ليس دفاعا عن إيران، فهي ليست في حاجة إلى من يدافع عنها، فقد استطاعت أن تبني مؤسسات دستورية قادرة على حماية وصيانة البلاد من أي تهديد داخلي أو خارجي. يخضع فيها الجميع لسلطة العزل والانتخاب بما فيهم المرشد العام للجمهورية، كما استطاعت في ظرف ثلاثين سنة من عمر الجمهورية الإسلامية تغيير أربعة رؤساء بينهم الإصلاحي والمحافظ. بينما في عالمنا العربي ابتدع حكامنا الجاثمين على رقاب العباد لسنوات نظاما جديدا لم تعرف له الإنسانية مثيلا ألا وهو النظام “الجمهوري الوراثي” لا يزحزحهم عن عروشهم سوى الموت.

إنما دفاعا عن الديمقراطية التي يتباكى عليها الجميع بعد الانتخابات الإيرانية الأخيرة، والتي يتخيل كأنها اكتشاف جديد اكتشفه الغرب بعد طول سبات وتنكر لقضايا عادلة كانت تحتاج لمواقف مشابهة، ظنا منه أننا كأمة قد فقدنا “بعد سنوات من التزييف والتمييع وطمس ذاكرتنا, أو أن ذاكرتنا تعرضت لعملية Formatage”. المعالم التي برع فيها المتحكمون فينا، لكنها مازالت حية تخزن وتراقب حتى تسنح الفرصة.

انتفض الغرب ومن يدور في فلكه ضد ما أسماه تزوير الانتخابات في إيران، في الوقت الذي يتم فيه التغاضي عن ما يقع من تزوير حقيقي في بلداننا. فقد ظن الغرب ومعه عرب البتر ودولار، الذين لا يعرفون من الديمقراطية سوى قنوات “روتانا”، تكديس الأموال من ثروات الشعوب ووضعها في بنوك الغرب.

إن هذه الانتخابات وما صاحبها من لغط اعتبرت فرصة لتصفية الحساب مع إيران، التي اختارت الاصطفاف مع قضايا الأمة العادلة بعد ما كانت في عهد الشاه دركي المنطقة الذي يحفظ مصالح الغرب وإسرائيل.

فانخرط الجميع كل من موقعه لتشجيع الاضطرابات أو ما تسميه الإدارة الأمريكية الفوضى الخلاقة، هذه الايدولوجيا التي تبنتها الحكومات الأميركية المتعاقبة في مناطق شتى من العالم وخاصة الشرق الوسط، وتوفير جميع الظروف لاستمرارها بما فيها دعوة مالكي “face book”و “twitter” تأجيل أي إصلاح لهذه المواقع حتى يتمكن بعض الإيرانيين من استعمالها، كذلك الانخراط المحموم لوسائل الإعلام الأمريكية الغربية والصهيونية في هذه الاضطرابات دون إغفال إعلام الاعتلال العربي من خلال فبركة الأحداث وتبني مواقف المعارضة في الخارج التي لاتهمها خسارة “مير مسوي” إنما هدفها إسقاط النظام.

قبل التعرف على الوجه الحقيقي للديمقراطية الغربية، نتساءل ماذا سيكون عليه رد فعل الغرب وعرب “الاعتلال” لو احتجت المعارضة اللبنانية وعلى رأسها “حزب الله” على نتائج الانتخابات الأخيرة التي استعملت فيها أموال البتر ودولار والتلويح بقطع المساعدات والعلاقات إن ثم انتخاب المعارضة هل كان الغرب سيساند هذا الأمر؟ بالطبع لا، لأن الديمقراطية الغربية لا تتسع حويصلتها لتشمل من يدافع عن حقوقه خاصة إن كان المغتصب “إسرائيل”.

سنبدأ بإيران، فبعد تسلم “محمد مصدق” رئاسة الوزراء 1951 و1953 قام بتأميم النفط وخلع “الشاه” إلا أن ذلك لم يرق أمريكا وبريطانيا فقامتا بعملية سمتها “أجاكس” ضدا على إرادة الشعب الإيراني أدت إلى اعتقاله لمدة ثلاث سنوات، وبعد إطلاق سراحه وضع في الإقامة الجبرية حتى وفاته سنة 1967، وقد اعتذرت الإدارة الأمريكية مؤخرا عن ذلك ولكن بعد فوات الأوان. حاولت الإدارة الأمريكية نفس الأمر وقع مع الثورة الإيرانية بقيادة “الخميني” سنة 1979 إلا أن محاولتها باءت بفشل ذريع وفضيحة تمثلت في رهائن السفارة الأمريكية بطهران، وبذلك أضحت إيران ومشروعها المناهض للهيمنة الغربية والمتبني لقضايا الأمة غصة في حلق أمريكا ومن والاها من غرب وعرب، معتمدة جميع الوسائل للإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية بما فيها تمويل وتدريب منظمات إيرانية كمنظمة “خلق” التي تتخذ من العراق منطلقا لعملياتها ضد إيران، بالإضافة إلى فتح المجال لهذه المنظمة للتحرك بكل حرية في بلدانها وتقديم الدعم لها بينما توضع المنظمات المناهضة للاحتلال الصهيوني في خانة “المنظمات الإرهابية”.

أما التدخل الأمريكي لإسقاط الحكومات المنتخبة ديمقراطيا في أمريكا اللاتينية ودعم الانقلابات العسكرية فيها فحدث ولا حرج، وما إسقاط حكومة “سلفادور أ ليندي” المنتخبة بالشيلي 1970-1973 بواسطة الجنرال ” بينوشي” ودعم من المخابرات الأمريكية لخير دليل على ذلك. بالإضافة إلى تمويل وتسليح المنظمات العسكرية اليمينية بواسطة أموال المخدرات بهدف وقف المد اليساري في هذه الدول، وأخيرا وليس آخرا المحاولات المتكررة لإسقاط حكم “هوغو شافيز” بفنزويلا.

في عالمنا العربي، لا تحتاج الانتهازية الغربية في التعامل مع قضايانا إلى مشفر، أين كانت هذه الديمقراطية عند انقلاب العسكر على اختيار الشعب في الجزائر بعد اختياره “جبهة الإنقاذ” ومن خلالها المشروع الإسلامي وقبلها في تونس مع حركة “النهضة”، وما صاحب ذلك من اغتيالات واعتقالات شملت الآلاف. مرورا بالانتهاكات المتتالية في العراق وما سجن “أبو غريب” عنا ببعيد، ثم أفغانستان و”غوانتنامو”. وفي الأمس القريب الانقلاب على نتائج الانتخابات الفلسطينية وعلى حكومة “حماس” المنتخبة ديمقراطيا باعتراف الغرب نفسه، وما صاحبه من حصار جائر ولازال من العرب قبل الغرب عقابا على اختياره، تم تتويجه بالحرب المحرقة التي تعرضت لها غزة التي استعملت فيها، كما في لبنان سابقا، أسلحة محرمة دوليا وقصف مقرات الأمم المتحدة دون أن يحرك أحد ساكنا.

هذا غيض من فيض، فسجل الغرب الأسود مليء بالانتهاكات وازدواجية المعايير لا يمحوه هذا التباكي والصراخ الذي لا ينطلي كذبه إلا على قاصري النظر والمنتفعين من مائدة الغرب، خاصة أن من بين المنخرطين في هذه الجوقة إرهابيو الكيان الصهيوني، الملطخة أيديهم بدماء الفلسطينيين واللبنانيين، الذين يحاولون تبييض سجلهم الأسود بادعاء الدفاع عن حقوق الإنسان في إيران بينما ينتهكونها في فلسطين صباح مساء.

وخير ما يختم به قول الله عز من قائل: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من مولى ولا نصير.