أدبيات العمل السياسي وقواعد التحالف السياسي

لا بأس أن نذكر هيئاتنا السياسية وكل النخب بأدبيات تخص التنظيمات السياسية، خاصة أن كل الفرقاء أجمعوا على الرغبة في بناء مغرب حديث.

* أدبيات العمل السياسي:

– من أهم خصائص الأحزاب والهيئات السياسية استمرارية التنظيم والرغبة في ممارسة السلطة والبحث عن مساندة شعبية.

– تقوم الأحزاب بوظائف محددة، أهمها تأطير وتوجيه الرأي العام وانتقاء المنتخبين وتكوينهم لحمل المشروع السياسي للهيئة السياسية المحتضنة على قاعدة البناء وتوسيع دائرة المؤسسة.

– تراقب وتوجه الأجهزة الحزبية الفرعية وتحدد المواقف السياسية…

لكن المشهد السياسي المغربي، اليوم، ابتعد عن هذه المقاربة النظرية وعن الأعراف الدولية، فتحولت فيه ساحة الممارسة السياسية النزيهة “الشفافة” إلى حلبة عراك ومزايدات حزبية وأخرى نقابية.كما أن أغلب الأحزاب السياسية المغربية تعرف شيخوخة بيولوجية وأخرى سياسية، تعاني قواعدها من مشاكل كثيرة ومعقدة، أهمها:

– هيمنة سلطة الزعيم.

– سيطرة النخبة الحزبية التي يحكم أداؤها الحزبي قوة “الأنا”، وهذا ما يصطلح عليه في لغة التشكيلات الحزبية بـ”هيمنة الثقافة الأبوية” وهذا سلوك يجعل النخبة تبقى في أسر الذات و وهم امتلاك المعرفة والتجربة والخبرة دون غيرها من شباب لما يبلغوا حنكة القيادة، وواقع يحول دون تداول السلطة داخل الهيئات الإدارية والتقريرية الحزبية.

– مرض الرئاسة الرئاسية التي تريد أن تهيمن وتسيطر دون امتلاك مؤهلات “الزعيم الوظيفي”و”القائد المحنك” الذي يستطيع اكتشاف وتفعيل الطاقات الخلاقة والمواهب النامية.

– أحزاب تحدد علاقتها بالمجتمع بناء على تاريخ نضالها ومكتسبات الماضي المجيد، لكنها لم تتأقلم مع التغيرات الحالية، ولم تستوعب المتغيرات المجتمعية الجديدة…

نتج عن ذلك إحباط في صفوف القواعد الحزبي ضعف في المؤسسات الداخلية وتسطير لبرامج موسمية تطفو على السطح في حمأة الانتخابات.تجربة تلو أخرى، تجعل خصم اليوم يتنكر لرفيق الأمس…يمكن أن يتطور هذا التنكر إلى الإقصاء أو العراك.

“المتفرج-المستهدف”شعب مهمش، مفقر مستنزف مكذوب عليه يساق إلى مصير مجهول، فهو بين طاحونة العوز وحلم الآمال المعسولة الكاذبة الخاطئة.لأن المجتمع المغربي سئم من الانشطارات الحزبية ومن التحالفات السياسية المؤقتة والمصلحية.

طالع أيضا  الأحزاب بين مطرقة التحالفات والانشطارت وسندان الانتخابات (1/2)

* قواعد التحالف السياسي:

التحالف يرسم خطوات تحكمها الاكراهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحتى العولمية. ويبقى سجينا لطيف يبدو في الأفق منسجما، طيف قزح يعلن انفراج الغيم وتحول جو السماء نحو الصفاء، تعدد في الألوان وأمل قصير سرعان ما ينقشع وتصفو السماء وتشرق الشمس بضيائها الواضح، فتكشف على واقع الأرض وواقع الإنسان وحقيقة الإنتاج وتوزيع الأرزاق وتسخيرها لتكريم الخلق ورفع قيمته وإزالة الظلم عليه وإقامة العدل في قضاياه كلها.

القاعدة الأولى: التحالف من أجل النصرة

لو كان التحالف قضية استراتيجية تقصد نصرة المظلوم وتوزيع الأرزاق توزيعا عادلا وإعطاء الحق لأصحابه، لو كان الأمر هكذا، لكان التحالف ضروريا. لكن الحسابات الضيقة تملأ النفس وتسكن المستقبل وتحرك الواقع حسب القراءات الضيقة للانتماءات الجزئية والفئوية.

القاعدة الثانية: التحالف من أجل التربية

لو كان التحالف على خط الأمة لتربيتها لبنائها وللدفاع عنها لفتح الآمال لشبابها نحو مستقبل واضح على خط لاحب وعمل حثيث يلغي المحسوبية ويوحد الجهود للبناء والتربية والتغيير وكذلك للقطيعة مع ما ترسب في ماضينا من ظلم وحيف وفساد في الأرض وإفساد للخلق والتظاهر بالإصلاح والصلاح والتخليق والادعاء بأن القضية ما هي إلا تجمع فئوي مصلحي ظرفي مهدد بالطلاق في كل لحظة وحين، لترجع الفرقة والاختلاف والتنابز بالألقاب واتهام الخصم الحالي للرفيق الماضي.

لقد مر بمختلف أطياف المشهد السياسي المغربي أن أعلنوا عن زواج كاثوليكي غير قابل للطلاق في وقت كانت التجربة مازالت تحمل في طياتها أمل العودة إلى الشعور الوطني الموحد لقوى أعطت ما يمكن عطاؤه في ظرفية انتقالية تحمل في بطنها كل الاحتمالات:ثورية، تغييرية، إصلاحية…

لا تحسبن أن الشعب المغربي غائبا عن هذه التجارب، فهو لا يزن بميزان الأيديولوجية ولا يزن بميزان السياسة الظرفية. ولكن يحكم على الأشياء بنتائجها ومدى انعكاسها على حياته اليومية ومستوى عيشه الاقتصادي والاجتماعي.حقيقة لا أبتدعها ولا هي من نسيج الخيال ولا هي” أحلام دونكيشوطية”…لكنها شهادات المحللين السياسيين للمشهد السياسي المغربي، وقراءة لإسثمارات أفرغت من قبل مؤسسات متخصصة.

طالع أيضا  الأحزاب بين مطرقة التحالفات والانشطارت وسندان الانتخابات (1/2)

القاعدة الثالثة: التحالف من أجل التنمية

لو كان التحالف مع الشعب في مشاعره العليا لحققنا فعلا تنمية بشرية حقيقية، ولن نحتاج إلى خمسين سنة بعدها لوضع برامج استعجالية عقب تقارير دولية تصنفنا في أدنى المراتب. وأظن أن كل القادة والزعامات يسكنها شعور بالانتماء إلى هذه الأمة، أحب من أحب وكره من كره، شعور عميق أصبح البوح به والاعتزاز به ورفض كل من يتهم بالخلو منه أمرا صريحا، بعدما كان مغيبا في الساحة السياسية، خاصة في مرحلة الستينات والسبعينات التي عرفت سيطرة اليسار في الحقل السياسي المغربي.فترة شهدت رفع علم الشيوعية ومبادئ الأيديولوجية “الماركسية-اللينينية” ضد الأيديولوجية الليبرالية، التي انتزعت اليوم المشعل لتواجه بدورها من يهدد مصالحها العولمية، بعد ظهور الحركة الإسلامية في المشهد السياسي تكتسح الساحة وتزاحم بالمناكب، امتعضت الزعامات “التاريخية” التقليدية بعدما اكتشفت أن البساط يسحب من تحت أقدامها في المجال النقابي والجمعوي والاجتماعي.فوزعت الأدوار بإتقان لحصار شباب اكتشف اللعبة وأقدمت على استراتيجية التحالفات أو الانشطارات تحت شعار: “كلنا مسلمون”.

وبعد..

نعم، كلنا مسلمون، صرح بذلك المسؤولون والسياسيون والزعماء والقادة. وأعلنوها صرخة ضد من يريد أن يحتكر الإسلام ويجعله محركا له وللشعب. أعلنوها صراحة أننا لا نقبل الطعن في عقيدتنا وانتمائنا إلى ماضينا وتراثنا وشعبنا.

مرحى، أهلا وسهلا، بهذا التصريح والتوضيح والإعلان الصريح على مرأى ومسمع من أمة مقهورة مظلومة محتقرة مهمشة تأن تحت الظلم والفساد والإفساد.

مرحبا بكم أيها الفضلاء في حضن الإسلام في كنف الشريعة السمحاء. مكانكم بين الأمة في ناديها وهو المسجد، في أخلاقها وهي القرآن وأخلاق نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، في فنائها وهي ساحة الأمة بعد المحراب مع مستضعفيها ضد المستكبرين والمستغلين.

بعدا للتمويه والتضليل، الغب لن يخدع المؤمن، والثناء على الماضي التليد لن يغر الصادقين من هذه الأمة.

المشهد السياسي الحالي لا يلغي نداء القلب كما يدعي. لكن يهمش العمل به ويوصد أبواب الخروج به إلى الناس في مشروع مجتمعي متكامل يربط بين تحقيق مصالح الأمة وتربية الشعب.

طالع أيضا  الأحزاب بين مطرقة التحالفات والانشطارت وسندان الانتخابات (1/2)

فليستتر بالرذائل من لا يستطيع أن تكون خلوته كجلوته، ومعاشرته بين الناس. لكن ليترك المجال لمن كان سره كعلانيته، لمن كان له خط واصل بين المشاعر العليا في الإنسان والسير في الناس بالخلق الحسن، بالنور الرباني الداعي إلى إقامة العدل والخير والتقوى.

إذا كان التحالف على هذا الخط واضحا، يلتزم به المتحالفون أمام الشعب في وضوح ويحاسبون عليه بكل أمانة ومسؤولية ، لكان الأمر مستمرا والسير متواصلا، والبناء متدرجا والتناوب على السلطة مثمرا.

لننتقل من الغموض إلى الوضوح، إلى احترام شعور الأمة، أمة الإسلام بأننا لها ولسنا عليها ولا ضدها. وبالتالي يكون التقارب سلوكا مبنيا بتدرج في إيجاد الحلول لما يفرقنا وتبني ما يوحدنا ولا نتسارع على اختلاف الرؤية إذا كان الأمر اجتهادا داخل الوحدة، وحدة الصف في المشاعر العليا والصالح العام.

نتقارب لا نتدابر، نختلف لنتكامل، نتطارح القضايا لنوضحها لنستفيد من الآخر، لنحترم الآخر، لنثمن اجتهاد الآخر لكن لحساب الأمة.

فضلاؤنا لهم ماض تليد وعاطفة جياشة ضد المستعمر- المستكبر المحتل للأرض قديما، والمحتل للعقول والنفوس حاضرا واستمالة الأهواء. الفضل كل الفضل لهؤلاء حينما يعلنون صراحة أنهم ليسوا مستعدين لينوبوا عن هذا الحاقد الطامع، وليسوا مستعدين لتربية إنسان يسكنه هذا الهاجس في التبعية والخضوع والتنصل عن مقوماته الذاتية التي تقيم أولا الجسم بالاقتصاد، والعقل بالعلم والسلوك بفضائل الخلق، والقلب بنور الإيمان. كما تضع له منهاج لخلاص بالتربية الربانية التي تكرمه وترفع همته إلى الله عز وجل.

إن الفضل كل الفضل للفضلاء الديمقراطيين يكون بالوفاء إلى المبدأ الذي قاموا عليه ودافعوا عنه وسبقوا بالجهاد، جهاد المستعمر في الماضي والمستكبر في الحاضر.

استقلال هي ثمرة هذا البناء. جهاد أصغر في مقابل جهاد أكبر.المهمة ضخمة والمسؤولية كبيرة والدعوة مفتوحة لكل من أراد أن يستمر في فضله وأن يكمل جهاده الخارجي بجهاد داخلي لسلوك مراتب الإسلام والإيمان والإحسان وإقامة عدل الإسلام ورفع الظلم والحيف عن الناس.