أجرى موقع الجماعة حوارا مع الأستاذ منير الجوري، أمين لجنة الفنون، عن الواقع الثقافي والفني بالمغرب في ظل المهرجانات الغنائية والفنية المتكاثرة، وعن حضور أو غياب القيم الفنية والجمالية في هذه المهرجانات، والحصار المضروب على الكلمة الهادفة واللحن الجميل والفنانين الأصلاء. هذا نصه:

سؤال:

ما موقفكم من المهرجانات الفنية والثقافية؟

جواب:

بسم الله الرحمن الرحيم. مبدئيا المهرجانات الثقافية والفنية جزء من منظومة ثقافية لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها في أي مجتمع من المجتمعات. ونحن نعتبر أن المهرجانات وسيلة فعالة من أجل التواصل الفني والتجريب الموضوعاتي والتربية الجمالية من خلال السمو بذائقة الإنسان بما يحقق تطهيره وتهذيبه الوجداني والروحي، فيكون ذلك باعثا على الفعل الإيجابي داخل المجتمع.

سؤال:

في السنوات الأخيرة ارتفع عدد المهرجانات بالمغرب، هل يعتبر ذلك دليلا على دينامية ثقافية وفنية ببلادنا؟

جواب:

لا يمكن أن نقيس الدينامية الثقافية والفنية بمؤشر عددي فقط، ذلك أننا أمام تقويم فعل اجتماعي ثقافي حيث يكون للكيف كلمته الحاسمة. وبناء عليه ففي الحالة المغربية لا يمكن أن نتحدث عن أي حركية فنية بالمعنى التطوري النمائي، بل هناك فقط عروض فنية بأعداد مكثفة دون أي استراتيجية بنائية تهم الثقافة والفن المغربيين، تحافظ على ثوابتهما وتخط لهما الطريق للعالمية. ما يحدث هو فتح نوافذنا وأبوابنا دون تحصين أو تمحيص لثقافات مختلفة ومتنوعة، من شأنها أن تؤسس لثقافة شوهاء تضيع معالمها وأسسها بين زوبعة التيارات المتناقضة. فأحيانا يصل الاختراق الثقافي إلى حد تفويت تسيير وتدبير بعض المهرجانات إلى أشخاص ليسوا مغاربة في الوقت الذي تعيش فيه طاقاتنا وفعالياتنا الفنية عطالة مستديمة، وهو ما يفقد التظاهرة صفة المواطنة فأحرى الدينامية.

سؤال:

في غياب استراتيجية فنية كما تقولون، لماذا كل هذا الكم الهائل من المهرجانات؟

جواب:

لا نحتاج إلى كثير من التبصر لنستنتج أن للسياسة والتجارة يد في الموضوع. ولا أدل على تسييس المهرجانات من أن وراء كل مهرجان شخص له مسؤولية سياسية وشبكة علاقات داخل الدولة، فهناك مهرجانات لمستشاري الملك وأخرى للوزراء وثالثة للبرلمانيين ورابعة لرؤساء الجماعات والبلديات. أما عن اليد التجارية فينعكس وجودها من خلال التهميش المبالغ فيه للمقاصد والمرامي الجمالية مقابل التسويق الإعلامي لعلامات تجارية بناء على عقود مجحفة في حق الفن والثقافة.

يتأكد الأمر أكثر أمام الغياب الكلي للتوثيق والبحث العلمي في ميادين الفنون بكافة أجناسها، حيث لا نكاد نجد أرضيات للنقاش الفكري بالموازاة مع أغلب هذه التظاهرات، كما يغيب المثقفون والباحثون ويوضع الفنانون المعتبرون على الهامش مما يحول الموقف برمته إلى بهرجة ليس إلا. يحدث كل هذا أمام أنظار الوزارة الوصية التي تكتفي بحضور حفلات الافتتاح والاختتام في أحسن الأحوال، خاصة بعد أن قررت هذه الوزارة تفويت المهرجانات بشكل نهائي إلى ما أسمته “المجتمع المدني”، وهي أول من يعلم أن الجمعيات، التي تُنَظَّم المهرجانات باسمها، واقعة تحت سيطرة سياسيين أو رجال أعمال لا يفقهون في الفن والثقافة أكثر من أنهما طريق سيار للوصول إلى أهدافهم المحددة.

سؤال:

ماذا يستفيد المواطنون والفنانون المغاربة والبلاد من هذه المهرجانات؟

جواب:

الفنانون المغاربة أول المتضررين من هذه الوضعية، فهم إما مغيبون تماما أو حاضرون لكن في مساحة هامشية، لا تستجيب لتطلعاتهم ولا تعطيهم حقهم في لقاء محترم مع جمهورهم ومحبيهم الذين يتم تهريبهم ذوقيا وفعليا إلى أنماط فنية أخرى، من خلال الدعاية والإعلام اللذين يطغى عليهما منطق الربح السياسي والتجاري. هذا الواقع يزيد من احتقار وتأزيم الوضع الثقافي والفني ببلادنا ويضع طاقاته الخلاقة والصادقة على الهامش.

أما المواطن المستهدف/الضحية المباشر بهذا المسخ، فمعاناته متعددة؛ فهو يُرَقَّص على ألحان تسرق كل نغمة منها مليارات من دراهم وطنه، التي كان الأولى أن يُضمن بها حقه في أدنى شروط العيش الكريم: تعليم وصحة وشغل ومسكن فيه ماء وكهرباء. كما تسرق هويته وثقافته ووجوده الحضاري، وأحيانا كثيرة تسرق دينه وصفاء قلبه وتكدر علاقته بخالقه، فيعيش حيرة وشتاتا روحيا وأخلاقيا. إذ أن الهوس السياسي الطامح لشغل الناس عن معاناتهم اليومية، والهوس التجاري الطامع لتحقيق أكبر ربح ممكن، ينزلان بالمستوى الفني للعديد من المهرجانات إلى حضيض الذوق والأخلاق، ويضربان الانتماء الحضاري والقيمي والروحي للمغاربة عرض الحائط.

سؤال:

ما هي في نظركم الشروط الذي يجب توفرها في المهرجانات في بلد كالمغرب؟

جواب:

ينبغي أن تكون المهرجانات تتويجا لعمل بنائي، ومحطة وصول لا نقطة انطلاق لتحقيق دينامية ثقافية وفنية حقيقية، تسير في تناسق وانسجام تامين مع مشروع مجتمعي متكامل يغطي كل المجالات الحيوية. وتكون البداية من إرادة سياسية صادقة راغبة في إقامة دولة العدل والقانون، إرادة تعطي الأسرة حقها في العيش الكريم، وتوفر للأجيال مجالات للتثقيف في مكتبة الحي ومسجده، في دار شباب المدينة ومعاهدها الفنية، وتفتح المنتديات الوطنية للتجريب ودعم الإبداع المنبعث من عمق التراث تطويرا وتحديثا، وتؤسس لأعراف ثقافية ينخرط فيها الرواد والشباب معا، وتوظف وسائل الإعلام لدعم حركة فنية ناضجة متجذرة حقيقية غير زائفة، وتنهي الحصار المضروب عن الطاقات الحرة والكفاءات المبدعة دون تمييز أو تحيز.

سؤال:

تقصد الحصار المضروب على فناني جماعة العدل والإحسان ومثقفيها؟

جواب:

أولا ليس فنانو الجماعة وحدهم من يتعرضون للحصار المخزني، لأن المستهدف بالحصار هو الكلمة الحرة الراقية الجميلة، وهي ليست حكرا على الجماعة، فبلدنا، ولله الحمد، يزخر بمبدعين مميزين يعطون الفن معناه السامي المترفع عن البهرجة ويدركون دوره وأهميته، ويسعون لترسيخ قيم الجمال والخير والرقي في نفوس أبناء الشعب. لكن حويصلة ساستنا وأهدافهم لا تتماشى مع هذه المعاني فتكون النتيجة الحصار والتهميش والتهجير للمبدعين الحقيقيين مقابل صناعة فقاعات فنية سريعة التحضير والانتشار.

ثانيا إن حصار فناني الجماعة وحرمانهم من حقهم في الفضاءات والمنتديات العامة، وتشديد التعتيم الإعلامي عليهم، والتنسيق الأمني على أعلى المستويات ضدهم، كل ذلك جزء من حصار شامل يمس كل قطاعات الجماعة وفئاتها، لكن ذلك لم يثنهم عن المضي في طريق الإبداع والتدافع والتجريب والتطوير رغم شح الإمكانيات وضعف فضاءات التصريف والاحتكاك. وعلى العموم، فإن سنة الله تقتضي دفاع الشر بالخير، ودفاع الظلم بالعدل، لكن البقاء للأسلم والأصلح. هذه هي سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا. وأمر المؤمن كله خير، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.