أمة كالمطر

روى الإمام أحمد والطبراني والبزار -ورجال البزار رجال الصحيح- عن عمار بن ياسر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مثل أمتي مثل المطر لا يُدرى أوله خيرٌ أم آخره” 1 ، وفي رواية للطبراني: “مثل أمتي مثل المطر يجعل الله في أوله خيرا وفي آخره خيرا” 2 .

فضل أول هذه الأمة على آخرها بين جلي واضح، فهم رسل نبي الله صلى الله عليه وسلم إلينا، وهم المثل وبهم المعتبر، بهم اهتدى من بعدهم، وعلى منوالهم نسج اللاحقون، فازوا بصحبة رسول الهدى صلى الله عليه وسلم وفاز من بَعدهم بصحبتهم المتصلة، فتتابع الخير فيهم وتناقل، ما انقطع ذلك الخير عن الأزمنة والقرون الموالية، بل توالى واستمر، واستمرت الخيرية في الأمة سائرة بارزة مُتقدة أحيانا خافتة أخرى على قدْر الزمان وعلى قدر عظم الرجال فيه، وما خلا قرن من القرون من رجال عظماء كانوا للأمة سندا ودعامة ومجددين، تلك هي أمة رسول الله تعالى المبتدئة بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي في أولها صحبةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمنتهية بالمهدي عليه السلام، وبين أولئك نفر أعزاء عظماء أجلاء تبلغ بهم الأمة الذروةَ كأمثال عمر بن عبد العزيز، وأسد الأكراد صلاح الدين الأيوبي، وعُدَّ من أصحاب الفقه والعلم ومشايخ التربية ما شئت من أخيار، فما خابت أمة ولا وهنت كان أول عهدها رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وآخرهُ المهدي.

عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير قال لما اشتد حزن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما أصيب منه مع زيد يوم مؤتة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليدركن المسيح من هذه الأمة أقوامٌ أنهم لمثلكم أو خيرٌ ثلاثَ مرات ولن يخزي الله أمة أنا أولُها والمسيحُ آخرها” 3 . وعن عتبه بن غزوان أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن وراءكم أيام الصبر، المتمسك فيهن يومئذ بمثل ما أنتم عليه له كأجر خمسين منكم قالوا يا نبي الله أو منهم قال لا بل منكم قالوا يا نبي الله أو منهم قال لا بل منكم ثلاث مرات أو أربع” 4 .

نعم والله فعلى قدر فتنة الزمان وكلوحة الأيام يكون الأجر والتواب، وعلى قدر المصابرة والمجالدة والمجاهدة في التبليغ يكون المنال والفضل من أجر رب العالمين، فإن كانت القرون الفاضلة الأولى قد فازت بصحبة خير خلق الله تعالى محمد صلى الله عليه وسلم ومجاهدتها معه، واستماعها للوحي الغض الطري يتنزل على رسول الله يهذب النفوس ويربيها ويرشدها، فإن في إيمان الخَلَف برسول الله تعالى صلى الله عليه وسلم رغم عدم رؤيته مزيةٌ مقدمة ومعتبرةٌ بشهادة رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، فعن أنس رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وددت أني لو رأيت إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني” 5 ، إخوان رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين يأتون بعده مؤمنين موحدين سيرتهم سيرة أصحابه ونهجهم نهج تابعيه، على المنوال يحيكون، هم الخيط الواصل بين تلك القرون الفاضلة وآخر الزمان، بهم تمتد يد الهداية إلى قابل الشعوب من أهل الأرض، وعلى أيديهم تغرس الرحمة في كون الله كما غرسها الأولون المجاهدون الفضلاء.

طالع أيضا  عظماء التغيير(4).. المَثَلُ القدوة

ثم إن قدر الله تعالى يدخر لهذه الأمة في آخر الزمان جيلا فذا عظيما، ذلك أننا نقدر أن الخلافة الثانية الموعودةُ بها الأمة لن تكون إلا على أكتاف رجال عظماءَ هم من أمثال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يسير فيهم المنهاج كما كان على عهد أهل الفضل والتقى الأولون وهذا مقتضى قول رسول الله في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان: “.. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة”، لا تستسيغ آذانُنا تلك النظرة المتشائمة عن ذهاب أهل الفضل في الأمة وانحسار ذلك الفضل في القرون الأولى الفاضلة، هم كانوا رضي الله عنهم في الذروة، واحتلوا من ذلك مكان الصدارة، وحسبهم أن يخلد ذكرهم قرآنا يتلى ويردد، لكن ما تزال هذه الأمة معطاءة تجود كما تجود السماء بالمطر وحب الغمام، ولا يزال الفضل مدخرا لآخر هذه الأمة كما كان لأولها، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة” 6 ، وفي حديث نزول عيسى عليه السلام ذكر لفضل الثلة الباقية من أمة الرسالة، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق أو بدابق فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ فإذا تصافوا قالت الروم خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم فيقول المسلمون لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا فيقاتلونهم فيهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا ويُقتل ثلثهم وهم أفضل الشهداء عند الله ويفتح الثلث لا يفتنون أبدا فيفتحون قسطنطينية” 7 .الله أكبر إنما هي أمةٌ ** مرحومةٌ في ساعة الإبلاسلن ينقضي الخير في هذه الأمة ولن ينقطع منها، مادام فيها كتاب الله يتلى وسنة نبيه تقرأ وتعلم، وما ينقطع منها الرجاء ما بقيت فيها ألسن ذاكرة مسبحة موحدة.

طالع أيضا  عظماء التغيير (3)

قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ.


[1] مجمع الزوائد للهيثمي ج10 ص 68.\
[2] رواه الطبراني عن عمار وفيه ضعيف.\
[3] ابن أبي شيبة في مسنده والحكيم الترمذي في نوادر الأصول.\
[4] المعجم الأوسط للطبراني.\
[5] مجمع الزوائد للهيثمي ج 10 ص 66.\
[6] رواه مسلم.\
[7] رواه مسلم وابن حبان.\