4- مدخل إنقاذ المنظومة التربوية التعليمية

فالمراقب للنقاش الدائر حول فشل الإصلاحات المتعلقة بالمنظومة التربوية التعليمية بالمغرب، بل لواقع الانهيار الكلي لهذه المنظومة، يكتشف أن هذا النقاش لم يتطور إلى مستوى تدقيق المدخل الكفيل بتحقيق المرجو من أية منظومة تربوية تعليمية في أي بلد.

وإذا تبث بالتحليل أن هذا الفشل الدائم وهذا الانهيار الكلي ارتبط بالاختيارات المرجعية الكلية، أي بما يسمى المرتكزات الثابتة وما بني عليها من اختيارات إجرائية، فإن المدخل ينبغي أن يتجاوز المستوى “التقني” والإجرائي في أي إصلاح ليقف على كليات مدخلية كفيلة بتحقيق الإقلاع الضروري لمنظومتنا التربوية التعليمية.

إن منظومة تربوية تعليمية حينما تفككها إلى مرتكزات ووحدات وتنجز بهذه الحلقات المفككة عملية جمع: مرتكزات + ثوابت + تفاصيل المنظومة = عاش الاستبداد والتبعية، إنما هي منظومة تحتاج إلى عملية كبرى تفضي إلى تحقيق القطيعة التامة معها.

ولاشك أن موقع أية منظومة تربوية تعليمية ضمن حركة المجتمع على الصورة المغربية المبينة أعلاه يعقد هذه العملية الكبرى. لذلك يحتاج الأمر إلى عملية تفكير كبرى تحتضن وتؤطر هذه المهمة (تحقيق القطيعة نظرا لعدم جدوى الإصلاح في الظروف الحالية) بحيث تحقق تغطية جميع مفاصل وارتباطات المنظومة بما ينجز التوازن الضروري في عملية التغيير الكلية.

ولذلك ينبغي الاشتغال على واجهتين عمليتين:

الأولى: العمل من داخل المنظومة بما يحقق اختراق قيم التغيير المطلوب أو يدافع عنها وينجز ما يمكن إنجازه منها، إذ لا يمكن تعطيل حركة هذه المنظومة في أية لحظة إلا إذا كانت لحظة وجيزة ضرورية تحصل في إطار لحظة انتقال سريع، كما حصل عند تغيير بعض الأنظمة السياسية في ظرف سياسي مفاجئ يقتضي التوقف لوقت وجيز، أو في لحظات حرب أهلية مدمرة أو عند عدوان خارجي شامل كما حدث في غزة في الحرب الأخيرة. وهذا لا ينطبق على اللحظة المعيشة في المغرب، بل غير مناسب استحضاره عند التفكير في المدخل، وحتى إن استحضر فالزمن الذي يستغرقه قليل وخاضع لدرجة الاستعداد القبلي لدى قوى التغيير في القضية.

ولذلك على كل من له علاقة بالمنظومة التربوية التعليمية التحرك من موقعه أيا كان هذا الموقع وأيا كان هذا الشخص، فردا أو مؤسسة، وفي أي مناسبة ليقدم ما يمكن تقديمه لأجل إنقاذ فلذات الأكباد من تلاميذ وطلاب وتقديم أية خدمة مهما كانت جزئية لمستقبل الأمة وأجيالها، ذلك أن الواقع الذي عليه هؤلاء التلاميذ والطلبة اليوم سواء في مجال التعليم العمومي أو الخصوصي واقعا مؤلما ويؤشر على مستقبل من الانهيار الكلي للمجتمع وحركته.

وهنا ينبغي أن تتحرك المؤسسات النقابية من أساتذة ومعلمين وتلاميذ وطلبة وفق روح جماعية للضغط على الجهات المعنية للسماح لكل الأطراف لتشارك في تصحيح مضمون ومسار وسياق حركة منظومتنا التربوية التعليمية، فضلا عن كل الأعمال التي يقوم بها كل واحد من موقعه عند إنجاز أية مهمة من داخل حركة المنظومة.

إن على الجميع أن يساهم في تحقيق التصالح المطلوب بين الشعب المغربي وبين منظومة لها صلة جوهرية بفلذات أكباده وبأجياله، ولا يعني هذا التصالح مع الاستبداد والتبعية بل الواجب يقتضي العمل الحثيث لتقويض امتدادهما في النفس والفكر والمجتمع ومؤسساته.

طالع أيضا  عوامل فشل إصلاح التعليم في المغرب 3/2نحو مدخل حقيقي للإنقاذ

الثانية: على القوى الحية والصادقة والتواقة إلى الإصلاح الحقيقي والتغيير الجذري أن تجعل قضية التربية والتعليم من أولويات حركتها وجهادها ونضالها لما لذلك من علاقة بمصير الأمة.

إن التحرك الشامل وفق استراتيجية سياسية شاملة تقوض عوامل الفشل الحقيقية وتخرج المنظومة التربوية التعليمية من واقع الانهيار الشامل لتفتح لها أفقا جديدا أصبحت ضرورة ملحة ومن باب المسؤولية التاريخية على كل القوى من خلال ميثاق حقيقي ينظر بعيدا ويؤسس على وعي ومسؤولية ووضوح وأمانة.

ولا يعني هذا العمل على تفعيل منظومة الاستبداد والتبعية، بل هو بيان على أن العمل السياسي في المغرب ما لم يباشر علاج القضايا الجوهرية وفق تصور جامع ليصنع كليات تصورية وحركية تفضح علاقة الاستبداد بكل ما أصبح عليه وتؤسس لقواعد عمل تضمن مستقبل الحرية والقوة والاستقلال، إنما هو وسيلة لضياع الوقت من جديد أو تكريس للواقع المعيش.

فقد وصل الأمر في المغرب إلى أن تؤشر حركة المنظومة التربوية التعليمية على أن المغرب على وضع اختناق حاد ومدمر، لذلك آن الأوان بإلحاح شديد للبحث الجامع عن ميثاق حقيقي للخروج بحركة المجتمع المغربي من النفق القائم إلى أفق ملائم، وذلك باستحضار قيمة وموقع المطالب الثلاثة أعلاه: مطلب الأمة العالمة بقضيتها، ومطلب الدولة العادلة العالمة بموقعها الطبيعي لا المهيمنة المتسلطة، ومطلب وضوح القضية الجامعة؛ حيث منظومة من دون قضية إنما هي حركة فارغة ولا تنتج إلا فراغا، ومن دون دولة عادلة وصادرة عن أمة واعية إنما نحن أمام أداة قمعية تسلطية، ولاشك أن أم معضلات التربية والتعليم في المغرب اختراق القيم السلطوية التسلطية لها التي مصدرها عمق التجربة الاستبدادية الحاكمة في المجتمع المغربي التي تسربت إلى كل شرايين وتفاصيل الحياة.

وهنا ينبغي أن ينصب النقاش حول ثلاث مسائل محورية:

المسألة الأولى: رد الاعتبار لقيم الشعب المغربي الإسلامية

لقد أصبح واضحا أن هناك حرصا من طرف المخططين والمهيمنين على المنظومة التربوية التعليمية على تهميش القيم الإسلامية، بل هناك من يعمل على إقصائها نهائيا في المستقبل القريب في الوقت الذي تقتضي المرحلة المعيشة والوعي بتفاصيلها ضرورة العمل لأجل هيمنتها على تفاصيل المنظومة التربوية التعليمية بروح بناءة يحصل من خلالها الانفتاح على باقي التجارب الإنسانية والنظر إليها بمعيار نقدي متكامل، ذلك أن قضية القيم في عالم اليوم أصبحت أمرا بالغ الخطورة وتشكل أم الأزمات في التجربة الغربية. ولا شك أنه بإمكاننا أن نقدم تجربة رائدة في تجاوز آثار هذه الأزمة على منظومتنا بتفعيل قيم الإسلام باعتماد التجربة النبوية للنظر من خلالها إلى تفاعل الأمة عبر التاريخ مع قضية التربية والتعليم مع العمل على التخلص من كل فهم تراثي عقيم يكرس واقع التقليد والجمود والركود والاستسلام، ليس على الطريقة السائدة بتعميم كلمات فارغة من قبيل “الاهتداء بمبادئ العقيدة الإسلامية” أو “الأصالة والمعاصرة” بل العمل الجاد وفق روح تجديدية كاملة تقطع مع التقليد والجمود والركود ومع الاستبداد والتبعية وتنفتح عل مستقبل الحرية الحقيقية.

وفي هذا الإطار ينبغي إخضاع مفاهيم مركزية في التجربة الغربية حيث تناقش هناك نقاشا هاما في حين نسلم بها نحن تسليما كاملا ونعتبرها دلالة مطلقة، كمفهوم الحداثة وما يدور في فلكه، إلى نقد جذري للكشف عن جوهر علاقتها مع كينونتنا واختيارنا التاريخي والمصيري، لأن هذا الإطلاق حجر على العقلية المغربية ومنعها من أن تطلق العنان لكفاءتها لاكتشاف ما يناسبها من اختيارات كلية أو فرعية في بناء تجربتها الخاصة مع الاستفادة المتوازنة من كل التجارب الإنسانية، لذلك لا ينبغي أن تكون منظومتنا التربوية التعليمية مجرد رجع صدى لما توصل إليه الغرب من نظريات في المجال، ولا وسيلة تجعلنا في قبضة قوة عالمية تستند إلى التجربة الغربية في إطار صراع كوني حقق في اللحظة المعيشة هيمنة عولمية لنمط معين من الفهم للقضايا الإنسانية التي من أهمها قضية التربية والتعليم.

طالع أيضا  عوامل فشل إصلاح التعليم في المغرب 3/1نحو مدخل حقيقي للإنقاذ

فاعتماد النظريات التربوية والبيداغوجية كما صاغتها التجربة الغربية دون تمحيصها بعقلية ناقدة إنما هو تكريس لواقع التخلف والتبعية، ذلك أن النظريات في الغرب تخضع لتطور هائل ومتسارع في حين نسجن نحن عملية بناء أجيال من أمتنا في محاولات تجسيد بعض النظريات التي حصل تجاوزها بهدوء ضمن حركة المجتمع الغربي. وهنا تظهر أهمية الاشتغال على المسألة الثانية.

المسألة الثانية: الاستفادة من النظريات الغربية بمعيار نقدي متكامل وكلي

اعتمد الإصلاح الأخير للمنظومة التربوية التعليمية بيداغوجيا الكفايات حيث أشار إليها “ميثاق التربية والتكوين” وتبناها جملة “الكتاب الأبيض”، ومن المعلوم أن أصل هذه البيداغوجيا، وغيرها، هو ما تعرفه المقاولة في الغرب من تطور هائل على صعيد تدبيرها من أجل مردودية جديدة، خاصة ضمن حركة اللبرالية الأمريكية؛ فهي وإن أظهرت وزنا علميا إلا أنه مشحون بكثافة آثار سياقاته ومنظوماته وقيمه.

فلا يخفى على أحد أن جميع الإصلاحات التي مست المنظومة التربوية التعليمية في المغرب تقلبت بين النظريات الغربية التي تميزت بخاصية انتقال المفاهيم من مجال إلى مجال؛ من مجال العمل والمقاولة وتدبيرها، مثلا، إلى مجال التربية والتعليم، كما لا يخفى أن قضية انتقال المفاهيم من مجال إلى مجال تطرح إشكالات عدة يتصدى لها أهل الاختصاص لتمحيصها بما يحافظ على خصوصية المجال وفعاليته، لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدا وأكثر تأثيرا لما يتعلق بانتقال المفهوم من سياق إلى سياق؛ من سياق غربي إلى سياق إسلامي، أي من مجال تداولي إلى مجال تداولي آخر بينهما تعارض جوهري من حيث أصول العمل ومقاصده وغايته، إذ هنا تصبح حركة المنظومة مهددة بالشلل والانهيار لما تخضع للاختراق بشكل كامل وتتلاشى مقومات المقاومة الذاتية بسبب عضالها المزمن من ركود وعجز وجمود وتقليد سلبي.

لكن لما يتم إحكام الكفاءة المرجعية وتتضح القضية الجامعة وتنكشف امتداداتها في التفاصيل الحياتية ويصبح لذلك رجاله وأطره ومؤسساته الساهرون عليه والناظرون لمستقبله تتوفر الإمكانية الكبرى للنقد البناء لكل النظريات الواردة من الغرب.

لقد انبهر الكثير بإعمال بداغوجيا الكفايات ونهضوا لبيانها وسال مداد كثير لذلك، وقليل من اعترض عليها جزئيا وقليل القليل اعترض عليها كليا.

نعم، بما أن هذه البداغوجيا تراهن على المتعلم باعتباره موضوعا للعملية التعليمية التعلمية كانت منسجمة مع المطالب الملحة اليوم من حرية وإرادة وإبداع وكفاءة وجدوى وفعالية وما إلى ذلك من المطالب، لكن هذا لا يقتضي عدم الانتباه إلى بعدها السياقي؛ والمتجلي في خصلتين وليدتي هيمنة المنطق اللبرالي المتوحش على التفكير الغربي في المراحل الأخيرة خاصة مع سيادة الهيمنة الأمريكية.

طالع أيضا  عوامل فشل إصلاح التعليم في المغرب 3/2نحو مدخل حقيقي للإنقاذ

الأولى: النزعة الفردانية المبالغ فيها، ولاشك أن في هذا تعارض مع المنظومة الإسلامية التي تقترح توازنا حاسما وكبيرا بين النزعة الفردية والاعتبار الجماعي مما يساهم في بناء مجتمع متوازن وعادل في الفرص والحقوق والواجبات.

الثانية: الميول الاستكباري الاستعلائي الذي لا يكتفي بتغليب النزعة الفردانية، بل يوظفها ليتجاوزها إلى إرادة الاستعلاء والاستكبار التي تترجم في مجال الاقتصاد بالبحث عن الربح بأية وسيلة، وفي مجال السياسة بالطموح الجامح والسعي الحثيث للاستعمار والتوسع. وفي المجال الأخلاقي بغلبة النزعات الشهوانية والغريزية التي تطلب واقع الحرية المطلق لتصنع ما تشاء من تصرفات وتنشر ما تريد من قيم.

وبهذا كانت منظومتنا التربوية التعليمية الحالية من أكبر وسائل تكريس واقع التبعية والتيهان الفكري.

لذلك آن الأوان لنقف بكفاءة عالية على نقد كل وارد من الغرب وعدم التسليم بإطلاقيته الكونية، خاصة في مجال التربية والتعليم وبناء الشخصية والمؤسسة والمجتمع.

المسألة الثالثة: قضية الإعلام وعلاقته بالتربية والتعليم

فالانتباه إلى الدور الخطير للإعلام يدعو إلى ضرورة الضغط لإحداث تحول كاف ومنظم في علاقته مع قضية التربية والتعليم بحيث يحصل انسجام موفق بين وظيفة الإعلام في بعدها التربوي والتعليمي ووظيفة المنظومة من خلال وسائلها كاملة، وهو ما يعني، كذلك، العمل الكبير لتخليص الإعلام من قبضة الاستبداد واحتكاره الأعمى له وتنظيم المجال وفق روح ميثاقية جامعة تقطع مع الاستبداد والفساد والتبعية وتعيد الاعتبار لمرجعية الشعب المغربي، وذلك كفيل بخروج الجميع إلى مستوى من الوضوح في تصوره للقضية مما يساهم في تنظيم عملية التدافع السياسي والمجتمعي والفكري والاجتماعي في أفق الحرية الكاملة ووفق ضوابط متفق عليها.

إن الإعلام إما أن يكون أداة بناء أو أداة تخريب وتكريس لأصول الواقع المعيش المجمع على فساده وخرابه، لذلك كان من الأولويات التركيز على نقد جذري لوظيفة الإعلام في الظروف الحالية خاصة من قبضة المخزن وحلفائه عليه.

5- خلاصة

نخلص من كل هذا، وبعد بيان واقع الانهيار الشامل لمنظومتنا التربوية التعليمية وبعد الكشف عن أصول وعوامل هذا الانهيار، إلى أن قضية التربية والتعليم أصبحت، وباعتبار حجم خطورتها على الجميع من حيث بعدها المستقبلي والمصيري، أولوية كبرى من أولويات التدافع السياسي والفكري والمجتمعي بين قوى المحافظة على واقع يكرس الاستبداد والتبعية وبين قوى الإصلاح والتغيير الحقيقية.

لقد آن الأوان لنخرج حركة منظومتنا من واقع صراعي وهمي يراد منه التمويه والتزوير عن الأجيال، ومن وقاع قبضة التبعية والاستبداد في تحالفهما المصيري إلى واقع بنائي تكون فيه قضية التربية والتعليم محتضنة جملة من طرف شعبها ورجاله ومؤسساته الصادقين فلا مجال للمزايدة على فلذات الأكباد ومستقبل أجيال وأمة.

عن العمل السياسي يفقد كل قيمته إذا أصبح دائرا على هوامش وجزئيات ويترك الكليات والقضايا المصيرية لعبث العابثين ولعب المتلاعبين.

إن المدخل السياسي المرحلي الميثاقي لقضية التعليم في المغرب اختبار حقيقي لكل القوى السياسية: هل تكون صادقة وأمينة على مستقبل أمة وأجيالها أم ترهن الجميع في مزايدات شخصانية ومطالب سياسوية وقبضة استبدادية متحالفة مع الاستعمار.