فاتحة الرحمة

في كل صلاة من ليل أو نهار ومن فرض أو نفل، نستفتح بالفاتحة ونُثْنِي عليه تعالى باسمه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ونتطلع لنكون من عِبَادِه وعُبَّادِه المتوكلين عليه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وندعوه سبحانه أن يهدينا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، وهو صراطُ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ لا صراطُ المغضوب عليهم بكفرهم الضالين عن رحمة الرحمن الرحيم.

فكيف نقرع باب قربه ونَكْرَعُ من وِرْدِ رحمته فيكون لنا منها نَصِيبٌ؟

اُدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الاَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً، إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ. وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نُشُراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، حَتَّى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ، كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ 1

جعل سبحانه أمره لنا بالإصلاح في الأرض بين أمرِه إيانا بدعائه تضرعا وخفية وأمره بدعائه خوفا وطمعا. وكما يرسل سبحانه الرياح نُشُراً وبُشْراً دليلاً واستهلالاً لما ينزل من رحمة الغيث الذي يُحيي به الارض بعد موتها، يرسل سبحانه من ينشر بهم رحمته في الناس يُبَشِّرُ بها ويدل عليها. فإن صَدَقَ العبدُ وصدَّقَ واستجاب أحيى الله قلبَه من موات وأخرج منه من كل الخيرات.

فأين عباد الله مِنْ رحمة الله؟

مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا، وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.

هو بابٌ مفتاحه بيد الله يَفتح أو يُغلِق سبحانه؛ فمن أراد أن يستفتح فَلْيَدْعُ ربه تضرعاً وخفيةً وخوفاً وطمعاً. وهي رياح مجنَّدة بأمر الله يُرْسِلُ أو يُمْسِكُ؛ فمن أراد دواءً لأَدْوَاءِ نفسه فليطلبها في رحمة الله الشافي يتعرَّضُ لإشعاعاتها ونفحاتها بقرب المحسنين إِذْ إنَّ رحمةَ الله قريبٌ من المحسنين. ومن أراد معية الله سبحانه فليلتمسها في صحبة المتقين المحسنين: إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ.

وما رحمة الله التي تغمر المحسنين ورُغِّبْنَا في التماسها لديهم إلاَّ قَبَسٌ من أنوار رحمة العالمين وميراثٌ من ميراثه صلى الله عليه وسلم فينا.

طالع أيضا  تحت ظل النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم (5)

وقد لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بربه، وورثه مَنِ استُؤْمِنُوا على الميراثِ واللُّبِّ والجوهرِ واستُحْفِظُوا على ﴿الكتاب والحكمة﴾ أمَانةً عظيمةً يحملها من جيلٍ إلى جيلٍ الوارثون، صفوةُ مَنِ اختارهم مَنْ له الأمر من قبل ومن بعد.

ولكن بِمَ يُعْرَفُ المحسنون الوارثون فَتُطْلَبَ رُفقتُهُم؟ وكيف نفرِّق في الناس بين صادقٍ ومُدَّعٍ؟ وأين صاحب الحظ العظيم الشامل الثقيل الكامل من ميراث النبوة مِمَّنْ جذبتهم أسواق الدنيا إليها جذبا؟

أَوَمَنْ كَانَ مَيِّتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا؟.

﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾: يقيه الله به ظلمات الفتنة إذا اختلط على الناس الحق والباطل.

﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾: وهبه الحق مشعلا يلتف حوله الناس يستضيئون بنوره إلى غايتهم الحسنى ومقصدهم الأسنى.

﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾: حَمَّلَه المولى أمانةً يَبُثُّهَا في خلقه يستنهضهم بها إليه عز وجل.

﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾: جعل الله له في الناس آثاراً دليلاً على صدقه يُرى.

ويصطفي سبحانه لهذا الأمر الْجَلَلِ من يدعوه تضرعاً وخفية وخوفا وطمعاً، ويُصلح في النفوس وفي الأرض، ويطيع الله ورسوله فيما أَمَرَا به، ويسير على خطى السابقين الممدوحين: وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيئِينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً.

يصطفي سبحانه لحمل نوره من يشاء مِمَّنْ قُسِمَ لهم من ميراث النبوة حتى فاض نوره على مُحَيَّاهم فَعَرَفَهُمْ مَنْ عَرَفَهُمْ وإنْ عَمِيَ عنهم مَنْ عَمِيَ.

عَمِيَتْ وعُمِّيَتْ رحمةُ الله على قوم سيدنا نوح بما حَجَبَها من حظوظ النفس وأدران المعصية وظلمات الشرك فما رأتها قلوبهم، ولم تَعْمَ هذه الرحمة على ﴿صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ اللَّذَيْنِ غَسَلَ الخوفُ من المصير المحذور المنتظر بَعْضَ الحجب عن فطرتهما: وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً، وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَاكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَاوِيلِهِ، إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.

ولَعَلَّهُ أصابَ الْفَتَـيَيْنِ من حُسْنِ عِشْرَةِ سيدنا يوسف ومن نورِ صحبته -في فترة السجن- ما لم يُصِبْ مِنْ نوحٍ قومَه إذْ حَجَبَهم عنه ما حجبهم. وليس كالكِبْر والغرور والجحود حاجب.

طالع أيضا  تحت ظل النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم (8)

ومن يرد الله به خيراً يرزقْه قلبا مشتاقا يتعرض به لنفحاته سبحانه:

أخرج الترمذي عن عبد الله بن سلام قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة جئته لأنظر إليه فلما استبنت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب.

وانظر إلى حكمة الله في خلقه كيف يجحَد قومُ نوح نبيَّهم وقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، ما اهتدى منهم إلا قليل، وكيف يَفْطُنُ الْفَتَيَانِ –مع الْعِشْرَة- لأمر المحسن الذي شاركاه صحبة السجن، وكيف يتسلل اليقين إلى قلب سيدنا عبد الله بن سلام لأول نظرة نظرها إلى الحبيب صلى الله عليه وسلم.

نبي تكفي اللمحة الواحدة لتوقن بنبوته، على حدّ قول عبد الله بن رواحة في وصفه صلى الله عليه وسلم: لو لم تكن فيه آياتٌ مبيَّنة *** لكان منظره يُنْبِيكَ بالْخَبَرِ


[1] في رواية حفص عن عاصم: ﴿بُشْراً﴾.\