الفقرة الثالثة: مشروع السيد ادريس خليل (1996)

إذا كان المشروعان السابقان ظهرا في أحضان وزارة التربية الوطنية، فإن هذا المشروع الأخير سيظهر في ظل وزارة مستقلة للتعليم العالي والبحث العلمي، وسيقترحه السيد ادريس خليل وزير التعليم العالي والبحث العلمي آنذاك في شهر أبريل من سنة 1996.

هذا المشروع الأخير، الذي هو الأضخم من حيث عدد الصفحات، والأكثر تفرعا وتشعبا، انطلق من نفس منطلقات المشاريع السابقة، وأكد في كثير من الأحيان نفس المحتويات، مع تسجيل بعض الاختلاف والتباين.

أولا: على المستوى التنظيمي والمالي

حدد المشروع أهداف المنظومة الجديدة للتعليم العالي فيما يلي:

أ. وضع مقاربة جديدة للتسيير الإداري والتدبير البيداغوجي في التعليم العالي تطبعها العقلنة والتنسيق والفعالية؛

ب. تحقيق جامعات تؤدي أدوارها أحسن أداء، وتنجز المهام الموكولة إليها في مجالات التكوين، وتقدم المعارف، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية؛

ت. صياغة نظام ينبني على التنافس والتنويع والضبط، ويلبي حاجيات التعليم العالي المتزايدة؛

ث. وضع إطار مؤسساتي كفيل بدفع القطاع الخاص إلى الإسهام في الجهود المبذولة قصد تطوير التعليم العالي والبحث العلمي ببلادنا.

انطلاقا من هذه الأهداف اقترح المشروع انتظام التعليم العالي في معاهد وجامعات، بحيث تنقسم المعاهد إلى نوعين: المعاهد العليا للتعليم الأساسي والمعاهد العليا للتعليم التكنولوجي. وإذا كان النوعان يشتركان في مدة الدراسة، التي هي سنتان؛ فإنهما يختلفان من حيث نوع التخصصات، فالنوع الأول يهدف إلى تحقيق التوازن بين تمهين التكوين وتخصصه من جهة أولى؛ وبين الثقافة والتكوين من جهة ثانية. أما النوع الثاني فغايته الأولى “تأهيل المتعلمين للممارسة المهنية”.

وفيما يرتبط بالجامعات فهي تستقبل خريجي تلك المعاهد، وتنقسم إلى ثلاثة أنواع: الجامعة العمومية، الجامعة ذات الهدف غير التجاري، والجامعة الخاصة. وإذا كان الفرق بين الصنف الأول والصنف الثالث من الجامعات لا يثير إشكالا، فإن الفرق بين الجامعة العمومية والجامعة ذات الهدف غير التجاري لم يكن واضحا بالشكل المطلوب. فإذا كان ما يميز الجامعات ذات الهدف غير التجاري حسب المشروع “إيجاد من يرعاها ومن يمول أنشطتها من القطاعين الخاص والعام، بوازع آخر غير وازع الربح”، فلنا أن نسأل ما هو هذا الوازع الآخر؟ وإلى أي حد ينسجم هذا التصور مع إمكانات القطاعين العام والخاص؟

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -11-

ويقترح المشروع بخصوص اختيار مسؤولي الجامعات ومسؤولي مؤسسات التعليم العالي الانتقاء حسب “دفتر التحملات والشروط” باعتماد لجنة تدعى لجنة الحكماء تعينها السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي، تتولى دراسة ملفات الترشيح، وترفع أسماء المرشحين الثلاثة الأوائل إلى نظر الملك قصد التعيين بظهير شريف. أو إلى مجلس الحكومة فيما يخص التعيين بمرسوم 1 .

أما فيما يخص التمويل فقد دعا المشروع إلى توسيع نطاق الموارد وتنويعها، وذلك بمساهمة كل من القطاع الخاص والجماعات المحلية والجمعيات المهنية والمؤسسات المالية والمنظمات الدولية، وحدد أهم أشكال التمويل فيما يلي:

أ. رسوم تسجيل الطلبة؛

ب. المخصصات المالية التي تصرفها الدولة لفائدة التعليم العالي؛

ت. المساعدات التي يمكن أن تقدمها الدولة للجامعات التي ليس لها هدف تجاري أو للجامعات الخاصة؛

ث. استغلال بعض الأشكال التمويلية التي تعتبر من تقاليد مجتمعنا العربي الإسلامي كالهبات مثلا مع تطويرها وتوسيعها؛

ج. عقود تقديم الخدمات التي تبرم بين الجامعات ومختلف الفاعلين الاقتصاديين؛

ح. ثمار إدارة أموال الجامعة التي تتشكل من قيم منقولة أو عقارات تمنحها الدولة أو الجماعات المحلية إلى الجامعات؛

د. عقود الكراء والاستغلال التي تبرمها الجامعة مع بعض الفاعلين.

ثانيا: على المستوى البيداغوجي

جاء في الصفحة 45 من المشروع: “كل من النظام التربوي والمناهج التعليمية مقبل على التطور والاتجاه نحو المزيد من الليونة، من أجل التأهيل لما تقتضيه مبادئ الفعالية وإشراك العاملين في المسؤولية. لذا يتعين على النظام التربوي أن يمكن من رسم سبل العمل العامة في تحديد المضمون، وتنظيم السنة الجامعية، وعدد أسابيع التدريس، وطرق التسجيل، والبرامج وقنوات التكوين…”.

هكذا يتبين أن المشروع يتبنى نظام السنة الدراسية، وليس نظام الوحدات الدراسية، وهذا راجع في اعتقادنا إلى الوعي بغياب الإمكانات المادية والبشرية التي يحتاجها هذا النظام الأخير من جهة أولى، وإلى المعارضة الطلابية التي لقيتها محاولة الإصلاح التربوي في المشروعين السابقين من جهة ثانية.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -25-

وكرس المشروع من جديد ما جاء في مشروع السيد محمد الكنيدري فيما يرتبط بضرورة توجيه التلاميذ الناجحين في الباكالوريا، بناء على الطاقة الاستيعابية لمؤسسات التعليم العالي من جهة أولى، ورغبة الطلبة من جهة ثانية 2 . كما قرر أن أهداف المناهج في المعاهد العليا تتلخص فيما يلي:

أ. تحصيل مجانسة بين مستويات الطلبة؛

ب. تيسير امتلاك المعارف الأساسية والتخصصية؛

ت. تدريب الطلبة على بذل المجهود الشخصي واكتساب روح المبادرة والتكيف بالعمل في إطار جماعي؛

ث. امتلاك اللغات وأساليب الاتصال؛

ج. التكيف مع حاجيات سوق العمل.

وجعل المشروع من أهداف جهاز التقييم والاعتماد المقترح لمتابعة مؤسسات التعليم العالي وتقييم أدائها: تحسين جودة التكوينات ورفع درجة فعاليتها والتنسيق بين مختلف المناهج الدراسية.

ثالثا: على مستوى البحث العلمي

بعد أن قسم المشروع البحث العلمي إلى بحث أساسي وبحث تطبيقي وتكنولوجي وتنموي وحر دون التمييز بين مختلف هذه الأنواع، حدد مهام البحث العلمي فيما يلي:

أ. استيعاب التكنولوجيات والتحكم فيها؛

ب. الإسهام في تطوير التقنيات؛

ت. الإسهام في تقدم مجالات المعرفة والإشعاع العلمي والثقافي؛

ث. الإسهام في التنمية الاقتصادية وفي انبثاق ثقافة الإبداع.

واقترح تنظيمه عبر العديد من الأجهزة أهمها على المستوى الوطني: المجلس الأعلى للبحث العلمي والمؤسسة الوطنية للبحث العلمي 3 . يضاف إليهما مجموعة من الأجهزة الأخرى من مثل مخابر ومراكز البحث الجامعية، المركز الوطني للبحث والتكنولوجيا، المخابر والمراكز التابعة للمؤسسات العمومية وشبه العمومية…

وتتحدد مصادر تمويل هذه الأجهزة فيما يلي:

أ. المخصصات العمومية التي تعرفها السلطة الوصية؛

ب. اتفاقات التعاون الدولي؛

ت. عقود البحث المبرمجة مع الفاعلين الاقتصاديين.

ومن أهم ما دعا إليه المشروع تهييء إطار قانوني للبحث العلمي.

ويضاف إلى كل العناصر السابقة اقتراح وضع ميثاق التعليم العالي والبحث العلمي يضم كل القوانين المنظمة سواء للجامعات أو المعاهد أو البحث العلمي. ودعا إلى الاهتمام بالخزانات وأنظمة الإعلام، وتميز بدراسات الجدوى وحصره لبعض عناصر التنفيذ.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -24-

ومع كل ذلك يبقى المشروع متأثرا ببعض الظروف المحيطة به منها تقرير البنك الدولي لسنة 1995، وتفاقم ظاهرة بطالة الخريجين، وبعض الأحداث التي عرفتها الجامعة آنذاك. ومن أهم ما يسجل عليه اقتراحه لتدابير لا تنطلق من الإمكانات المادية والبشرية المتاحة في الواقع، وقد يكون هذا من أسباب عدم تطبيقه. بالإضافة إلى إغفاله لبعض الجوانب المهمة من مثل النظام الأساسي للأساتذة الباحثين 4 ومسألة تنظيم الطلاب.

بعد هذا العرض الوجيز لمختلف هذه المشاريع لنا أن نسأل لماذا لم يعرف أي مشروع منها طريقه إلى التطبيق بصفة كاملة؟ ثم إذا كان هذا القصور عن التطبيق راجع في بعض أسبابه إلى الإمكانات المادية الضعيفة، كما يصرح بذلك بعض المسؤولين، فمن يتحمل المسؤولية؟ ألا يقع الجزء الأكبر من المسؤولية على من وضعوا تصوراتهم لإصلاح التعليم العالي فوق سماء حالمة لا تناسب أرض الواقع وإكراهاته؟ ثم أليست هذه المشاريع كلفت أموالا طائلة دون جدوى؟ بل أليس يشكل هذا الارتجال الذي يتخبط فيه التعليم العالي سببا في هذه “الضائقة المالية” التي يتذرع بها أصحاب القرار من حين لآخر؟

إن من أسباب فشل هذه المشاريع طابعها الوصائي، حيث وضعت في إقصاء تام للمعنيين بها، مما جعلها تحظى باعتراض مبدئي خاصة من الأساتذة والطلاب. ومع ذلك فقد أبت السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي مرة أخرى إلا أن تفرض بعض أجزاء مشاريعها عبر مراسيم. كيف ذلك؟


[1] هي نفس المسطرة التي اعتمدها القانون الجديد المنظم للتعليم العالي كما سنرى ذلك في أوانه.\
[2] سبق أن رأينا الدعوة إلى نفس الإجراء في بداية الثمانينات.\
[3] المجلس الأعلى أداة حكومية مكلفة باقتراح سياسة وطنية في مجال البحث العلمي، والمؤسسات الوطنية هدفها الرئيسي تحديد وتوفير موارد تمويل المشروعات والبرامج ذات الأولوية.\
[4] يبدو أن هذا الإغفال كان عن قصد لأن فترة إعداد المشروع شهدت حوارات مكثفة بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والنقابة المعنية حول النظام الأساسي للأساتذة الباحثين (انظر ما سيأتي لاحقا).\