“وذكرهم بأيام الله”

شرف الله تعالى أزمانا وأماكن، وخصها بأفضال وساق فيها سبحانه ما شاء من الأحداث والوقائع. وجعل سبحانه من السنة أشهرا حرما، ومنها شهر رجب الذي جمع فيه جل وعلا ـ وحاشا أن يكون في خلقه عبث ـ حدثين جليلين: الإسراء والمعراج معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخالدة الحبلى بالدلالات التربوية ـ الإيمانية، ويسر فيه للمسلمين بقيادة المجاهد صلاح الدين الأيوبي تحرير بيت المقدس من براثن الصليبيين يوم السابع من رجب 583هـ الموافق لـ:1187م. ترى ماذا يمكن أن يستنبط من هذه الموافقة العجيبة؟

“المسجد الأقصى الذي باركنا حوله”

بيت المقدس مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنطلق معراجه للسموات العلا، حيث رأى من آيات ربه الكبرى، وحيث فرضت الصلوات الخمس لتكون معراجا لأرواح المؤمنين تحررا من جاذبية شهوات النفس ومطالب الجسد. وبيت المقدس عنوان عزة الأمة وحاله يؤشر لحال المسلمين عزة أو ذلة؛ وقد أكد التاريخ هذا الرأي، فلما بلغ المسلمون أوج عزتهم فتحوا بيت المقدس وتسلم أمير المؤمنين عمر الفاروق مفاتيحه، وعندما ذل المسلمون وضعفت شوكتهم لما تنافسوا السلطة وصاروا مماليك تتقاتل، امتدت يد الصليبيين لبيت المقدس واحتلوه. وما أعظم قولة أبي بكر الصديق: “ما ترك قوم الجهاد إلا ضربهم الله بالذل”.

“بعثنا عليكم عباد لنا أولي بأس..”

ما السبيل اليوم لتحرير بيت المقدس من يد الصهاينة الذين لم يكتفوا بتدنيس مقدساته بل عاثوا فيه الفساد حفرا وخسفا وترحيلا لأهاليه أمام مرأى ومسمع حكام العرب والمسلمين؟ وكيف يكون الإسراء والمعراج مفتاحا لتغيير ما بالمسلمين من وهن وحب للدنيا وكراهية للموت كما في الحديث؟ كيف تشحن الإسراء والمعراج بروحانيتهما الهمم وتشحذ الإرادات لإنجاز واقعي يعيد للأذهان معركة حطين الخالدة؟

“الإسراء” لغة هو السير ليلا، و”المعراج” هو صعود وارتقاء، ولا ارتقاء بالروح لتعرج في سموات الإيمان والقرب من المولى الكريم إلا بالسفر عبر ناشئة الليل وهي أشد وأقوم قيلا. من لا حظ له من قيام الليل صلاة واستغفارا ودعاءً وتضرعا لن يعدو عتبة إسلام عامة المسلمين، ولن ينال القرب الذي وعد به من واظب على النوافل بعد أن ثبت الفرائض ليحبه الكريم الوهاب ويصير سمعه وبصره ويده ورجله فيستجاب لدعائه.

الإسراء والمعراج بهذا المعنى أكبر من ذكرى تكون موضوع خطبة جمعة أو درس بارد مفصول عن واقع المسلمين ومسيرتهم التاريخية، بل إن الإسراء والمعراج برنامج تربوي يسيج يوم المؤمن وليلته، فيضبط وقته ويوجه حركته اكتسابا للنور الذي يمشي به جند الله في الناس ليغير الله تعالى ما بالنفوس من غفلة وتسيب، ويبعث سبحانه اليقظة في القلوب وتتحرر من الوهن وتلبي منادي الجهاد وتحرر العباد والبلاد. الإسراء والمعراج تربويا وسلوكيا تحقيق لمعاني العبودية الحقة لله كما بسطتها خواتم سورة “الفرقان” تحدد صفات عباد الرحمان، وكما عددتها البنود العشرة لبيع المؤمنين النفس والمال لله في سورة “التوبة”. بهذه الروحانية تتحرر الإرادات وتشحذ الهمم ويتنزل نصر الله ويتحقق لهم الفتح القلبي والآفاقي وتعز أمة رسول الله.

“من يجدد لهذه الأمة أمر دينها”

ومن كرم الله تعالى أن تكفل الحق سبحانه بهذا الانبعاث القلبي فقيض للأمة من يجدد لها أمر دينها ويحرر إرادتها على رأس كل مئة عام. “من” كانوا أفرادا في قرون مضت أجمع المسلمون على صلاحهم، و”من” اليوم بصيغة الجمع تتجلى في تعدد مدارس الحركة الإسلامية التي انبرت تحيي في المسلمين معاني الإيمان وتخط لهم معالم السلوك إلى مراقي الإحسان، يؤيدها سبحانه بالقبول، فالتف حولها الصالحون والصادقون، وبارك الحق سبحانه في رهطها، ونمى سوادها، وسدد خطاها؛ وعلى قدر ربانيتها قيادة وأعضاءً يكون العطاء الإلهي والتوفيق الرباني. وها هي روحانية الإسراء والمعراج تسري في شرايين المسلمين. وها هي أفواج الألوف المؤلفة من الشباب تؤوب إلى ربها تائبة تضيق بها بيوت الله ومحاضن التربية الأرقمية. وها هي طلائعها تقتحم قلاع الغفلة، ولا أدل على ذلك من تكالب الاستكبار المحلي والعالمي على المشروع الانبعاثي للأمة تكيد لوأده، وأنى لهم ذلك والوعد الإلهي يصدع في سورة “المنافقون”: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون صدق الله العظيم. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الذي نصر عبده وصدق وعده وهزم الأحزاب وحده.