عندما تطأ قدماك المسجد وتجلس القرفصاء في زاوية من زواياه، تتصبب عرقا، وأنت غارق في خجلك أن غبت عنه أياما.. وأذنا قلبك تكاد تسمع عذل المئذنة والمحراب وسائر أركانه الطاهرة التي بالكاد تذكرك…

عندما تجيل نظرك في رحاب بيت الله فترى عماره المومنين، من إخوانك وجيرانك يهزون رؤوسهم ليحيوك بابتسامة ود ونظرة عتاب، أنت وحدك تعرف مغزاها..

عندما تلفح شمس الصباح وجهك، كأنها تحوقل على غفلتك، وتأسف على نومتك التي أضاعت عليك صلاة الصبح. تستيقظ.. وبدل أن تتردد في داخلك حكمة أو آية أو إشارة.. تجد نفسك تردد كلمات من عالم الظلمة لا من عالم النور..

عندما تصير فضيلة حببها الله إلى قلبك عبئا ثقيلا تنوء به نفسك التي خربها فتور دام شهورا أو سنوات..

عندما تلتطم فيك أمواج الغفلة، لتضرب صخور الضنك، فيتناثر رذاذ الفتنة على وجهك مذهبا ما تبقى من نوره وألقه..

عندما تجاوز منك جارحة حدها.. ولا تبالي. فتأتي الخير على مضض، كمن يساق إليه بالسلاسل. ويخليك الشيطان لحال سبيلك بعد أن أيقن أن ما تفعله نفسك بك أعظم مما يكيد ويدبر.. فتأتيك الفتن من جهاتك الستة.

عندما تمسك بمصحفك، تقلب صفحاته، تتلو منه بضع كلمات، ويعتريك إحساس غريب بأن الكتاب الكريم لا يعرفك، لأنك هجرته منذ زمن.. تستظهر آياته فتتلعثم، لأنها نسيتك.. فهي أشد كبرياء من أميرة عاشقة..إن هجرتها.. نسيتك.

عندما تعصيك الدموع وتأبى أن تسيل على خديك، كأنها تمردت على نفاقك وسئمت من كثرة ما تنكث عهود التوبة..

عندما تلتقي مسكينا ولا تألم لحاله.. إذ من فرط أنانيتك صرت تحسب الكون برمته مجرد “ديكور” وضع في خلفية حياتك.

عندما تمد يدك بالصدقة، بحركة لا روح فيها -لأنها صارت مجرد عادة- فلا تدعو لك العجوز كما عودتك.. بل تنظر إليك نظرة بلا معنى قبل أن تغمغم ببضع كلمات..

عندما تسمع الأذان ولا تلبي..

عندما تمر بجوار قبر فتنظر إليه شزرا.. ثم تمضي لحال سبيلك..

عندما تصلي ولا تأخذك رقة لوقوفك بين يدي الله.. رقة كل ثانية منها كقطرة ندى تغسل عن فؤادك ما علاه من أوساخ..

عندما ينكرك من حولك.. بل عندما تنكر نفسك.. ولا تعرف إن كنت أنت أنت.. أم أنك “شيء” آخر..

عندما يستوطن ذهنك اللاشيء واللامعنى واللامبالاة وضد كل فكرة جميلة خالجتك فيما مضى. تسرح بعيدا.. وبدل التفكر، تراك تفكر في دنياك وعملك ومالك وفتاة أحلامك..

عندما تحتار من أين تبدأ لتعيد بناء ما انتقض وتؤوب لطريق سلكتها أعواما وحدت عنها..

عندما وعندما وعندما… فاعلم أنما أتيت من همتك وصدقك.. إذ حاشا أن يكون الثلم في صحبتك أو في سربك ووردك.. فـاصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه وكان أمره فرطا.