آراء شاذة لباحث متخصص – 2 –

عندي في بداية هذه المقالة كلمةٌ قصيرة، كان ينبغي قولُها في بداية المقالة السابقة، تتعلق بما يمكن أن يفهمه بعضُ القراء من مبادرتي إلى مناقشة الدكتور محمد ضريف وانتقاد بعض آرائه.إن وصفي لبعض آراء الأستاذ ضريف، في شأن مواقف جماعة العدل والإحسان من نظام الحكم في المغرب، ومن العمل الحزبي، ومن الانتخابات، بأنها آراء “شاذة” و”غريبة”- وما زلت هنا متشبثا بهذا الوصف- لم أقصد به أي شكل من أشكال التنقيص والتجريح في حق الأستاذ ضريف، الذي أعرفه شخصيا، وأكنّ له تقديرا واحتراما كبيرين، وأقدّر إيجابيا جهوده العلمية الموضوعية المنصفة، بالمقارنة إلى باحثين آخرين على الأقل، وخاصة في موضوع الحركات الإسلامية المغربية، وجماعة العدل والإحسان بصفة أخص.وللتوضيح أقول إنني حينما أصف بعض آراء الأستاذ ضريف بأنها “شاذة”، فإني أقصد المفهوم العلمي “الاصطلاحي” للشذوذ، أي أنها آراء تخالف ما هو “مشهور” و”معروف” و”كثير التداول”؛ وفي لسان العرب: شَذَّ عنه يَشِذُّ ويَشُذُّ شذوذاً انفرد عن الجمهور وندَر فهو شاذّ)وسمى أَهلُ النحو ما فارق ما عليه بقيةُ بابه وانفردَ عن ذلك )إِلى غيره شاذّاً. وفي “مقاييس اللغة” لابن فارس: الشين والذال يدلُّ على الانفراد والمفارَقة… وشُذَّاذُ الناس: الذين يكونون في القوم وليسوا من قبائلهم ولا مَنَازِلهم وواضح من الأصل اللغوي أن مفهوم الشذوذ لا ينفك عن معاني الندرة والانفراد والغرابة ومفارقة المشهور، وهذا ما قصدته.

وإن ظني بالأستاذ ضريف أن الرجل أكبرُ من أن يَفهم من كلامي معنى قدحيا في حقه، بل إنه يعلم، ولا شك، أني ممن يعدّونه، بلا مبالغة، الباحثَ المغربي المتخصص “الحقيقي” في شؤون الحركات الإسلامية، بعد أن كثر المدّعون والمنتحلون لصفة البحث والتخصص زورا وبغير مؤهلات.

وفضلا عن هذا، هناك المنحى العلمي في أبحاث الدكتور ضريف، الذي يغلب عليه الموضوعية والاتزان، ويطبعه سعةُ الاطلاع وغزارة المعلومات والتوثيق وضبطُ المصادر والتواريخ، والذي يمتاز أيضا، في معظم أحكامه واستنتاجاته، من بين ما يمتاز به، بالاعتدال والعدل والإنصاف.

أما عن موضوع جماعة العدل والإحسان، فالحق أن الأستاذ ضريفا كان من السّباقين إلى إفراده بكتاب كامل من كتبه التي ما يزال أمثالي من المهتمين والباحثين يستفيدون منها كثيرا، منهجا ومضمونا.

إذن، فانتقادي لبعض أفكار الدكتور ضريف، ووصفي لبعض آرائه بأنه “شاذ” و”غريب”، لا ينتقص من قدر الأستاذ الباحث، ولا من قيمة أبحاثه العلمية، ولا مما للرجل عندي من المكانة والتقدير. ولقد عبرت عن هذا في أكثر من مناسبة، ولعلي هنا بحاجة إلى تأكيده، بل إني نوهت بالرجل وبمزاياه العلمية وبموضوعيته ونزاهته وهو حاضر بجانبي يسمع، في مناسبات جمعتني معه في بعض الندوات، فضلا عن إشاراتي المتعددة إلى اسمه في بعض كتاباتي، في سياق المدح والإشادة بخصاله العلمية المتميزة.

وبعد، فإني أعتذر، مسبقا، إن حمّل بعضُ الناس كلماتي ما لا تحتمل وما لا أقصده، وتحية متجَدِّدة مفعمة بكل معاني التقدير والاحترام إلى الأستاذ الدكتور محمد ضريف، وإلى مجهوداته العلمية الغنية.

وأدخل الآن إلى صلب المقالة.

من آراء الدكتور محمد ضريف، التي تتكرر كثيرا في الحوارات والتصريحات التي يدلي بها للصحافة، أن جماعة العدل والإحسان ترغب اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، في الانخراط في العمل السياسي القانوني، والمشاركة في اللعبة الديمقراطية حسب القواعد المقررة في ظل النظام الملكي الماسك بكل خيوط هذه اللعبة. فالجماعة، حسب الأستاذ ضريف، وكما رأينا في المقالة الأولى من هذه السلسلة، ليس لها اليوم أي مشكل تجاه شرعية النظام القائم، وإنما مشكلتها مع السياسات التي يتبعها هذا النظام.

إن الإشارات التي ترسلها الجماعة، منذ مدّة، وخاصة من خلال دائرتها السياسية، لا تفتأ تؤكد- حسب الدكتور ضريف- التطورات الحاصلة في مواقف الجماعة السياسية، ومنها موقفُها من المشاركة في الانتخابات، الذي أصبح يمتاز بكثير من الليونة والاعتدال، بل إن الجماعة لا ترفض هذه المشاركة مبدئيا، وإنما تربطها بتخفيف القبضة المخزنية على الحياة السياسية، وإجراء بعض الترميمات في هذه الفصل أو ذاك من الدستور، وتحقيق بعض التعديلات والتحسينات في القوانين التي لها علاقة باللعبة الديمقراطية، كقانون الأحزاب، وميثاق الجماعات المحلية، ومدونة الانتخابات، وقانون الصحافة.

فمثلا، في حوار مع صحيفة “التجديد”، نُشر بتاريخ 17/03/2008، يرى الأستاذ ضريف أن مساحة الخلاف بين الدولة وجماعة العدل والإحسان قد ضاقت، وأن هذا الخلاف الآن بين الدولة والجماعة ليس خلافا جوهريا، وأن الجماعة لا ترفض الدستور القائم رفضا مطلقا، وأنها، أي الجماعة، تسعى من أجل تأسيس حزب سياسي مرتبط بها… إلى آخر ما قال.

وإني لأتخيل الأستاذ ضريفا، وأنا أقرأ آراءه هذه، قد اخترع لنفسه منطقا، فجعل يتصور معه، أي مع هذا المنطق المخترع، جماعةَ العدل والإحسان على أنها كسائر التنظيمات السياسية التي سبقتها في الاعتراض على شرعية النظام الملكي، بدأت متشددة ومتطرفة في مبادئها واختياراتها وأهدافها، لكنها، وبفعل القانون السوسيولوجي- دائما حسب رؤية الأستاذ ضريف- انتهت إلى الاعتدال في المطالب والمواقف، والواقعية السياسية في النظر إلى نظام الحكم وما يتعلق به من شؤون الدولة.

فجماعة العدل والإحسان اليوم، بمواقفها واجتهاداتها وتطلعاتها وأهدافها، هي غير جماعة العدل والإحسان في بدايات تكونها وتأسيسها، ولهذا لا ينبغي النظر إلى مواقفها وتقويم تحركاتها بميزان أدبياتها في الماضي، لأن الجماعة قد تجاوزت الكثير من هذه الأدبيات على مستويي الهيكل التنظيمي والاختيار السياسي.

طالع أيضا  آراء شاذة لباحث متخصص

وقد ذهب الأستاذ ضريف، على ضوء هذا المنطق الذي حبس فيه نفسَه، إلى تفسير ميلاد (الدائرة السياسية) داخل جماعة العدل والإحسان سنة 1998، بأنه كان إعلانا عن تطور أساس في مسار الجماعة السياسي، لأن هذا الميلاد يعني أن الجماعة بصدد الإعداد لتأسيس حزب سياسي يتحمل أعباء تطبيق برنامج الجماعة السياسي، وذلك بالانخراط في اللعبة الديمقراطية، والمشاركة في الانتخابات.

وفي ضوء هذا المنطق دائما، لا نُفاجأ حينما يُعلق الأستاذ ضريف، في حوار له مع صحيفة “الأحداث المغربية”، مثلا، على وثيقة “جميعا من أجل الخلاص”، الصادرة عن الدورة الثانية عشرة للمجلس القطري للدائرة السياسية، في دجنبر2007، بأنها تمثل الجزء الأول من البرنامج السياسي الذي تعكف الدائرة السياسية على إعداده تنفيذا للمقرر المتعلق بالمخطط الثلاثي(2005-2008)، الذي نُوقش وأُقرّ في الدورة العاشرة للمجلس القطري للدائرة السياسية، في نونبر2005.

ولا أُخفي هنا أنني حينما أستعرض هذه الآراء التي كوّنها الأستاذ ضريف لنفسه عن جماعة العدل والإحسان، وبالتحديد عن تطور منهاجها السياسي، وأُمعنُ التأمل فيها وفي اللّحام الفكري والسياسي التي يربط بعضها ببعض، ينتابني شعور قوي بأنني بإزاء “اجتهاد” من الدكتور ضريف يقدّم لنا جماعة “جديدة” تختلف كليا، في منهاجها السياسي، عن جماعة العدل والإحسان التي يعرفها الناس في الواقع، بثوابتها المشهورة، وكتاباتها المنشورة، وأهدافها المُعلنة. وهذه بعض الأمثلة التي تقرّب الصورة أكثر:

• جماعة العدل والإحسان، عند الأستاذ ضريف، بدأت مثالية متطرفة، وانتهت اليوم إلى الواقعية والاعتدال. والحقيقة أننا لا نجد لهذه الفكرة “الضريفية” أصلا فيما يصدر عن مؤسسات الجماعة، ولا فيما يُنشر على لسان مسؤوليها من تصريحات.

• جماعة العدل والإحسان، عند الأستاذ ضريف، كانت دائما، حتى في “بيانها الأول” الذي تمثله “رسالة الإسلام أو الطوفان”، تعترف بشرعية النظام الملكي. وهذا الاستنتاج الغريب تردّه جملة وتفصيلا، كما رأينا في المقالة الأولى، كتاباتُ الجماعة وبياناتها الرسمية وتصريحات قيادييها.

• جماعة العدل والإحسان، عند الأستاذ ضريف، أحدثت “الدائرة السياسية” لتكون، بهيكلها التنظيمي وأنشطة مجالسها ومكاتبها وقطاعاتها، بمثابة حزب سياسي يسعى للانخراط في اللعبة الديمقراطية القائمة. وهذا الرأي أيضا من الأستاذ ضريف لا نجد له سندا في أدبيات الجماعة المنشورة، وخاصة ما يتعلق منها بالدائرة السياسية.

• جماعة العدل والإحسان، عند الأستاذ ضريف، ومن خلال دائرتها السياسية، هي بصدد وضع برنامجها السياسي، الذي ظهر جزؤه الأول في وثيقة “جميعا من أجل الخلاص”، وهي لا تفتأ، أي الجماعة، ترسل إشارات تفيد وتؤكد أنها راغبة في المشاركة في الانتخابات في ظل النظام. والحقيقة والواقع بخلاف هذا تماما، وما تزال الجماعة تعبّر، بمختلف الوسائل، أنها لن تشارك أبدا في ظل نظام معدود في أنظمة العض والجبر، التي لا تحكم بما أنزل الله.

إذن، ألسنا هنا أمام جماعتين، الأولى المعبرة عن الحقيقة المعيشة في الواقع، والثانية التي اخترعتها اختراعا آراءُ الأستاذ ضريف وتحليلاتُه واستنتاجاتُه؟

في اعتقادي، قد يكون لجماعة العدل والإحسان شيء من المسؤولية في وجود هذه الصورة الخاطئة عن منهاجها السياسي وترسيخها في آراء الدكتور ضريف وأفهامه. فأغلب الظن أن مما أملى للأستاذ ضريف في السير في الاتجاه الذي سار فيه، أنه لم يجد أحدا من الجماعة- من أهل الرأي والقرار والقيادة طبعا، الذين يلتقي بهم الأستاذ ضريف في مناسبات كثيرة- ينبهه إلى أنه لا يسير في الطريق الصحيح في تحليلاته وقراءته لتطور مسار الجماعة السياسي، ولا وَجدَ من يراجعه في آرائه ويعترض على أفكاره واستنتاجاته، بل، وبكل صراحة، لم يجد من يصحح خطأه ويوجهه إلى الاتجاه الحقيقي الذي تسير فيه جماعة العدل والإحسان. ولعل الأستاذ ضريفا قد فهم من هذا السكوت من قبل مسؤولي الجماعة أنهم يُقرّونه على رأيه، ويزكونه ويصحّحونه. في اللغة: صحّح الشيء يصحّحه بمعنى نسبه إلى الصحة، كما نقول: خطّأه وبدّعه، أي نسبه إلى الخطأ والبدعة.

وأرجع إلى سياق صلب موضوع هذه المقالة المتعلق بموقف جماعة العدل والإحسان من المشاركة في الانتخابات.

المقالة في العادة لا تحتمل التطويل والدخول في التفصيل، ولهذا سأحاول، فيما بقي من أسطر هذه المقالة، أن أقول كلاما مختصرا في الموضوع، على أن أرجع إليه بشيء من التوسع مستقبلا، إن شاء الله ويسّر وأعان.

المشاركة في الانتخابات بين “الفرصة التاريخية” و”الفرصة السرابية”

في بداية الثمانينات من القرن الماضي، حينما أعلنت أسرة “الجماعة” رغبتَها في تأسيس حزب سياسي، كان الأستاذ عبد السلام ياسين يعتقد أن طريق الدخول في المعترك الحزبي والمشاركة في الانتخابات قد يكون طريقا مساعدا سالكا إلى تحقيق القومة على النظام الجبري.

ومخطئ من يظن أن الأستاذ ياسينا كان ينظر في يوم من الأيام إلى المشاركة في الانتخابات، التي تُنظم في ظل أنظمة العض والاستبداد- وأضع خطا غليظا وعريضا تحت عبارة “في ظل أنظمة العض والجبر”- على أنها-أي المشاركة- “اختيار استراتيجي”، وإنما كان ينظر إليها على أنها “اختيار مرحلي” وطريق مساعد ومُكمّل لبلوغ الهدف الاستراتيجي، وهو القومة على نظام معدود في أنظمة الحكم المستبدة الظالمة، التي وردت إدانتُها في حديث الخلافة المشهور الذي رواه الإمام أحمد عن النعمان بن بشير، رضي الله عنه، والذي يشكل العمود الأساس في المنهاج السياسي لجماعة العدل والإحسان، وذلك، طبعا، حسب فقه الأستاذ ياسين لهذا الحديث، لأن هناك من العلماء والفقهاء من يذهب مذهبا مختلفا في فهم الحديث وفقهه وتأويل ظاهر لفظه.

طالع أيضا  آراء شاذة لباحث متخصص - 3 -

ووصفُ أنظمة القهر والإكراه والجور بالعض والجبر مستمدّ من نص هذا الحديث، و”العض” و”الجبر”، في اللغة، لا ينفك عن معاني التغلب، والقهر، والاغتصاب، والإكراه، والاستبداد، والظلم، والعُتو، والعسف.

إن المشاركة في الانتخابات، في اجتهادات الأستاذ ياسين- وهي الاجتهادات التي ما تزال جماعة العدل والإحسان إلى اليوم تستمد منها أسس منهاجها ومبادئه، وكذلك أفكارها ومواقفها السياسية، كفكرة “الميثاق”، وفكرة “القومة”، والموقف من أنظمة الحكم والجبر، والموقف من الديمقراطية والعمل الحزبي والمشاركة في الانتخابات…- قلت إن المشاركة في الانتخابات، في اجتهادات الأستاذ ياسين، نوعان:

النوع الأول هو المشاركة في ظل “دولة الإسلام”، دولة الشورى والعدل والقانون والمؤسسات المسؤولة، التي ستُبنى بعد سقوط دولة القهر والاستبداد. والانتخابات في ظل هذه الدولة المأمولة تُشكِّل، إلى جانب آليات ومبادئ أخرى، مبدأ أساسا في نظام الحكم واختيار الحاكمين، قِوامُه الرضا وحرية الاختيار والتعاقدُ بين الحاكمين المُنتَخَبين(بالبناء للمفعول) والمحكومين المنتخِبين. وقد تحدث الأستاذ ياسين، في إشارات عامة وعبارات مختصرة، في بعض كتبه، ومنها على الخصوص كتاب “العدل، الإسلاميون والحكم”، عن تصوره للمبادئ والثوابت والاختيارات، التي ينبغي أن تميز نظام الحكم في دولة الإسلام المنشودة.

وليس هذا النوع من المشاركة هو الذي يعنينا في هذه المقالة، لأنه مشروط بوجود الدولة الإسلامية في المستقبل، وهذا المستقبل هو اليوم في مكنونات الغيب.

النوع الثاني هو المشاركة في ظل “دولة العض والجبر”، التي تُضطر إلى فتح بعض فجاج ديمقراطيتها المولّدَة للإسلاميين، حسب عبارة الأستاذ ياسين في كتاب “العدل”، وهذا النوع هو الذي يعنينا في السياق الذي نحن فيه.

فموقف جماعة العدل والإحسان من هذه المشاركة له وجهان:

أما الوجه الأول، فهو القبولُ بالمشاركة، لكن بشرط أن يؤدي الفوز بالفائز إلى امتلاك سلطة فعلية حقيقية قادرة على إحداث التغيير الجذري المطلوب في سبيل الهدف الاستراتيجي وهو تأسيس نظام جديد على مبادئ الشورى والعدل والاختيار الحر.

وقد امتدح الأستاذ ياسين وجهَ القبول هذا في كتاب “المنهاج النبوي”، وبين الفوائد التي يمكن أن يجنيها الإسلاميون من هذه المشاركة المشروطة؛ فمن المزايا التي يذكرها الأستاذ ياسين لأسلوب المشاركة في “اللعبة الديمقراطية” أن “من شأنه أن يكشف زيف الدعوى الديمقراطية. وهذا ما حدث في تونس لما قام إخواننا هناك بإعلان نيتهم الدخول في المعركة الانتخابية، وطالبوا بحقهم في تكوين حزب…)…”

ومزية أخرى للدخول في الانتخاب، وولوج ذلك الباب، هي مزاحمة غيرنا على كسب الرأي العام، والاستفادة من التسهيلات الرسمية في التحرك. هي مزية التضييق على الإسلام الرسمي وإسلام الأحزاب السياسية التي أصبحت ترفع شعارات الإسلام أعلى فأعلى منذ تيقن العالمُ، وببرهان إيران وأفغانستان، أن القومة الإسلامية هي حقيقة المستقبل، وعربونُها الصحوةُ الإسلامية الصاعدة.)وحديث الأستاذ ياسين هنا عن (أفغانستان) كان قبل أن يتحول انتصارُ المجاهدين إلى حرب أهلية طاحنة أدت إلى ظهور (طالبان) وتأسيس دولة طالبان، وما تبع ذلك من احتلال ودمار وفتن ومحن ما تزال تسوم الشعب الأفغاني إلى اليوم مختلف أشكال المعاناة والرزايا.

ويرى الأستاذ ياسين أن أسلوب القومة، أي “التنفيذ بالقوة بعد أن يتم الإعداد)“، “هو في الواقع نضج الخط الأول وبلوغه الكمال)“(نفسه، ص379-380). وهو يقصد بالخط الأول “الدخول في تعددية الأحزاب، والترشيح للانتخابات، وما يقتضي هذا من علنية العمل، والمرونة الدائمة، وطول النفس.)“(نفسه، ص374). وهذا يعني أن الانتخابات التي لا تؤدي، في نهاية المطاف، إلى الهدف الاستراتيجي هي سراب لا طائل وراءه لظمآن.

أما الوجه الثاني لموقف جماعة العدل والإحسان من المشاركة في الانتخابات في ظل أنظمة العض والجبر، فهو الرفض والامتناع عن المشاركة، لأن الشرط المشروط في الوجه الأول للموقف منتفٍ، ومن ثم فإن المشاركة تعني في هذه الحال الدخولَ في “دُوّامة التناوب”، صعودا وهبوطا، حسب أجواء سوق الانتخابات وموازين القوى المتحكمة فيها، فضلا عن أبواق الدعايات، والتشويشات، والتشكيكات، والاتهامات، والتلفيقات، والأباطيل المُنصبَّة، من كل الجهات، على نيات الإسلاميين ومشروعهم وأهدافهم.

وفي هذه الدُّوّامة التناوبية، التي لا يملك الفائزُ فيها أية سلطات فعلية لتنفيذ برنامج التغيير، تظل مطلقُ السلطات الفعلية الحقيقية مُحتكرةً بيد السلطان الجبري المستبد، الذي يتحكم في خيوط “اللعبة الديمقراطية” التناوبية، يحرك اللاعبين، بهواه، مرة ذات اليمين، ومرة ذات اليسار، وثالثة ورابعة وخامسة، في دُوّارة مُدوّخة تُستنزف معها الطاقاتُ وتضيع المجهودات وتُدجن الإراداتُ وتتبخّرُ المبادئ والشعارات، ويظل الانعتاق من ربقة العض والظلم حلما جميلا بعيد المنال.

ولْنتأمّل الآن النصَّ التاليَ من كتاب (العدل، ص671)، لأنه، على طوله نسبيا، يفيدنا كثيرا في فهم الموضوع الذي نحن بصدده.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “تنسل الحركة الإسلامية في هذا القطر أو ذاك إلى الحكم انسلالا تدريجيا عن طريق انتخابات لم تجد الديمقراطيات المُوَلّـدَةُ بُدا من شق بعض فجاجها للإسلاميين، فتلك فرصة للتناوُب على الحكم. وينبري الإسلاميـون حاملو شعار “البديل السياسي” ليدخلوا مع الناس في دوامة التنـاوب على الحكم صعودا وهبوطا، تناديهم أصوات انتخابية ملّت من عديلهم اللاييكي الدنيوي، لتلفظهم وتستبدِل بهم قوما آخرين بعد تجربة لن يألُوَ الناصبـون والنصابون جهدا في إفشالها. وتلك فرصة سرابية ما كان لمتعطش فاضل أن ينتظر منها حَسْواً لظَمْأته أو غَرْفةً لِرَيِّ الشعوب المالَّةِ القاحِلِ ساحُها من عَدْلٍ ونماء وخير تعد به الديمقراطيات المُوَلَّدَة ولا تفي.

طالع أيضا  آراء شاذة لباحث متخصص - 3 -

“أوْ تُزلْزَلُ الأرض الاجتماعية الاقتصادية زلزالها بالأنظمة الفاسدة الجاثمة على الرقاب وينتظر المسلمون تغييرا جذريا يُحق الحق ويبسط العدل. وتلك فرصة تاريخية تضيعُ بين أصابع الإسلاميين إن هم ربَطوا في طموح الشعوب المسلمة ومِخيالها بين حكومة إسلامية لا مناص لها من مُصانعـة واقع شديد المِراسِ وبين الدعوة الإسلامية التي تحيي القلوب وتنعش الإيمان وتعبّئ الأمة لجهاد إحيائي مستمر صامد في وجه التقلبات السياسية العالمية والمحلية.)” انتهى النص

يقابل الأستاذ ياسين في هذا النص بين فرصتين، الأولى “سرابية” والثانية “تاريخية”. أما التاريخية، فالأمر فيها واضح؛ زلزالٌ اجتماعي واقتصادي يذهب بالأنظمة الفاسدة، ثم يبدأ البناء الجديد.

أما الفرصة السرابية، وهي التي تعنينا في هذه المقالة، فالمفهوم من سياق الكلام أنها لم تُوصف بالسرابية إلا لأنها تـَعِد بشيء غير حقيقي، كما هو شأن السراب، في وسط النهار، يتراءى وكأنه ماء جارٍ، وما هو بماء. لماذا؟

في كتاب “المنهاج النبوي” للأستاذ عبد السلام ياسين، أسلوبُ الانتخابات، كغيره من الأساليب، ما هو إلا وسيلة للوصول إلى الحكم، أي أن “الانتخابات” ليست هدفا في حد ذاتها. وإن حصل أن النجاحَ في الانتخابات لم يؤد إلى امتلاك سلطة فعلية قادرة على إحداث التغيير الجذري المنشود، فهو إذن نجاحٌ غير حقيقي، هو نجاح “سرابي”، لأن الفائز لم يجدْ عنده مبتغاه، وهو السلطة لتأسيس نظام جديد على أنقاض القديم.

ويمكن أن ألخصَ ما يريد أن يقوله الأستاذ عبد السلام ياسين في هذا النص- أو على الأصح ما يفهمه قارئ مثلي من هذا النص- في النقط التالية:

1) القومة/الثورة الشاملة، بعد التربية الإيمانية العميقة، والتنظيم القوي، وسائر الإعدادات الأخرى اللازمة، هي الاختيار الأول الذي ينبغي التعويل عليه. إنها الفرصة التاريخية الحقيقية، لكن بشرط أن يكون الزحف مدروسا من مختلف الجوانب، حتى لا تضيع الثمرة من بين أيدي الإسلاميين، وخاصة “إن هم ربطوا في طموح الشعوب المسلمة ومِخيالها بين حكومة إسلامية لا مناص لها من مُصانعـة واقع شديد المِراسِ وبين الدعوة الإسلامية التي تحيي القلوب وتنعش الإيمان وتعبّئ الأمة لجهاد إحيائي مستمر صامد في وجه التقلبات السياسية العالمية والمحلية”.

2) المشاركة في الانتخابات، حسب “المنهاج النبوي”، إنما هي من أجل الوصول إلى الحكم. والوصول إلى الحكم لن يكون له قيمة حتى يؤديَ إلى حيازة سلطة فعلية حقيقية قادرة على “تغيير المنظر العام”، أي تغيير النظام الجبري، وتأسيس نظام إسلامي في معناه ومبناه.

3) إن كان أقصى ما تؤدي إليه الانتخابات هو “التداول على الحكم”، أي مرة يصعد فيها الإسلاميون وأخرى يهبطون، فهذه “فرصة سرابية ما كان لمتعطش فاضل أن ينتظر منها حَسْواً لظَمْأته…”، لأنها تُدخل الإسلاميين في “دوامة التناوب”، وهي دوامة تضيع معها الأهداف الإسلامية، ولن يخرج منها “الفاعل الإسلامي”- إن قُدّر له أن يخرج- إلا وهو منهك القوى، قد تخلخل صفه، وتبددت جهوده، وضاعت مصداقيته.

4) وبناء على النقطة السابقة، فإن على الإسلاميين أن يُهيئوا صفهم جيدا، ويتغلغلوا عميقا في الشعب، وينجحوا في إعلان مشروعهم وشرحه والدعاية له، وينجحوا أيضا في ترسيخ مصداقيتهم، قبل الإقدام على المشاركة في الانتخابات التي ” لم تجد الديمقراطيات المُوَلّـدَةُ بُدا من شق بعض فجاجها للإسلاميين…”.

5) في غياب الشروط اللازمة التي يكون بها النجاح في الانتخابات ذا مردودية مؤكدة فيما يتعلق بهدف إقامة الدولة الإسلامية القطرية، فإن الأحسن حينئذ هو توجيه الجهود في اتجاه خيار القومة، خيار الطريق الشاق، والنفس الطويل، والبلاء الكبير، والصبر الجميل، والعقبات التي لا تكاد تنتهي.

فبناء على هذه المبادئ والمفاهيم المسطرة في منهاج جماعة العدل والإحسان في شأن موضوع الانتخابات، والتي لم تُعلن الجماعة، لا تصريحا ولا تلميحا، فيما أعلم، عن تغييرها أو تعديلها، وبناءً أيضا على أن أدبيات الجماعة تعتبر النظام المخزني المغربي نظاما جبريا قائما على الإكراه والاستبداد-

واعتبارا للظروف السياسية الراهنة ببلادنا، التي تمتاز، في منظور الجماعة، باشتداد القبضة المخزنية على كل شؤون الدولة، وتحكُّمِها في جميع القرارات والسياسات والاختيارات المركزية الحاسمة، واعتبارا كذلك للقوانين والتقاليد والأعراف السائدة في تدبير الشؤون السياسية، وفي مقدمتها الدستوران المكتوبُ والعرفيُّ، اللذان يجمعان في يد الملك مطلقَ السلطات، ويرفعانه فوق كل المؤسسات، ويجعلانه مقدسا لا يُسأل ولا يحاسب ولا يراقب ولا يراجع-

ونظرا أيضا إلى أن الانتخابات والهيئات والمؤسسات المنتَخَبة، في ظل ظروف الاستبداد المشار إليها، تصبح عديمة الجدوى، وعارية من أية مصداقية، وفارغة من أي معنى إلا تضييع الجهود وتبذير الأموال وصناعةَ واجهة ديمقراطية كاذبة للدعاية والإشهار.

بناء على كل ذلك، فإننا لا نتصور أن يكون موقفُ الجماعة من المشاركة في الانتخابات غيرَ موقف الرفض والامتناع. وقد عبر مسؤولو الجماعة، من مجلس الإرشاد والأمانة العامة للدائرة السياسية، عن موقفهم هذا بعبارات واضحة، في مناسبات كثيرة، وبوسائل متعددة.

هذا، ولا ننسى أن الدولة المخزنية من جانبها لن تسمح للجماعة بالمشاركة وإن كانت الجماعةُ ترغب في ذلك- ولن ترغب-، لأنها تعدّها من المعارضين الأعداء الذين يتوجب محاربتُهم والتخلص منهم، عاجلا أو آجلا.

وإلى المقالة المقبلة إن شاء الله.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.