تأصيل

يقول الحق سبحانه: إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم، لا تحسبوه شرا لكم، بل هو خير لكم. لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم. والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم قيل في تفسير الآية 1 : الإفك أبلغ ما يكون الكذب والافتراء، والمقصود به تخصيصا هو افتراء المنافقين ـ وعلى رأسهم ابن سلول ـ على أم المؤمنين عائشة واتهامها في عرضها في محاولة للنيل من شرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخدش مقام النبوة. وقد أخبر الله تعالى أن في هذه المكيدة والسلوك الجبان خيرا كثيرا للمؤمنين عامة ولأم المؤمنين عائشة الصديقية رضي الله عنها خاصة وافتضاحا لطابور المنافقين. فقد كان الافتراء تمحيصا لصف المسلمين ورسوخ أقدامهم في الإسلام، وكشفا لما تنطوي عليه قلوب المنافقين المريضة من خبث ونوايا تآمرية على المشروع الإسلامي ممثلا في عرض قيادته النبوية، وتكريما لأم المؤمنين عائشة إذ تكفل الحق سبحانه بتبرئتها وحيا وقرآنا يتلى إلى قيام الساعة.

وتقريرا لحُرمة شرف المسلم والناس عموما اعتبر القرآن الكريم الخوض في مثل هذه الأحاديث والمشاركة في ترويجها إفكا مبينا وبهتانا عظيما. إن رمي الأبرياء وطعنهم في أعراضهم من أعظم الموبقات والجرائم، لذلك جاء العتاب القرآني لمن انخرط بوعي أو عن غير وعي في هذه المؤامرة من خلال ثلاثة مستويات: تلقيه بالألسنة والسؤال عنه، والثاني: التكلم به ونشره، والثالث: استصغاره والتقليل من وزره. يقول عز سلطانه: وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم.

صناعة الإفك والبهتان

منذ نشأتها قبل عقود تعرضت جماعة العدل والإحسان لأنماط شتى من المؤامرات، فقد جرب المخزن أسلوب التشويش الفكري وأوعز لوكلائه بطبع الكتب وتسجيل الأشرطة المرئي منها والمسموع، وجند أقلاما تدعي الأكاديمية والبحث العلمي للتنقيب في أدبياتها لفضح تناقضاتها التصورية وكفرها بالديمقراطية وخطرها على الديمقراطيين، واختلق منافسين وهميين لها في الساحات السياسية والطلابية والدعوية، قبل أن ينفذ صبره لينتقل إلى سرعة أكبر فيغرق المحاكم بآلاف أعضائها نساء ورجالا، شيوخا وأطفالا، ويشمع البيوت ويطرد أهلها، ويضيق على الأرزاق و”يبتكر” التهم ليجز بالأبرياء في غياهب السجون.

ولما تيقن أن هذه المضايقات تزيد من شعبية الجماعة وتقوي حضورها في المجتمع لا سيما بعد نكستي 7شتنبر2007 و12يونيو2009 قرر أن يستعمل سلاحا بدائيا عساه يشوه به سمعة الجماعة ويقوض جماهيريتها ومدها الشعبي الآخذ في التنامي فضلا من الله تعالى ونعمة. قرر المخزن أن يستعمل كل الأسلحة دون انضباط لأي معيار أخلاقي أو إنساني، وزج بالجماعة مستعملا تقنية الربط العجيب في ملف الاتجار بالمخدرات.

لجأ إلى أسلوب الشائعات والأباطيل والبحث عن تلفيق التهم بأسلوب القفز الثلاثي وربط العلاقات العجيبة بين موقوف من طرف الدرك الملكي بتطوان وبين جماعة العدل والإحسان ليتوارى اسم الموقوف في الظل ويركز على اسم الجماعة. علما أن المسلم به في مجال التحقيق في هوية الموقوف أن يعرف اسمه واسم أبيه واسم أمه قبل أي شيء آخر؛ بمعنى أن السلطة تعرف يقينا أن لا علاقة بين الموقوف وبين الأستاذ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان؛ لكنها النية المبيتة واللهفة للظفر بأي اتهام مهما كان ضعيفا أو مرفوضا للنيل من سمعة جماعة استعصت على الترويض، ولم تستهوها إغراءات المخزن وعروضه، فلجأ ـ يائسا ـ إلى الضرب تحت الحزام بلغة الملاكمة فأقحم بشكل تعسفي اسم الجماعة في قضية يعلم المخزن قبل غيره أنها بريئة منها براءة الذئب من دم من ابن يعقوب. اتهام تفتقت عنه “العبقرية” المخزنية بحيث لو قدر الله تعالى أن عاش في زماننا سيدنا نوح عليه السلام لتمت متابعته بجريرة ولده، وتوبع سيدنا إبراهيم عليه السلام بوزر أبيه آزر.

أسلوب دنيء ينم عن ضعف وعجز عن إدارة الصراع ـ المعلن من طرف المخزن على الجماعة ـ وعجز عن المواجهة الشريفة، وإلا ما الذي يمنع دولة بهيئاتها و”مفكريها” أن تنازل الجماعة من خلال حوار هادئ حول مشروعها التغييري وتصورها لإخراج البلاد مما هي فيه من انسداد أفق في أكثر من مجال، أو تثبت عبثية هذا التنظيم وينصرف عنه الشعب.

أتساءل كما يتساءل كل عاقل: ما الذي يجعل جماعة العدل والإحسان تحظى بكل هذا “الاهتمام” المخزني؟

ولماذا التركيز عليها واستئجار أقلام مرتزقة في صحافة الرصيف تكيل لها التهم كيلا، فمن الخرافية إلى انعدام الرؤية السياسية إلى الانقلابية إلى الاتجار في المخدرات إلى …؟

إذا كان الأمر كما يقولون، فالجماعة أضعف من أن ينشغلوا بها، أم أن الحقيقة شيء آخر يؤكدها صواب قراءتها للواقع، وتفسرها جماهيريتها المتنامية، ويشهد بها زحفها الحثيث تغلغلا رحيما لطيفا في الشعب رغم الحصار والتعتيم والتضييق وآخرها حملات التشويه ونشر الأراجيف.

كلمة أخيرة نهمس بها في أذن من ما زالت فيه مُـسحَةُ مروءةٍ وحياءٍ قول الله تعالى ووعيدُه لمن لا يتورع عن استهداف أعراض الأبرياء لعله يَرْعَـوي: والذين يوذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبنيا.


[1] صفوة التفاسير الجزء الثاني ـ سورة النور.\