مدخل

مرة أخرى عاش المغرب “مهزلة” انتخابات، كان ينعتها الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله ب”السيرك”. وصف له دلالته وعمقه ولو أنه صيغ بأسلوب السخرية، لارتباط الظاهرة -أي الانتخابات- بمظاهر تخل بمنطلقاتها وتبعض غاياتها، من المصلحة العامة للبلاد إلى المصالح الخاصة لسماسرة اللعبة السياسية. وبذلك أصبحت العملية الانتخابية عندنا عبثا وضياعا للمال العام ومسلكا سليما للمفسدين وتجار الذمم أن يخرجوا من عنق صناديق الاقتراع باسم الديمقراطية والشفافية إلى فضاء رحب يمتصون دماء المستضعفين وينهبون خيرات البلاد والعباد، لذلك فالانتخابات عندنا في المغرب مهزلة وسيرك:

– سيرك تقدم فيه فرجة، فيه حركات بهلوانية مثيرة واستعراض عضلات وصراع أجسام.أبطاله رجال ونساء يعلمون حقيقة أنهم فوق حلبة وهمية، الرابح والخاسر فيها معلوم سلفا.كما تسلط فيه أضواء كاشفة لعورات مؤسساتنا المشرفة على تدبير الشأن العام.

– مهزلة لأن التاريخ يعيد نفسه، وخطاب وافد جديد يبنى على أنقاض سابقه. خطابات رنانة ووعود كبيرة تأخذ ببريقها القاصي والداني، لكن يبقى مغرب اليوم هو مغرب الأمس.

قراءة للانتخابات الجماعية 2009

جرت العادة عندنا في المغرب أن كل انتخابات تكون مسبوقة بحدث أو أحداث تهيئ المناخ الانتخابي ومصاحبة بظواهر تميزها لتعقبها نتيجة مرغوب فيها تضمن توازن المشهد السياسي بكبح أطراف وفسح المجال أمام أخرى، كل ذلك مؤداه ضمان استقرار وسلم اجتماعي ولو تم بناءه على قاعدة هشة وأسس غير سليمة.

1- قبل مرحلة الانتخاب:

– المناخ السياسي الدولي:

الساحة السياسية العالمية تعرف تغيرات عديدة ومتسارعة، يصعب على العقل البسيط استيعابها ومعرفة من يقف خلفها ويمسك بخيوطها. وأهم هذه التغيرات:

– الأزمة الاقتصادية العالمية التي أحدثت خللا في التوازنات المالية وإغلاق الشركات الكبرى وارتفاع معدلات البطالة في أمريكا وأوربا مما أثر سلبا على اليد العاملة المغربية في الخارج.

– السياسة الخارجية الأمريكية وغموض توجهها الجديد في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وبالتالي عدم تبلور صورة العالم الجديد و مستقبل الأوراش الكبرى لمسلسل الإصلاحات المملاة في العالمين العربي والإسلامي.

– تزامن الانتخابات المغربية مع انتخابات البرلمان الأوربي والانتخابات النيابية في لبنان والرئاسية في إيران.

كل ذلك جعل العالم يعرف حراكا سياسيا قويا،يجعل المراقب الدولي والمواطن المغربي يضع الانتخابات الجماعية المغربية في الميزان ويزن بصنوج ذات المعيار الثقيل.

– المناخ السياسي المحلي:

يعيش المغرب أزمة متعددة الجوانب تتجلى في:

– أزمة اقتصاد:

ترتبط بما لا شك فيه بالظرفية الاقتصادية العالمية المضطربة، كما ترتبط بشكل مباشر بسوء تدبير الإدارة وغياب الحكامة الراشدة الحقيقية.

– أزمة اجتماعية:

تتجلى في ارتفاع نسبة البطالة والهجرة السرية وإخفاق مسلسل الإصلاحات خاصة إصلاح التعليم

– أزمة سياسية:

تعرف الأحزاب المغربية على اختلاف مواقعها ومساراتها ومكانتها أوضاعا صعبة،انكشف ذلك بعد عقد العديد من المؤتمرات الحزبية، وبروز أزمات وصراعات وإفرازات مثيرة. وفي العديد من الحالات أقرت الأحزاب بنفسها الصعوبات التي تعيشها في المرحلة الراهنة، واعترف قياديوها بتآكل نفوذها وتراجعها التنظيمي، وبالمقابل برز الدور الذي تقوم به شبكات الأعيان والأفراد ذوي النفوذ في إعادة هيكلة الخريطة السياسية بشكل جذري، حاسم، وفي وقت وجيز.

الشيء الذي جعل المشهد السياسي المغربي يتسم بالجمود السياسي، الذي يهدد الاستقرار السياسي ويضعف التنمية الاقتصادية والاجتماعية،كما يعطل إمكانية التأطير التربوي والسياسي.هذا الإعلان الصريح والواضح- بلسان الحال أحيانا والمقال أحيانا أخرى- لأغلب الأحزاب السياسية على أنها تعيش أزمة ثقة وعدم قدرة على فعل سياسي قوي قادر على استقطاب الشباب وتأطير الشعب،كما تعيش أزمة هدر للزمن السياسي،شكل رسالة واضحة إلى المخزن الذي كان سريعا في رده من أجل:

• الحفاظ على توازن اجتماعي واقتصادي، ولو كان ظرفيا.

• الحفاظ على صورة تعكس واقعا ينعم بالديمقراطية والشفافية والمساألة، ولو كانت صورة وهمية.

• الحفاظ على مؤشر مريح يدل على مدى الانخراط في إدارة الحكم الرشيد، ولو كان نسبيا.بذلك ظهر حزب جديد –حزب الأصالة والمعاصرة- يسميه البعض “حزب الملك” أو “حزب الدولة”، دخل تحت دائرة الضوء، وأفرغ الهياكل التقليدية من مناضليها وجعلها أجسادا نخرة.

ظهر هذا الحزب مع مطلع سنة 2008 من أجل فرملة تيارات ومحاصرة مشاريع لتحقيق توازنات مصالح المخزن. حزب يسمى بالوافد الجديد، نشأ بشكل فجائي وسريع من رحم حركة أسمت نفسها “حركة من أجل الديمقراطيين”أسسها رجل يسمى بدوره “صديق الملك”. وأظن أنه لقب صنع تحت أعين من يعرفون دلالة الكلمة وفعلها. رجل خبر كواليس المغرب من داخل النواة وقذف به داخل المشهد السياسي في الوقت المناسب وفي المكان المناسب.

* زمن الأزمات:

– إخفاق الأحزاب التقليدية في تدبير الشأن العام.

– عزوف الشباب عن العمل السياسي ضمن الهيئات الحزبية الموجودة.

– اكتساح الحركة الإسلامية مجالات عديدة:النقابات والجمعيات.

* المكان:منطقة الرحامنة لكونها من أفقر مناطق المغرب.

* أسئلة لابد من طرحها:

بمناسبة انتخابات 12 يونيو 2009 ، نهج الحزب الجديد – رغم حداثته- أسلوبا في العمل التأسيسي والتنظيمي ذي بعد وطني، وأخذت حملاته طابعا وطنيا تجاوز الانتخابات المحلية.جعل المراقب والمهتم بالشأن السياسي المغربي يطرح أكثر من سؤال:

1. ما طبيعة هذا المنتوج الجديد؟

2. هل يشكل إعادة إنتاج ظواهر كانت مألوفة خلال المراحل السابقة؟

3. هل هو نتاج بحث المخزن عن سند سياسي يمكن الاعتماد عليه تجاه تهديدات قائمة؟

4. هل هي النتيجة الحتمية لتخوف المخزن من ضعف وتراجع دور الأحزاب المغربية التقليدية، الوطني منها والإداري؟

5. هل هي فقط ميكانيزمات سلطة تبحث عن تعبير سياسي على أرض الواقع السياسي؟

لست بصدد الإجابة على هذه الأسئلة في هذا المقام، لكن شهادة الواقع تؤكد أن هذا الوافد الجديد حرك الواقع السياسي المغربي. وأربك الكثيرين، فمنهم من التزم الصمت، ومنهم من أصابته الدهشة لما يراه من هول الترحال السياسي الجماعي ليطالبوا بتفعيل المادة 5 من قانون الأحزاب.حدث أدى إلى تباين المواقف السياسية للأحزاب التي وجدت نفسها أمام مأزقي: الانشطار أو التحالف.

فمن هذه الأحزاب من انشطر إلى أحزاب جديدة، ومنها من يبحث عن التكتل في تحالفات وجبهات القاسم المشترك بين الأولى والثانية البحث عن موطن قدم في المشهد السياسي الجديد بخطاب يحاول استمالة فئة عريضة من الشعب المغربي، ثم الحصول على أصوات تبارك ذلك التحالف أو ذاك الانشطار، ولو اقتضى الأمر التخلي عن الحوار الهادئ المسؤول الباني، إلى تبني خيار الصراع والعراك والإقصاء أو التنكر للذات.

2. أثناء الانتخابات:

ما طبع الحملة الانتخابية هو سلطة المال و الزبونية والقبلية في استمالة أصوات الناخبين.أمر لا يحتاج إلى ضبط المتلبسين خلال خرقهم لأبسط الأدبيات الانتخابية،رغم أن السلطة التزمت بالضرب على أيدي المتلاعبين بقواعد اللعبة.

حملة تميزت أيضا بطابع فلكلوري خلال عرض البرامج الانتخابية والجولات الانتخابية في الطرق والأزقة التي يقوم بها المرشح أو من ينوب عنه، في القرى أكثر من المدن، على شكل مسيرات طابعها الأهازيج والزغاريد والهتاف بقائد “التراكتور”أو”حامل المصباح”أو”صاحب السنبلة” أو “الميزان”… وهي رموز لها معنى أكثر من البرامج السياسية نفسها، لأنها تبقى راسخة في الذاكرة الشعبية.

3. بعد الانتخابات:

– الرابح والخاسر

إن الهاجس الكبير الذي استولى كثيرا على اهتمامات الدولة والفاعلين السياسيين هو مسألة المشاركة.فمنذ حقب طويلة، تم تسجيل انخفاض تدريجي ومنتظم في نسب المشاركة الانتخابية، حيث أنه “بالنسبة ل 20 مليون مغربي ومغربية، كان من المفترض أن ينتخبوا في انتخابات 12 يونيو 2009 ، لم يتم تسجيل إلا حوالي 13 مليون، بينما لم يشارك فعلا من بين هؤلاء إلا 7 ملايين، ومن بين 7 ملايين التي شاركت يجب أن تحذف “البطائق الملغاة”، حيث أنه منذ الاستقلال، استقر عدد البطائق الملغاة في أقل أو أكثر بقليل من مليون بطاقة، باستثناء الانتخابات التشريعية لسنة 2002، حيث لم يتم فيها تسجيل إلا700000بطاقة ملغاة. وفي الانتخابات المحلية ليونيو 2009، وصل عدد البطائق الملغاة إلى 850000 بطاقة. وهكذا سيظهر أن نسبة المشاركة بقيت منخفضة، وأن نسبة عدم المشاركة جد مرتفعة” 1 .

– التحالفات: هل هي حتمية أم اختيار؟

حسب النتائج الرسمية لصناديق الاقتراع، فإن الخريطة السياسية المغربية ممثلة نظريا بثلاثين حزبا، لكنها حقيقة لا تمثل إلا سبعة ملايين من أصل أكثر من عشرين مليونا، أي أن 13 مليون مواطن لا يجدون بغيتهم في هذه الأحزاب، كما أن ثمانية أحزاب فقط تمثل 90% من الناخبين، وأزيد من عشرين حزبا لا تمثل إلا 10% منهم، رغم التعديلات التي أدخلت على قانون الانتخابات، وخاصة العتبة التي ساهمت بشكل كبير في تجميع الأصوات.

واقع دفع بأحزابنا السياسية أن تقدم على تحالفات، ولو تعارضت المرجعيات، علما أن الذاكرة الشعبية سجلت ظاهرة التلاسن و التنابز بالألقاب في الساحات العامة و مختلف وسائل الإعلام، وتوصيف مناضلي هيئة من طرف أخرى -إبان الحملة الانتخابية- بالفساد والإفساد والرجعية…

لكن نتائج صنادق الاقتراع فرضت واقعا جديدا: عدو الأمس أصبح صديق اليوم، اليد المتهمة بالسرقة تتصافح مع اليد المدعية بالنزاهة،أهل الفساد يتحالفون مع أهل الصلاح

إنها تحالفات تحكمها المصالح الفردية والحسابات السياسوية والرغبة الهيستيرية في السلطة، تحالفات غيبت كذلك المشروع الحزبي وأولويات المؤسسة في بناء المجتمع ومصلحة المواطن. فعلى أية قواعد يجب أن تتم التحالفات؟


[1] حسب التقرير التركيبي للمنتدى المدني الديمقراطي المغربي حول ملاحظة الانتخابات الجماعية لـ12 يونيو 2009.\