جماعة العدل والإحسان تعترف بشرعية النظام الملكي !

قرأت في هذه الأيام للأستاذ الباحث الدكتور محمد ضريف آراء واستنتاجات، في شأن اختيارات جماعة العدل والإحسان السياسية، وجدتها مغرقة في الشذوذ والغرابة، وبعيدة كل البعد عما هو واضح ومعلوم لدى الناس العاديين، فضلا عن الخاصة من الباحثين والمهتمين، من اجتهادات الجماعة واختياراتها السياسية، التي تميز منهاجَها في شأن العمل السياسي، ومواقفَها من مختلف القضايا المتعلقة بهذا العمل، كموقفها من نظام الحكم، وموقفها من العمل السياسي القانوني، وموقفها من المشاركة في الانتخابات.

ويمكن أن أشير هنا، على سبيل المثال، إلى الحوارات التي أجراها الأستاذ ضريف، على التوالي، مع صحيفة “التجديد”، عدد 17/03/2008، ومع صحيفة “لوسوار” المغربية، عدد 08/05/2009، ومع أسبوعية “الديار المغربية”، عدد13، 14ـ 20 يونيو2009.

كيف كوّن الدكتور ضريف لنفسه هذه الآراء؟ وما هي المقدمات التي بنى عليها الاستنتاجات التي توصل إليها؟ وهل للرجل مصادرُ خاصة يستقي منها، هو وحده، معلوماتٍ لا يعرفها غيرُه من الباحثين والمراقبين؟ وكيف يتسنى له، وبأيّ فهم، وبأية آلة، تأويلُ مطبوعات الجماعة وتصريحات قيادييها وبياناتُ مجالسها المسؤولة وغير أولئك من مختلف الوثائق الرسمية الصادرة عن الجماعة، التي يذهب ظاهرُها، في وضوح ما بعده وضوح، إلى عكس ما تذهب إليه آراءُ الدكتور ضريف واستنتاجاتُه؟

أولا، ما هي هذه الآراء والاستنتاجات الضريفيةـ نسبة إلى الأستاذ ضريف ـ، التي وصفتُها بأنها غريبة وشاذة؟

يمكن حصرُ هذه الآراء في ثلاثة:

أولها وأكثرها غرابة أن جماعة العدل والإحسان ليس لها اليوم أيُّ اعتراض على شرعية النظام الملكي، بل إن الدكتور ضريف يزعم أنه وجد هذا الاعتراف بشرعية النظام الملكي في “رسالة الإسلام أو الطوفان”، التي كتبها الأستاذ ياسين إلى الملك الحسن الثاني، رحمه الله وغفر لنا وله، سنة 1974، وكذلك في “مذكرة إلى من يهمه الأمر”، التي كتبها مرشد الجماعة إلى الملك محمد السادس في نونبر1999.

وثاني هذه الآراء أن الجماعة لا تفتأ تعطي، منذ مدة، وخاصة من خلال دائرتها السياسية، إشاراتٍ تُحمل على أن الجماعة بصدد التهيؤ للمطالبة بتأسيس حزب سياسي.

وثالثها أن الجماعة باتت اليوم قاب قوسين أو أدنى من القبول بالمشاركة في الحياة السياسة في ظل النظام الملكي، والمشاركة في اللعبة الديمقراطية حسب القواعد المقررة.

وسأكتفي في هذه المقالة بالوقوف عند الرأي الأول من هذه الآراء الثلاثة، وإن كان لا يخفى أن هذه الآراء، في مجملها، متداخلة ومترابطة ومتعلق بعضها ببعض.

ذكر الأستاذ ضريف، وهو الباحث المتخصص، في حواره مع أسبوعية “الديار المغربية” أن الناس يخطئون حينما ينظرون إلى جماعة العدل والإحسان على أنها جماعة لا تعترف بشرعية النظام الملكي، والصحيح، عنده، أن الجماعة، منذ بداية تأسيسها، كانت تعترف بشرعية النظام الملكي، لأنه لا يُعقل أن تسعى جماعة من أجل تأسيس حزب سياسي، في بداية الثمانينات من القرن العشرين، والعملِ في إطار القانون، إن كانت لا تعترف بشرعية النظام، أي أن الاعتراف بالنظام القانوني القائم، والسعيَ من أجل العمل في ظله، هو، بالضررة، عند السيد ضريف، اعترافٌ بالنظام السياسي السائد. وليس ههنا مكانُ مناقشة هذا المنطق الذي بنى عليه الأستاذ ضريف هذا الاستنتاج، وإني أعتقد أنه منطق يمكن نقده وردّه بسهولة.

وأضاف الأستاذ ضريف في حواره مع “الديار المغربية”، وهو يذكر المعطيات التي تجعله يعتقد أن الجماعة تعترف بشرعية النظام الملكي، أن قراءة معمقة لرسالة “الإسلام أو الطوفان”، ستجعلنا لا نشك أن الرسالة مبنية على الاعتراف بشرعية الملكية في المغرب. بل إن الأستاذ ضريفا يزعم نفسَ الشيء لـ”مذكرة إلى من يهمه الأمر”، حيث يذكر أننا إن أعدنا قراءة المذكرة، فسنجد أنها “محكومة بنفس إصلاحي، وأنها أكبر اعتراف بشرعية النظام في المغرب” على حسب العبارة الواردة في الحوار.

ويذهب الأستاذ ضريف، في نفس السياق، إلى أن جماعة العدل والإحسان، في الحقيقة، لا تعارض النظام الملكي، وإنما تعارض السياسات التي يتبعها الملك، والفرق بين المعارضتين، عنده، واضح جدا.

أما الذين يقولون إن جماعة العدل والإحسان، وإن كانت تعترف بشرعية الملكية في المغرب، فإنها لا تعترف بـ”إمارة المؤمنين”، فإن الدكتور محمد ضريف يردّ عليهم بأن هذا الرفض كان من الجماعة في الماضي، أما اليوم، فإن أدبيات الجماعة ومواقفَها قد تطورت، فهناك، بالقياس إلى منهاج الجماعة الأصلي، تطور في التنظيم يوازيه تطور في المواقف السياسية.

هذا هو باختصار رأي الأستاذ ضريف في موضوع موقف جماعة العدل والإحسان من النظام الملكي في المغرب؛ فالجماعة، عنده، كانت دائما تعترف بشرعية الملكية في المغرب، وأما معارضتُها، فكانت تنصب على سياسات الملك، وليس على وجود الملكية في ذاتها.

في الواقع، أنا أحار حينما أرى هذا الرأي يصدر عن رجل مثل الأستاذ ضريف، المعروف بتتبعه الدقيق لمسار جماعة العدل والإحسان، واهتمامه الفاحص الناقد لكل ما يصدر عنها من كتابات وبيانات ونشرات وتصريحات. وتزداد حيرتي حينما أذكر أن الأستاذ ضريفا له علاقات متميزة بقيادات الجماعة، في مجلس الإرشاد وفي الأمانة العامة للدائرة السياسية، فضلا عن لقاءاته العديدة بمرشد الجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين. فهل ذهابُه إلى ما يذهب إليه بخصوص موقف الجماعة من النظام الملكي ناتج عن سماع مباشر وصريح من مصدر قيادي في الجماعة؟ لا أعتقد ذلك، لأن الذي أعرفه أن الجماعة لها وجه سياسي واحد، وهو هذا الوجه المكشوف للناس. فمن أين إذن “اصطاد” الأستاذ ضريف هذا الرأي الغريب العجيب؟

طالع أيضا  آراء شاذة لباحث متخصص - 3 -

إنى لأرجو، وبنية صادقة، أن أجد عند الأستاذ ضريف، اليوم أو غدا، بيانا موثقا للمصادر أو النصوص أو التصريحات، التي يُفهم منها، لفظا ومعنى، ومن غير تكلف في التأويل وتعسف في الاستنتاج، ما يذهب إليه الأستاذ الباحث في حواراته من كون جماعة العدل والإحسان، كسائر الفاعلين السياسيين، تعترف بشرعية النظام الملكي، وتسعى من أجل أن يكون لها حضور ومشاركة في اللعبة الديمقراطية الجارية في ظل هذا النظام وقوانينه.

وفي انتظار أن أرى من الأستاذ ضريف ما يثبت مزاعمه من الحجج الحقيقية المعتبرة من المصادر والوثائق والنصوص والتصريحات الواضحة، فإني سأكتفي هنا، بصفتي باحثا ومتتبعا وقارئا، بإيراد بعض النصوص والتصريحات من مصادر الجماعة الرسمية، التي لا أشك أن الأستاذ ضريفا قد اطلع عليها، تؤكد شذوذ رأي الأستاذ الباحث وغرابَته ومخالفته لما هو معروف ومنشور وسائرٌ بين الناس منذ زمان.

في رسالة “الإسلام أو الطوفان”

في هذه الرسالة التي زعم الدكتور ضريف أنها تضمنت اعترافا بشرعية النظام الملكي، نقرأ خطابا قويا، في صورة نصح ووعظ وتذكير وتبشير وإنذار، يذهب كله في اتجاه الرفض القاطع لشرعية النظام الملكي الوراثي، الذي يسلكه الأستاذ ياسين في أنظمة العض والجبر، التي ورد ذكرها في الحديث الصحيح.

نقرأ في الرسالة عبارات واضحة للأستاذ عبد السلام ياسين، يدعو فيها الملك إلى سلوك الطريق الصحيح لبناء شرعية حقيقية لحكمه بدل “شرعية” السيف والقهر والاستبداد؛ يقول الأستاذ ياسين، وهو يخاطب الملك: “هكذا، سيدي الملك، نصل إلى النقطة المركزية في هذه الرسالة، وهي المشروعية الكفيلة أن تحرك أمة المسلمين حركة جديدة مجددة(…). لا أحد في هذه البلاد إلا ويتساءل عن معنى المشروعية التي تعتمد عليها أساسا لحكمك، وبقاءك على “عرش أسلافك”، من أين جاءت هذه المشروعية؟ وكيف نشأت في الإسلام الفتنة التي سماها الديدان[يقصد علماء السوء] ملكية وراثية أو خلافة؟ وليس كل من يعلم ذلك يقدر أن يقول ما قاله أبو حازم لسليمان: “إن آباءك قهروا الناس بالسيف، وأخذوا هذا الملك عنوة، من غير مشورة من المسلمين ولا رضى منهم.””

وبعد ذلك، يذكّر الأستاذ ياسين الملكَ بأن بيعته كانت “بيعة من جانب واحد، من جانب مقهور بالسيف، مُكرَه أن يسمع ويطيع، لا مبايعة من جانبين بين مسلمين أحرار اختاروا رجلا عاهدهم على طاعة الله والنصيحة للمسلمين وخدمتهم”. وواضح هنا أن الأستاذ ياسينا يميز بين “البيعة” و”المبايعة”، فالأولى، عنده، تقوم على الاستبداد والقهر والإكراه، والثانية قوامها الرضا والمشاركة وحرية الاختيار.

ويستمر كلام الأستاذ ياسين بهذه القوة، واضعا الأصبع على أصل الداء، وهو الجبر والإكراه والاستبداد، إلى أن يقول، والخطاب دائما للملك: “أيدرك الملك أهمية العدل الاجتماعي، وضرورة مشروعية جديدة مستحقَّة لا مفروضة بقهر السيف؟ أيدرك أن لا خلاص لهذه الأمة، وأن لا قوة لها أمام الجاهلية إلا بتعبئة تعم الأمة كلها، وأن لا تعبئة إلا بمشروعية استحقاق؟

وفي نهاية الفصل الأول من الرسالة، يخاطب الأستاذ ياسين الملك، وهو يحضه على سلوك طريق الفلاح، وارتقاء مراقي الرجولة والنجاة، فيسأله: “هل تقدر أن تبايع المسلمين “مبايعة” لا “بيعة” قهر وإذلال، وتمسك بضَبْع نفسك وأهل بيتك وأهل كل إقطاع؟

“إن لا تقدر- يتابع الأستاذ ياسين خطابه- فنحن مالكية…نقلد إمامنا وعالمنا، ومن قلد عالما لقي الله سالما؛ أبو جعفر المنصور أكره الناس على البيعة، وحلّفهم بطلاق زوجاتهم إن نكثوا، فقام مَالِكٌ يحدث عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: “ليس على مسْتَكْره طلاق”، ومعنى الحديث في سياق الأحداث- والكلام دائما للأستاذ ياسين- ليس على مُكره بيعة…”.

وفي خلاصة الرسالة، يقول الأستاذ ياسين للملك: “إنك بحاجة لمشروعية، تشعر بذلك، ولكن لا تهتدي لسبيل. إنك بحاجة لوضوح تبني عليه حقا لا يمكن أن ينبنيَ على دعايتك وتألهك وتهريجك حين تبذر أموال المسلمين، تبني ضريحا للغابرين، وتصك الأسماع وتلوثها، وتلوث الدين بأعيادك الوثنية المخدّرة لحس الأمة وشهامتها وحيويتها ووعيها(…)

“فابحث لنفسك- يقول الأستاذ ياسين للملك- إن رمت خيرا عن مشروعية تستحقها برفع همتك، وإنجازك للشروط التي أضعها بين يديك…”.

وليس عندي تعليق بعد هذا الوضوح الذي تنطق به هذه النصوص من رسالة “الإسلام أو الطوفان”.

في “مذكرة إلى من يهمه الأمر”

زعم الأستاذ ضريف أن هذه المذكرة، التي كتبها الأستاذ عبد السلام ياسين للملك محمد السادس في نونبر سنة 1999، أي بعد أن أصبح ملكا بحوالي أربعة أشهر، يطبعها نفس إصلاحي يفصح عن اعتراف كاتبها بشرعية النظام الملكي.

والحقيقة التي تشهد لها كل عبارة في المذكرة أن المذكرة تسير في اتجاه يناقض تماما ما ذهب إليه الأستاذ ضريف في زعمه واستنتاجه.

في هذه المذكرة، لم يخرج الأستاذ ياسين عن روح النهج الذي سلكه في رسالة “الإسلام أو الطوفان”، طبعا مع اعتبار الفارق بين الزمنين وشخصية الملكين، الهالك والوارث.

طالع أيضا  آراء شاذة لباحث متخصص - 2 -

روح هذا النهج في الرسالتين، وفي الجانب السياسي بالتحديد، هو رفض الاعتراف بشرعية الحكم الوراثي، لأنه حكم قائم في أساسه على العض والجبر، أي الاستبداد والإكراه وسلطة السيف، وهو ما يناقض أساس الرضا وحرية الاختيار، الذي يميز الحكم الشوري الراشد العادل.

فالأستاذ عبد السلام ياسين يخاطب الملك محمدا السادس، في المذكرة، على أنه وريث حكم جبري ظالم قائم على “بيعة مخزنية” تمتاز- يقول الأستاذ ياسين- بـِ”طقوس لا تمت بأي صلة إلى الميثاق الإسلامي الجليل، الذي يُلزم الشعبَ الحر بطاعة الحاكم، ويُلزم الحاكمَ المُنتخَب بالعدل نحو الرعية”.

ويصف كاتب المذكرة حفلة الولاء التي تنظم سنويا في ذكرى عيد العرش بـ”الحفل الوثني…الذي تقام فيه شعيرة البيعة المخزنية، التي تُلزم كبارَ الشخصيات في البلد بالركوع خمس مرات أمام الصنم البشري قبل أن يدفعهم الخدمُ المُطَربَشون، ويسارعوا إلى رصّ صفوف باقي العباد الراكعين…”. كما يصف “الحكم العاض الذي يُلقي للمسلمين الأمرَ بالركوع لغير الله” بأنه “وصمة عار على جبين التاريخ الإسلامي…”.

فبيعة محمد السادس، عند الأستاذ ياسين، لا تختلف في شيء عن بيعة أبيه، ومن ثم فالحكم الموروث هو حكم جبري ليس له، في كتابات الأستاذ ياسين، إلا الرفض والإدانة والعصيان.

وقد دعا الأستاذ ياسين الملك محمدا السادس إلى التخلص من أوزار الحكم الجبري الذي ورثه، والعملِ من أجل بناء حكم عادل راشد يقطع مع التقاليد المخزنية المقيتة، ويستهدي بمنار رجال كعمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه.

فالأستاذ ياسين لا يني في مذكرته يُدين “الأساليب الجبرية التي تُنصِّب على قمة الهرم السلطوي رجلا يحتكر الحق في تسيير شؤون البلاد والعباد حسب هواه، فلا أمر إلا أمره، ولا علم إلا علمه، ولا مال إلا ماله”.

وليس من شك في أن النقد في هذا الكلام متوجه إلى الحكم الذي ورثه محمد السادس.

وفي سياق ذكر سوءات الحكم الجبري، ينتقد الأستاذ ياسين “الدستور الممنوح والمُرمّم بين الفينة والأخرى، حسب ما استجد من ذوق أو هوى”. فليس هذا الدستور الجبري إلا “صيغة حديثة للفرمان الإمبراطوري التقليدي. وهكذا، بحكم الدم الذي يجري في عروقي- يقول الأستاذ ياسين على لسان الإمبراطور المستبد- والإنجاز العظيم الذي حققته حين تفضّلْتُ على الناس ببروزي للوجود مولودا مقدسا، لي الحقُّ في أن أتحكم في مصائر العباد، وأن لا يكون خلاصهم إلا على يديّ !!”.

وفي سياق آخر، يذكر الأستاذ عبد السلام ياسين أنه حين يفضح “المنجزات” المخزية لحكامنا ويصوغها بالتعابير الحادة والألوان القاتمة”، فليس يفعل ثأرا لمظلمة أصابته من هؤلاء الحكام، لأن “القلوب المرتعدة والهمم الخسيسة هي التي تتكالب على الأجساد الباردة”، وإنما يفضح مخازي حكام الجبر لـِ”يعرف الشعب المضروبة عليه أسوارُ التعتيم والتجهيل حقيقة ما يجري. يجب أن يعرف[أي الشعب] حتى ينحسم كل حبل يعلّق قلبَه بحكم الجبر. يجب أن يعلم الشعب ويدرك مدى فظاعة جرائم الحكم المتسلط، ليلفظ الطواغيتَ، ويتسلح بتعاليم الإسلام المقدسة، ليتحرر من نيرهم”.

يقول الأستاذ ياسين: “حذرنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من حكام العض، ولفظ “العاض” يعبر جيدا عن منهج الجبر في الحكم”.

وعلى الرغم مما تمتاز به المذكرة من عطف وحنو وإشفاق ورفق وتلطف في مخاطبة الملك الجديد، فإنها من ألفها إلى يائها إدانة للحكم الجبري ورفضٌ للاعتراف بمشروعية القهر والاستبداد.

ولما كان الأستاذ ياسين لا يعترف بشرعية النظام الجبري، فقد كان من الطبيعي أن يدعوَ، في مذكرته، الملكَ الجديد من أجل إصلاح نظام الحكم إصلاحا جذريا، بدءا من التخلص من روح الجبر وما ينبني عليه من مظالم ومنكرات، وانتهاء إلى بناء حكم عادل روحه الرضا والاختيار والمؤسسات المسؤولة.

يقول الأستاذ ياسين في مذكرته: “لا بد أن يستفرغ الملك وُسعه، كامل وسعه، وإلا سيكون من العبث انتظارُ انبثاق نتائج عميقة من خطوات هامشية وجزئية. لا بد من فعل يؤسس، فعل يمنح الشرعية لتسيير جديد للدولة، لمنهج جديد في الحكم، لعدالة أخرى، لتعليم راشد، لعدل اجتماعي يلغي الامتيازات ويقارب ويسدد بين جانبي الهوة السحيقة الفاصلة بين الحفاة العراة والسادة الذين يرفلون في النعيم…”.

ويضيف بعد أسطر: “لا مناص من إعادة النظر في النظام بأكمه. لا بد من وضع القطار على سكة جديدة. ولذا لا بد من قاطرة قوية ويد حازمة. لا بد من مراجعة شاملة، فوراء الواجهة المزينة يوشك البنيان أن ينقضّ”.

ويقول في موضع آخر: “فالقاعدة الديمقراطية المتمثلة باختصار في حق الشعب في اختيار حاكمه بكل حرية هي المخرج الوحيد لنا من ظلمة الحكم المطلق…”. وينبه الأستاذ ياسين في هذا السياق أنه حين يتحدث عن القاعدة الديمقراطية، فإنه يميز بين “المسطرة والتنظيم”.

ثم إنه “لا أمل لملوك الحكم المطلق في الانعتاق من قبضة الشيطان، وللشعوب المسخرة لها الغارقة في مستنقعات البؤس المادي والثقافي والسياسي والخلقي إلا التمسك بالحبل الممدود من السماء، حبل الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض”.

طالع أيضا  آراء شاذة لباحث متخصص - 3 -

كانت هذه أمثلة مما قاله الأستاذ عبد السلام ياسين في المذكرة مما له علاقة بنظام الحكم الجبري عامة، وبالحكم الذي ورثه الملك محمد السادس عن أبيه خاصة. فأين هي رائحة الاعتراف بشرعية النظام الملكي في هذه الأمثلة التي ذكرتها أو في غيرها مما لم أذكره؟

في برنامج “مراجعات”

استضاف برنامج “مراجعات” الذي تبثه قناة “الحوار” الأستاذَ عبد السلام ياسين في أربع حلقات، في يونيو/يوليوز من سنة 2008. وقد كان الأستاذ ياسين، طيلة حلقات البرنامج، واضحا كل الوضوح عند حديثه عن نظام الحكم في المغرب، وقد أكد مقالته التي قرأناها قوية وواضحة في رسالة “الإسلام أو الطوفان”، وفي “مذكرة إلى من يهمه الأمر”، لكن هذا التأكيد كان، بطبيعة الحال، باختصار يناسب زمن البرنامج التلفزيوني.

ففي الحلقة الثالثة التي بُثت يوم الاثنين 07 يوليوز 2008، من الساعة السابعة مساء إلى الساعة الثامنة بتوقيت المغرب، سأل مقدمُ البرنامج الدكتور عزام التميمي ضيفه الأستاذ ياسينا سؤالا واضحا ومباشرا عن موقف جماعة العدل والإحسان من النظام الملكي في المغرب، فأجاب الأستاذ ياسين بلا تردد وبصراحة تعادل صراحة السؤال، إن لم تكن تفوقها، قائلا بأن الجماعة لا تعترف بشرعية نظام هو عندها مسلوك في أنظمة العض والجبر، وهو أيضا نظام لا يحكم بما أنزل الله، ومما أنزل الله “الشورى”.

وإني لأتساءل بجد، وأنا أستحضر رأي الدكتور ضريف واستنتاجه الغريب في شأن موقف جماعة العدل والإحسان من النظام الملكي- أتساءل إن كان الأستاذ ضريف قد استمع بالفعل إلى حديث الأستاذ عبد السلام ياسين في برنامج “مراجعات”، وخاصة في الحلقة الثالثة !

في بيانات مجلس الإرشاد والأمانة العامة للدائرة السياسية

في الذكرى الثانية لانطلاق الحملة المخزنية على جماعة العدل والإحسان(24 ماي2006//24 ماي2008)، وهي الحملة التي استهدفت أنشطة الجماعة العامة واجتماعاتها الخاصة، والتي امتازت بأشكال متعددة من التجاوزات القانونية والانتهاكات الحقوقية، فضلا عن تقديم عدد كبير من أعضاء الجماعة، من الرجال والنساء، إلى محاكمات بتهم لا يشك أحد أنها تهم سياسية، وإن كانت الدولة لا تفتأ تزعم أنها تطبق القانون، وأن الجماعة ليس لها أية شرعية قانونية-

بمناسبة هذه الذكرى، أصدر مجلس إرشاد الجماعة يوم 27 ماي 2008 بيانا، نقرأ فيه، من بين ما نقرأ، الإعلانَ التالي:

“إننا نعلن للشعب المغربي الأبي، ولأبنائه الأعزة الأحرار، وللرأي العام ما يلي:

“1- إن طغيان الطغاة لم يزدنا، ولن يزيدنا إن شاء الله، إلا يقينا في موعود ربنا سبحانه بالنصر والفتح لمن تضرع وأناب، وسلك سبيل المحجة اللاحبة التي تركنا عليها الحبيب المصطفى، عليه الصلاة والسلام.

“2- كلمة واحدة قلناها منذ أزيد من ثلاثة عقود لمن يهمهم الأمر: إنه الإسلام أو الطوفان. ولن نركع لغير الله، ولن تمس أيدينا يدا مقطوعة عن الله.”

و”كلمة واحدة” في هذا البيان هي إشارة إلى رسالة “الإسلام أو الطوفان”، التي ختمها الأستاذ عبد السلام ياسين بعبارة خاطبَ فيها الملكَ قائلا: “هذه البشرى، وهذه الذكرى، وإنه الإسلام أو الطوفان”.

وبنفس اليقين الراسخ واللغة الجازمة المقاطِعة للنظام ومحيطاته، أدلى الأستاذ عبد الواحد المتوكل، وهو عضو في مجلس إرشاد الجماعة والأمين العام لدائرتها السياسية، بالمناسبة نفسها، بتصريح لموقع الجماعة على الإنترنيت نُشر يوم22 ماي2008؛ في هذا التصريح خاطب الأستاذُ المتوكل الحاكمين بقوله: “إن أقصر طريق لانهيار الأنظمة وزوال الدول هو الظلم والاعتداء على الناس. وإنكم بما تقومون به تخربون بيوتكم بأيديكم وأيدي المؤمنين. فاعتبروا بمن سبقكم الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فماذا كانت النتيجة؟ سلط عليهم ربك سوط عذاب، فبادوا غير مأسوف عليهم، وبقيت آثار آخرين عبرة للاحقين. ما أجداهم طغيانهم وتسلطهم وتجبرهم على المستضعفين، ولا نفعهم ما كانوا يتطاولون به على الصالحين.”

ومما قاله مخاطبا الرأي العام بكل قواه الحية: “ألا وإن الداء العضال الذي يعانيه المغرب والذي تتفجر منه سائر الأوبئة هو التسلط المخزني، والتحكم في شؤون الناس بغير رضاهم ولا مشورة منهم…” إلى أن قال: “وإن أولوية الأولويات اليوم هو التقاء الإرادات الخيِّرة في هذا البلد على برنامج استعجالي لإنقاذ البلد من حافة الانهيار، وبعث الأمل في نفوس المغاربة بعد أن استبد اليأس بالكثير منهم، الأمل في الإصلاح والتغيير، وفي غد أفضل يقطع مع جور قرون العض والجبر، ويتجاوز البؤس الراهن والانحطاط المهين، ويؤسس لمرحلة جديدة…”.

ومما قاله في هذا التصريح مخاطبا أعضاء الجماعة: “إن ما ترونه وما تسمعونه، إخواني أخواتي، من صخب وجلبة لرموز الفساد، وإرغاء وإزباد لسدنة الاستبداد، ما هي إلا ترنحات هالك يوشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. إن الله عز وجل قد وعد، ووعده الصدق، أنه ناصر عباده المؤمنين، وحَكَم بأنه لا يفلح الظالمون، وأنبأ بأنه لا يصلح عمل المفسدين…”.

هذا هو موقف الجماعة اليوم ملخصا في بيان مجلس الإرشاد وتصريح الأمين العام للدائرة السياسية: إنه “الإسلام أو الطوفان”.

وبعد، فأين ما قاله الأستاذ ضريف في حواراته من هذه المعطيات الواضحة التي أوردتها في هذا المقال؟

وللقارئ الكريم واسع النظر.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.