الحمد لله المستمر الدوام والبقاء، وهو أهل الحمد والشكر والمدح والثناء، هو الرب الواحد وكل من سواه مربوب ليس لعاقل من دونه معبود، ولا لعارف غيره محبوب. خلق الخلق ليربحوا عليه، ثم شرع لهم ما يقربهم به إليه ويحظيهم به لديه، فالصلاة نورهم، والصوم طهورهم، فمن أقام الصلاة وأدام الصيام فقد حصل له بربه الاتصال، وتم عليه منه الإنعام، ومن لا صلاة له ولا صيام فهو أضل سبيلا من بهيمة الأنعام. نصبت له موائد الكرم فلم يجلس مع الكرام الذين أخمصوا بطونهم من فضول الطعام، وأصمتوا ألسنتهم عن لاغيات الكلام، وفرغوا قلوبهم للمناجاة في جنح الظلام، فارتقوا إلى ذروة الرزق، وسقط غيرهم في مهول الحرام.مسني الضر من ركوب ذنوب *** أثقلتني بالوزر والآثام
كم زمان معظم فيه ترجى توبة *** من ركوب ذنب حرام
ثم يمضي يومي وشهري وعامي *** وسقامي كما عهدت سقامي
خادم الله لا يمل من الخدمة *** حتى يسقى بكأس الحمام
يا من أفْرَحَ 1 الهجرُ قلبَه قم إلى طلب الوصال! ويا من قد أثقلت الأوزار ظهره اطرح عنك هذه الأثقال! راجع المعهود، وراع العهود، واغسل بحلاوة الوصل مرارة الصدود.

أقبل الوصل حين ولَّى الصدود، فربيع الأفراح غض جديد، وراق الإقبال والعز والبهجة والأنس فوقتنا ممدود، وقميص الهجران والصد في إعراض، والبين والقلى 2 مقدود.

قم فقد أنجز لك يا مسكين من تحت تلك الوعود! كاد عود الوصال ينسى فعاد لما فيه، واخضر ذاك العود وانقضت دولة الشقاء والحزن، وأوفى سرورنا السعود.

احذر الطرد بعد ذا الصلح، ما في كل وقت يصالح المطرود. تب إلى الله من ذنوبك في وقتك هذا، فالوقت وقت سعيد لا تعد الذنوب، فالنكس في الإسقام بعد الإبراء منها شديد.

هذا وقت توبة المصرين، وتشمير المعْصِرين، وإقبال المعرضين، وانتباه الغافلين، فأذيبوا شحوم الشبع بنار الجوع، واتَّشِحوا بمشقة السهر من راحة الهجوع 3 ، واعتزلوا الشواغل الملهية، وأشركوا صلحاء الفقراء في طعامكم، وضموا الأرامل والأياتم إلى عيالكم، وأطيبوا المطاعم، وصونوا الجوارح، ونزهوا النفوس، وطهروا القلوب، والزموا الطاعة، وعانقوا القناعة، وأديموا العبادة، وأكثروا الذكر، وأقلوا اللغو، وأنزلوا أنفسكم بقية العمر بمنزلة مريض بحمى أياما قليلة رجا عافية الدهر أو بمنزلة كسير يحتمل مشقة الرباط ليحصل له الجبر.قد أطلتم صدي وطردي وهجري *** فمتى تجبرون بالوصل كسري
مسني الضر مذ هجرتم ومالي *** غيركم من أرجوه يكشف ضري
كم بعاد وجفوة وصدود *** قد فنى في البعاد والهجر بعدي
طال عنكم بالبعد صومي فمتى *** تغرب شمس النوى ويحضر قطري
يوم عيدي إذا انقضى الهجر عني *** أما ليلة الوصل فهي ليلة قدري
عند ربي الخير الكثير ولـ *** ــكــنــي حرمت الخير لشري
ربِّ جد لي برحمة تغسل العا *** رَ وتمحو وزري وتصلح أمري
من عرف الله بالرحمة رجاه، ومن عرفه بالانتقام فحق له أن يخشاه، ومن عرفه بما هو أهله من كمال الجمال انشرح برحيق هواه عن رجائه وخوفه حتى يلقاه. أصوم لوجهه عما سواه *** فلا إفطار لي حتى أراه
وأحمي منية الدارين قلبي *** فمالي فيه إلا رضاه
وكل هوى يميل إليه صب *** علي محرم إلا هواه
أوالي من يواليه بجهدي *** ولست بخاضع لسوى علاه
الأوقات الشراف مواسم الأشراف يعرفون لها جلال قدرها، ويرغبون إلى الله في عظيم تزيد العامل نشاطا في العمل، وتطلق العاطل من عقال الكسل، فأقيموا في هذه الأوقات المباركة دين الله حق الإقامة، ولا تهتموا بتحصيل الغنيمة إلا بعد إحراز السلامة، فإن فاعل الخير غانم، وتارك الشر سالم، والعاقل هو الذي تهمه سلامته من المعاطب قبل أن يهمه تحصيل المكاسب. فردوا المظالم إلى المظلومين قبل أن تتصدقوا على الفقراء والمساكين، واجعلوا عنايتكم بأوامر المفروضات والواجبات مقدمة على التطوع بالنوافل والمستحبات، وصونوا بطونكم عن المكْس 4 والغَصْب 5 قبل أن تصونوها عن المأكول والمشروب، وأمسكوا ألسنتكم عن الكلام القبيح، وأطلقوها بالتهليل والتسبيح.

فإنما ينتفع المريض بشرب الدواء بعد حمية من أسباب الداء، فأما أهل التخليط على نفوسهم في أمر أبدانهم وأديانهم فهيهات أن يقوم ربحهم بخسرانهم.أسس الدين بالتقى يرتقي كل مرتقى *** إنما ينفع الدواء إذا صادف التقا
ارحموا مدنفا يذوب عليكم تشوقا عيده *** يوم يصبح العود بالوصل مورقا
العاصي لا يزداد بطول الحياة إلا مقتا وطردا، وكل صلاة لا تنهى عن الفحشاء والمنكر لا تزيد العبد من الله إلا بعدا. ما عدل من خلقه الله ورزقه ثم صار لغير خالقه ورازقه عبدا، يوجب بمخالفته مقتا ويطمع أن ينال ودا، أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا، أكذب الرجاء رجاء أهل الإساءة، وأسوأ الجزاء جزاء أهل المعصية، وأمقت الخلق إلى الله عبد مسيء في عمله معجب بنفسه.

من صام وأفطر على الحرام فلا صام ولا أفطر، ومن حج بنفقة من حرام لم ينظر الله إليه ولا إلى حجه.

اجتهد أن تتوب قبل أن تموت، فما أعسر خلاص من لقي الله مصرا على ذنبه! إذا لم يتيسر لك ترك جميع الذنوب فاترك الكبائر والمظالم، فإن الصلاة والصيام والاستغفار تكفر ما سوى ذلك من المآثم.

إذا عاملت ربك بأمرين كفاك ما سواهما؛ الإسلام والتوبة. فإن أضفت إليهما التمسك بالسنة فأنت من ملوك الجنة، فإن رزقت مع ذلك الذكر الكثير الخالص فأنت من ملوك أهل الحضرة.

نافسوا في اقتناء النفائس فإنما يجني أحدكم ما هو اليوم غارس. كم من فارس اليوم، وهو غدا راجل! وكم من راجل اليوم، وهو غدا فارس!

لا إله إلا الله شارع الشرع بحكمته، لا إله إلا الله مجازي العاملين بجنته، لا إله إلا الله مخصص العارفين بحضرته، لا إله إلا الله غامر الخلق برحمته.

من كتاب التذكرة في الوعظ لأبي الفرج ابن الجوزي رحمه الله.


[1] أَفرَحَه: غَمَّه وأَزال عنه الفَرَحَ. وأَفْرَحَه الدَّيْن: أَثْقَله.\
[2] القِلى: البغض.\
[3] الهُجُوعُ: النوْم ليْلاً. هَجَعَ يَهْجَعُ هُجُوعاً: نامَ، وقيل نام بالليلِ خاصّة.\
[4] المكس: الجباية. دراهم كانت تؤخذ من بائع السِّلَع في الأَسواق في الجاهلية.\
[5] الغَصْبُ: أَخْذُ الشيءِ ظُلْماً.\