلاميذ تحققت؟ وأي إدماج واندماج حصلنا عليه؟

نترك التقارير الدولية تجيب. وعلى سبيل المثال لا الحصر لا زال التلاميذ المغاربة يحتلون المراتب المتأخرة في الرياضيات: دون مستوى الضعيف، وضعيف في العلوم حسب تقرير في موضوع: الاتجاهات الدولية في العلوم والرياضيات، أو ما يسمى: TIMSS 2008 الذي أعدته الجامعة الأمريكية ببوستون.

وعلى ذكر الجامعات ألا يخجل المسؤولون من الرتب المتأخرة التي حصدتها الجامعات المغربية من بين جامعات العالم؟ وهل لدينا في المغرب جامعات من الصنف العالمي حسب المعايير التي أعدتها منظمة اليونسكو وبإشراف باحثين مغاربة؟

هل نقوم مستوى قبول حاملي شهادات الباكالوريا في المعاهد الدولية والوطنية؟ هل نقوم مدى استقلالية القرار التعليمي عن الإملاءات الخارجية، فكم إذن عدد الوكالات الأجنبية المتنفذة في السياسة التعليمية؟ ربما يقول قائل لنقوم زيادة الميزانية المخصصة للتعليم، لا ننكر الزيادة الإجمالية ولكن كم صرف منها في الاستثمار، في البحث العلمي الحقيقي؟ في البحوث التربوية؟ في تسطير سياسة تعليمية جريئة ومستقلة عن الإملاءات والاستيراد والنسخ؟؟ هل نقوم مدى اندماج الخريجين من المنظومة التربوية المغربية في سوق الشغل؟ أما إذا أردنا أن نقوم مدى انتهاء السنة الدراسية بسلام فهي سنة ناجحة قياسا للمرجعية الشهيرة: كولو العام زي.

* ما هي أسباب فشل المنظومة التعليمية في نظركم؟

جواب: يقول المثل العربي: لن يصلح العطار ما أفسد الدهر. فنظرا لعقود من الفساد السياسي والتعليمي والاقتصادي وعلى كل الأصعدة، من الطبيعي أن نحصد الفشل تلو الفشل في التعليم. وبما أن الإصلاحات الترقيعية ومختلف المساحيق التجميلية لا تلبث أن تذهب مع الريح سدى لأنها لم تمس الجوهر فكذلك المنظومة التعليمية لا تصلحها الشعارات ولا الحلول المستوردة ولا الضخ في الميزانيات والموارد المالية مادام الفساد ينخر في باقي القطاعات من سياسة وحكم واقتصاد وغياب توزيع عادل للخيرات والمنافع وفرص العيش الكريم. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما وضع الأصبع على موطن الداء وأصل البلاء قائلا فيما أخرجه الإمام أحمد والحاكم وابن حبان رضي الله عنهم أجمعين عن أبي أمامة رضي الله عنه: “لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وإن أولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة”.

إن من أسباب فشل المنظومة التعليمية ببلادنا: إغفال الإنسان وتشييؤه، إغفاله من حيث التكريم والتربية وملامسة فطرته وصيانة قيمه وخصوصيته. إغفاله من حيث الإشراك، إغفاله من حيث الاستماع والإنصات الحقيقي لمشاكله ولما يهمه.

من أسباب فشل المنظومة التعليمية ببلادنا غياب الثقة مما ينتج عنه العزوف وعدم الانخراط في مختلف “الإصلاحات” مهما سوق لها ورفع من شعارات.

من أسباب فشل المنظومة التربوية ببلادنا ضعف الروابط التي تربط الفرد بوطنه وبلاده، فالكل يحلم بالهجرة ويمني نفسه بالتخلص من وطن ضعفت روابط الولاء له والاعتزاز به وتقطعت أواصر الانتماء إليه.

من أسباب فشل المنظومة التعليمية ببلادنا عدم استجابة المسؤولين لنداءات العلماء والمفكرين والغيورين على مستقبل التعليم، لتأسيس إصلاح حقيقي وبناء منظومة تربوية تراعي مقوماتنا الحضارية ولا ترهن أجيالنا في أحضان فرنكفونية متهالكة عفى عنها الدهر. ولكن لا حياة لمن تنادي!

* حاولت الدولة التدخل لمواجهة اختلالات المشهد التعليمي من خلال ما سمي بالبرنامج الاستعجالي. كيف تقيمون هذا البرنامج؟

بعد ما قاربت العشرية المخصصة للتربية والتعليم على الانتهاء، وبعدما تأكد للقائمين على وزارة التربية الوطنية، والمجلس الأعلى للتعليم، بل تأكد للقاصي والداني فشل الميثاق وتدهور المستوى التعليمي المغربي إقليميا ودوليا وانكشفت سوءة المراهنين على سراب الميثاق، جيء بالمخطط الاستعجالي لينقذ ماء الوجه أولا، ولربح الوقت ثانيا، ولإشغال الكثير من الناس بوهم لا يأتي، ولتبرير ميزانية ضخمة تصرف تعويضات على مؤامرة الصمت والتواطؤ. لا ننكر أن بعض الجوانب من قبيل تجديد بعض البناءات المهترئة وتزويد بعض المؤسسات التعليمية ببعض التجهيزات يغري المتتبع بأمل ما، لكن مجال التربية والتعليم لا يقبل الاستعجال ولا الحلول الترقيعية ولم يعد جلده الرهيف يتحمل مزيدا من المساحيق التي لا تزيد الجسد المهترئ إلا بشاعة وقبحا. إن برنامجا استعجاليا صيغ بقرار سياسي وبعيدا عن الممارسين الحقيقيين، بل في غياب حتى النقابات التي لم تستشر فيه، والتي قاطعت الاجتماعات التي قدم فيها، لن يبشر بخير ولن يحل مشاكل مستعصية قديمة.

إن برنامجا اختيرت له صفة الاستعجالية بقي كغيره من “الإصلاحات” خارج قاعات الدرس لم يلامس المشاكل الحقيقية للمدرسين، لم يستجب لتطلعاتهم، بل عمق مشاكل العلاقة مدرس/متعلم، وحاول المسؤولون من خلاله إيهام المجتمع المدني أن أسباب فشل الميثاق، عفوا لا يسمونه فشلا وإنما نتائج سلبية فقط، من أهم أسبابها عدم انخراط رجال التعليم في “الإصلاحات” وكثرة غيابهم غير المبرر، لذا تناسلت التشريعات والقوانين الزجرية التي تحاول عبثا الحد من ظاهرة الغياب. مخطط كهذا أنى يكتب له النجاح!

إن هذا المخطط يفتقر إلى سعة الأفق، وإلى الواقعية وإلا كيف يعقل أن نحقق في ظرف ثلاث سنوات ما عجزنا عن تحقيقه في 9 سنوات؟ ويفتقر إلى السند الجماهيري الشعبي وخصوصا من الممارسين المباشرين: رجال التعليم. إن مصيره كباقي الإصلاحات السابقة.

* كيف تتصورون مستقبل مجتمع تعيش منظومته التعليمية هذه الاختلالات؟

إذا كان الحاضر بئيسا كئيبا لا يبشر بخير، فكيف يكون المستقبل؟ نسأل الله اللطف.

في علم المستقبليات والاستشراف يتحدث العقلاء عن الحاضر/ الوقت الراهن تشجيعا للتخطيط والبرمجة والاجتهاد بقولهم:le présent de l’ avenir.

إن مستقبل مجتمعنا تتحدد أكبر معالمه في حاضرنا ويومنا ومدى استعدادنا لتحديات المستقبل، لسنا سوداويين ولكن الوقائع والأرقام والمؤشرات والسنن الكونية التي تنطبق على البر والفاجر، على المسلم والكافر، لا تبشر بخير. والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني. كما أشار لذلك الرسول الأكرم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

* كيف يمكن إصلاح هذه الاختلالات؟ ما هي المداخل؟

لعل من العبث انتظار الإصلاح من جهة واحدة كيفما كانت. ويجب التمييز بين إرادة الإصلاح التي لها شروط وقواعد وأسس، وبين الإصرار على إعادة إنتاج ما هو كائن: الفشل والتعايش مع الأزمات بمسميات مختلفة.

استعمل مهندسو الميثاق كلمة اختلالات وكأن الأمر لا يعدو أن يكون صداعا في الرأس سرعان ما يزول ويسكن. لكن الواقع أفظع والأمر أجل. وإذا قبلنا جدلا مصطلح اختلالات، فإن الحل ليس هو الحلول الترقيعية، ليس هو التفنن في إطالة عمر الأزمة، ليس هو استيراد حلول جاهزة لم تستنبت في أرضنا وواقعنا.

لقد أشرنا إلى بعض مداخل الإصلاح الحقيقي ونعيد إجمالها:

1-المدخل السياسي: فالفساد السياسي مفسدة مطلقة لا يقوم معها أي إصلاح. فغياب ديمقراطية حقيقية وعدالة وإنصاف وحرية تعبير ورأي، لا تسمح ولا تشجع أي إصلاح.

2-المقاربة الشمولية: لا يلبث إصلاح في مجال أو قطاع ما أن ينهار ويتلاشى في غياب إصلاحات حقيقية داعمة ومكملة في مختلف المجالات.

3-المدخل التربوي: وأقصد به بناء الإنسان بناء متكاملا تربويا وإيمانيا وفكريا وروحيا وجسديا.

أقصد به تكريم الإنسان وجعله المحور الحقيقي لكل إصلاح وتغيير وليس رقما من الأرقام. أقصد به تربية الباعث الداخلي عند الإنسان ضمانا لانخراطه الفعلي واستجابته للإسهام الحقيقي في خدمة بلاده ووطنه ومبادئه .والدين من أهم الأسس التي يرتكز عليها الباعث الداخلي والحافز المعنوي.

4-المنهج التشاركي التعاوني: منهج يعتمد منطق التعاون والتشارك والتشاور بدل منطق الصراع والإقصاء والفردانية والاستعلاء.

5-مقاربة الاعتماد على الذات: الاعتماد على الذات وبناء الاكتفاء الذاتي بداية بمجال التربية والسياسة التعليمية، ومرورا بمجال العلوم والفنون والتربية البدنية وعلوم الإدارة والتصنيع وتوطين التكنولوجيا، ودائما مع مراعاة الخصوصية المحلية والقيم والتاريخ، كل هذا لا يتنافى مع الاستفادة المطلوبة من التجارب الناجحة والتي تتماشى ولا تتعارض مع مقوماتنا الحضارية.