أجرت شبكة إسلام اون لاين حوارا مع الأستاذ فتح الله أرسلان، الناطق الرسمي لجماعة العدل والإحسان، حول موضوع العلاقة بين الدعوي والسياسي وتصور وإدارة الجماعة لهذه العلاقة. نعيد نشره تعميما للفائدة:

سؤال:

أسستم سنة 1998 الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان وهي جهاز يعنى بالشأن السياسي، ويشتغل من داخلها أي ليس مستقلا تنظيميا أو قانونيا عن الجماعة، بخلاف ما هو عليه الحال عند حركات أخرى. لماذا اخترتم هذه الصيغة تحديدا؟ وما هي فلسفتكم في هذا الإطار؟

جواب:

لا بد من التأكيد على أهمية قضية العلاقة بين الدعوة والعمل السياسي، فهو موضوع حساس ومطروح على كل مكونات الحركة الإسلامية كما أنه ليس موضوعا جديدا إنما هو ملازم لتاريخ المسلمين، وشكل وما يزال تحديا حقيقيا لكل العاملين في حقل الدعوة الإسلامية، والإجابة عنه ما تزال تتبلور حسب تنوع التجارب، وأحسب أن الأمر يحتاج لمزيد من الجهود والاجتهادات حتى ينضج.

أما عن تجربة جماعة العدل والإحسان فقد انطلقت مع تأسيس الجماعة منذ ثلاثة عقود وليس فقط مع تأسيس الدائرة السياسية سنة 1998. فالدائرة السياسية تعتبر محطة جديدة من محطات تدرج جماعة العدل والإحسان في تدبيرها لهموم المسلم الموزعة بين همه الفردي سواء في علاقته التعبدية بالله عز وجل استقبالا لمآله الأخروي، أو في تدبيره لحياته المعيشية وما يحيط بها من هموم الدنيا وحياته الجماعية من دولة ومؤسسات وعلاقات وقوانين ونظم.

وكل همنا في هذه المرحلة هو تربية أعضاء الجماعة على التكامل في الشخصية حتى نجد العابد المتبتل الداعي إلى الله في مقدمة المهتمين بشئون الناس والمدافع عنهم ويحيا بينهم. وبالمقابل نجد المنخرط في قضايا الناس والشأن العام له حظه الوافر من زاد التقوى والصلاح وحسن الخلق والمسابقة إلى المساجد ومجالس ذكر الله تعالى، وهنا يكون تعدد المؤسسات في الجماعة فقط من باب التخصص لضمان الجودة في التنفيذ.

هذا حاليا، لكن في المستقبل عندما نصل إلى مرحلة تأسيس حزب أعتقد أن الأمر يتطلب نوعا من المرونة لما يقتضيه العمل الحزبي من انفتاح على شرائح واسعة ومرونة أكبر في شروط العضوية.

سؤال:

ما نظرتكم للعلاقة بين الدعوي والسياسي؟ وما إسهام كل من الحركة والحزب في المشروع الإسلامي؟

جواب:

الفصل هنا تخصصي فقط وإلا فالجميع معنيون بالهم التربوي والدعوي انسجاما مع ماهية الإنسان من الوجود وهي عبادة الله عز وجل مصداقا لقوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون.

فالمتخصص في قضايا السياسة والشأن العام ليكون أمينا مخلصا نزيها متعففا عادلا فلا سبيل له إلى كل هذا إذا لم تتحقق فيه العبودية لله واستشعار مراقبة الله تعالى له، والعبادة تتحقق بملازمة المسجد وذكر الله والصوم وفعل الخيرات وحسن السلوك مع الناس وغيرها من الفرائض والسنن وأحكام الإسلام.

كما أن المتخصص في الشأن الدعوي، أو بالأصح إدارة الشأن الدعوي وإلا فالدعوة يقوم بها الجميع كل بأسلوبه والوسيلة المتاحة له، فإنه معني بدوره بقضايا أمته وشعبه وكل محيطه مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم “من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم”.

هذه شروط الجماعة مع نفسها ومع أعضائها ولا نفرضها على أحد، أما في العلاقة مع الآخرين فنقنع منهم بالمروءة والقواعد والقيم الإنسانية المشتركة.

سؤال:

ما بين مزلق سرقة العمل السياسي لأطر الدعوة وضرورة إعداد الكفاءات الضرورية لتدبير الشأن العام، كيف تتصورن وتدبرون عملكم الدعوي والسياسي لتجاوز ذاك المزلق المحتمل وإعداد تلك الكفاءات الضرورية؟

جواب:

فعلا هذا من أكبر المزالق والمحاذير التي تأخذ جزءا من اهتمامنا وتفكيرنا وحرصنا، فقد أثبت الواقع جاذبية العمل السياسي والتدبيري واستغراقه لكل الإنسان، فهو يهدده بسرقته من مبادئه وقيمه، وبسرقته من محيطه الأسري والاجتماعي، ويسرقه أيضا من حزبه وحركته، ونحن في معالجتنا لهذا الموضوع نستند على ركيزتين مهمتين لتجنب مزالقه أو الحد منها بشكل كبير: المستند الأول هو تكثيف البرامج التربوية للأعضاء وشمولها لكل الفئات والحيثيات، فالمجالس التربوية والإقبال على المساجد وكل محاضن التزود التربوي تنتفي معها كل الصفات التنظيمية والاجتماعية ويجلس فيها الكل جنبا إلى جنب، ومؤدى كل هذه الوسائل التربوية هو تكوين شخصية يصبح كل ما تقوم به من وظائف وأعمال خادما للبعد الدعوي والجماعي على حساب الهموم الفردية المصلحية الضيقة.

أما المستند الثاني فهو أننا لا نحرص على تحمل مسئولية الحكم وحدنا؛ إنما نحرص على أن نكون طرفا ضمن أطراف المجتمع، وهذا سيعزز خيارنا الرامي إلى أن نساهم بعدد محدد من طاقاتنا وكفاءاتنا إلى جانب باقي طاقات وكفاءات الحركات والأحزاب الأخرى وعموم المجتمع.

سؤال:

المتتبع للمشروع النظري لمرشدكم العام عبد السلام ياسين كثيرا ما يقف عند تشديده على ما يسميه “العلاقة بين الدعوة والدولة” و”تبعية الدولة للدعوة”، هل لكم أن توضحوا للقارئ طبيعة هذه العلاقة وأسسها؟

جواب:

مسألة علاقة الدعوة بالدولة مفصلية في الفقه السياسي الإسلامي، ومما يزيد هذه القضية أهمية وخطورة أن معظم التجارب عبر التاريخ كانت سيئة ومأساوية، حيث نجد في الغالب تطرفا في أحد الاتجاهين: إما هيمنة الدولة على الدعوة وهذا هو الأغلب، أو نجد تدخلا مفرطا للدعوة في شئون الدولة، وهذا قليل في تاريخ المسلمين، لكن التجربة الغربية فيها كثير من هذا من خلال سيطرة “رجال الدين” على الحكم في القرون الوسطى وما نتج عنه من مآسٍ، وقد كان رد فعل السياسيين اللائكيين فيما بعد أكثر مأساوية عندما سيطروا على الحكم فأقصوا الدين مطلقا من الحياة وحاربوه مما نتج عنه تفكك خطير يعيشه الغرب اليوم مما دفع كثيرا من عقلائه إلى رفع نداءات للعودة إلى الدين والأخلاق.

ونحن في نظرتنا لهذه القضية نحاول أن نجيب عن سؤالين كبيرين شائكين: السؤال الأول كيف يكون للدعوة دور هام في بناء الدولة دون أن تتدخل مباشرة في التدبير السياسي وتشكل عائقا أمام التدبير اليومي السريع لشئون الناس؟

السؤال الثاني ما السبيل وبأي ضمانات يمكن أن يحفظ لأجهزة الدولة استقلاليتها وصلاحياتها من غير أن تهيمن على كل الشئون بما فيها الشأن الدعوي ورجاله فتحولهم إلى آلات تابعة لها يفصلون الدين على مقاس الاستبداد؟

ونرى مدخلين أساسيين لضمان التوازن المطلوب:

– مدخل التربية والتعبئة: هذا المدخل يضمن إعادة الثقة في السياسة والسياسيين المفقودة، ويشكل معيارا لتقلد المهام في كلتا الجبهتين، كما يضمن توفير سلطة التحكيم الواعية الفاعلة الممثلة في الشعب المغيب حاليا بشكل كلي.

– مدخل الحوار الشفاف: وهو يوفر شروطا مهمة لترتيب العلاقة بين مؤسسات المجتمع وأهمها آلية الشراكة وقيمها من تعاون وتياسر وتوافق، وشرط التعاقد المبني على احترام الدستور والقوانين.

أقول هذا وأنا أستحضر ثقل الواقع والتاريخ المليئين بعكس ما عبرت عنه من طموحات، لكن بالمقابل سنبقى دائما ملحين على هذه المداخل والأساليب بما أنها هي وحدها الكفيلة بتحقيق العدل.

سؤال:

ما قراءتكم للواقع السياسي المغربي؟ وما حجم تأثير القراءات السياسية المختلفة للأحزاب الإسلامية على طبيعة العلاقة بين الحركات الأم؟

جواب:

نرى، مثلما يرى عدد مهم من الفاعلين السياسيين والمراقبين والباحثين، أن الأزمة لا تزداد إلا عمقا، وأن جل التدابير المتخذة لا تزيد الجو إلا اختناقا، وأن الارتباك والارتجال سيدا الموقف، والأمر مرشح لمزيد من التدهور في غياب ما يدل في الأفق على وجود إرادة رسمية لحسم المشكل من أساسه، والأساس يبتدئ من شجاعة طرح الأسئلة التأسيسية وهي: من يحكم؟ وكيف يحكم؟ وما علاقة الحاكمين بالمحكومين؟ وأي أرضية يقف عليها المغرب؟

من غير هذه الجرأة فالوضع سيستمر في التردي والأزمة ستزداد استفحالا.

أما عن تأثير اختلاف القراءات السياسية في علاقتنا بباقي مكونات الحركة الإسلامية فإننا نسعى جميعا لأن يحترم كل منا اجتهاد الآخر مع الاحتفاظ بحق النقد والتقويم الهادئين، والواقع والزمن هما الكفيلان بإثبات صواب التجارب.

المصدر: إسلام أون لاين، 13-7-2009.