صدر منذ أيام قليلة كتاب “إمامة الأمة” للأستاذ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان المغربية. وهو كما يشير الأستاذ عبد الواحد المتوكل عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان في تقديمه، جزء من مشروع كبير لا يزال أكثره مخطوطا تحت عنوان “دولة القرآن”، صدر منه لحد الآن: “في الاقتصاد.. البواعث الإيماني والضوابط الشرعية”، و”الخلافة والملك”، و”رجال القومة والإصلاح”، و”مقدمات لمستقبل الإسلام”.

بداية يشير الأستاذ عبد السلام ياسين إلى أن إمامة الأمة مهمة أولى للجماعة الإسلامية، وذلك بعد تقوية الصف وتربية الرجال وتنظيمهم. هذه الأمة التي لا تستجيب للأحزاب ولا للحكام بسبب احتقارهم وظلمهم لها، بينما ملاذها في الإسلام لأنه لا يفرق بين إنسان وآخر إلا بالتقوى. ويسوق هنا الكاتب مجموعة من الأدلة لبيان ذلك. أقتطف منها وصية الإمام علي كرم الله وجهها لعامله الأشتر والتي جاء فيها: ”وليكن أحبُ الأمور إليك أوسطَها في الحق وأعمَها في العدل وأجمعَها لرضى الرعية، فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة، و إن سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة، و ليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء و أقل معونة له في البلاء، و أكره للإنصاف، و أسأل بالإلحاق، و أقل شكراً أعند الإعطاء و أبطأ عذراً عند المنع، و أضعف صبرا عند ملمات الدهر، من أهل الخاصة. و إنما عماد الدين و جماع المسلمين، و العدة للأعداء: العامة. فليكن صفوك لهم، وميلك معهم“.

من هنا يقترح أن ينظم الاتصال المباشر على المستويات الإدارية العليا مع العامة، ويفتح الباب عند كل وال وحاكم لرجال الدعوة الملتحمين بالأمة، فهم نقباء الأمة الناطقون باسمها المسؤولون عن حوائجها. ويستدرك أن لا بد من إغلاق الباب عن أهل الفضول، ولا بد من اقتصاد وقت الولاة حتى لا يضيع في غير معنى.

فما الهدف من الانفتاح على سواد الأمة الأعظم؟

إن التواصل مع سواد الأمة الأعظم والانفتاح عليهم يحقق هدفين:

الأول: سريان معاني الإيمان إليهم وتوعيتهم بقضيتهم الكبرى المصيرية، يوم وقوفهم بين يدي الله عز وجل، فتتربى الأمة على طاعة الله… ففي الأمة خير كبير لكنها تحتاج إلى من ينقلها من أعرابيتها الخاملة إلى الهجرة والفاعلية…

الثاني: تعريفها بما يحاك ضدها من مؤامرات وراءها الحكام والمتملقون، وبضياعِ أرزاقها وحقوقها ودينها.

لكن، كيف تحصل الجماعة الإسلامية على ثقة سواد الأمة ؟

يحدد الأستاذ عبد السلام ياسين عاملين رئيسيين وحاسمين، هما:

الأول: الصدق مع الله عز وجل الذي يؤلف بين القلوب.

الثاني: دوام الاتصال بالأمة.

ولا يفتأ الأستاذ عبد السلام ياسين يذكر القارئ بالتاريخ، فهو بالنسبة إليه كاشف للمستقبل. من هنا يعرض تاريخ وحال هذه الأمة، التي تحتاج إلى إمامة وإلى تواصل معها، فيشير إلى ما عانته من تعسف واستبداد كانا سببين في خمولها وفقدانها المبادرة والاستقلال بالفكر والتدبير، وقد زكى هذا ما كان عليه علماء القصور من انحياز للسلطان وتملق له.

ويوضح المؤلف الغاية من الانفتاح على الأمة قائلا: “الهدف من تجنيد العامة وتعبئة المستضعفين إيقاظ القلب إلى معاني الإيمان، ورفع الهمم إلى نشدان الكرامة الآدمية وكمال الإنسان، ثم إيقاظ الفكر من سبات الزمان، وبث الوعي السياسي ليهتم المستضعفون بما يجري في الحدثان. الهدف تحريك الساكن فينا، الخامل حولنا”… فقد كانت الجندية مظهرا من مظاهر القوة زمن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، ويورد هنا الأستاذ عبد السلام ياسين مجموعة من النماذج، بل يعتبرها ومظاهرَها “عبادة” يشجَع عليها معنويا وماديا. ومن مهمة عبد الله بن عمر رضي الله عنه في غزوة أحد يؤصل المؤلف لتجنيد الشباب في مهام داخلية، منها المساهمة في حفظ الأمن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في إطار التجنيد للدعوة، والتعليم العامة.

ومن الجندية التفوق في الرياضات العالمية، فهي مظهر من مظاهر القوة والعزة تفتح الآذان والقلوب لسماع كلمة الحق والإيمان. فكيف يسمع منك الآخر كلمة إسلام أو إيمان أو إحسان وأنت صفر فكريا وصناعيا ورياضيا ؟ بل كيف يجوز لك الكلام عن الإحسان مع كل هذا ؟ وأقتطف لكم من الكتاب هذا النص: “إن غيابنا من على منصات الانتصار في الألعاب الأولمبية، والمسابقات الدولية، وألعاب الكرة، والرماية، والمسايفة، والمصارعة، والسباحة، ينم عن خمولنا الكلي، وموت الرجولة فينا. اصرعه أولا في ميدان القوة البدنية، والفكرية، والاقتصادية، والجهادية، والسياسية، والعلمية، ثم علمه الأخلاق بالمثال، وعلمه الإيمان بعد أن ينفتح قلبه عليك إعجابا، وعقله عليك تعجبا”.

لكن، من يختار لمهام تأطير جند الله والدعوة والدولة؟ وما هي معالم الشخصية القيادية؟

إن معيار الاختيار كما في تصور الأستاذ عبد السلام ياسين هو قولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “الرجل وسابقته، الرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحظه من الله”. ولعل الترجيح بين هذه الشروط هو ما كان عليه يدور هذا الفصل، فتبدو السابقة لا قيمة لها مقابل انعدام الكفاءة وقلة لحظ من الله. ويضيف الكاتب معيارا آخر نبويا هو حفظ القرآن الكريم، لكن مع تقوى. وكل مسؤولية عظيمة لها رجالها العظام.

وعل كل من تحمل مسؤولية من مسؤوليات المسلمين أن يؤديها على وجهها الأكمل حتى لا يحاسب عنها يوم القيامة، فوعن أبي وائل أن عمر بن الخطاب استعمل بشر بن عاصم على صدقات هوازن فتخلف بشر فلقيه عمر فقال‏:‏ ما خلفك‏؟‏ أمالنا عليك سمع وطاعة قال‏:‏ بلى ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ”من ولي شيئا من أمور المسلمين أتي به يوم القيامة حتى يوقف على جسر جهنم فإن كان محسنا نجا، وإن كان مسيئا انخرق به الجسر فهوى فيه سبعين خريفا“.

وبعد التغلغل في الأمة، وتجنيد الرجال، واختيار ذوي الكفاءات والغناء، ما هو التغيير المرجو؟

إن التغيير المرجو هو الدعوة إلى الله، وإنقاذ الإنسان من ظلام الكفر، وقتامة النفاق، وقذارة معصية الله تعالى، وغبش الغفلة عنه، المؤدية إلى بؤس الدنيا وعذاب الآخرة… هذه مهام جليلة وكبيرة لا ينفع معها التدبير البشري وكسبه، بل لا بد من إقبال على الله تعالى وتضرع إليه لاستمداد العون منه، مع الإخلاص له عز وجل.

وفي الفصل السادس يتوقف الأستاذ عبد السلام ياسين طويلا عند معالم السلوك إلى الله تعالى، فيبين كيف طغت العقلانية على الناس بسبب الانحطاط، وكيف سادت الخرافة، حتى كانت السخرية من الدين ومن غيب الله سبحانه عرضة لكل ناعق، كما يبين ضرورة المرشد لمن يريد أن يتنور قلبه بنور الإيمان ويسلك طريق الإحسان حيث لا تنفع في ذلك قراءة أسفار. وهذا الفصل يصفه المؤلف بلُب الكتاب.

يبدأ السلوك، أو تغيير ما بالنفس، بالتوبة النصوح إلى الله، وهو ما عبر عنه الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله بـ”اقلب دولة نفسك”. لكن هذا “التغيير ما بالنفس” لن يكون إلا وفق ما جاء به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ولن يكون هذا إلا بتشرب حقيقة الخلق والمصير التي ينبه إليها قوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون.

إن معرفة الله تعالى لب التغيير، فما هي التربية التي تثمر معرفة الله تعالى؟ وما هو التعليم الذي ينير الطريق؟

التربية، كما بين الأستاذ عبد السلام ياسين في الفصل السابق، لا بد أن تكون على يد مرشد عارف بالله تعالى، والعارف لا يعرفه إلا عارف بالله مثله، وعليه يكون ميزان الجماعة في اختيار الربانيين لصدارة الإمارة والتربية “ميزان الشرع، من التزام بالكتاب والسنة، والتخلق بأخلاق النبوة… ولا نغترَنَّ بالكرامة والكشف والحال، فإن ذلك كله لا يؤمن أن يكون استدراجا. ولا نضع من أيدينا لحظة معيار الشريعة لرؤيا منام أو حديث غلام. فبين الرؤيا والتعبير تنزلق الأقدام، ويدخل الشيطان”.

ويقترح الكاتب للتعليم في دولة القرآن أن يكون الإيمان بالله في المرتبة الأولى. ويأتي في المرتبة الثانية القرآن، فهو العلم. ويقترح هنا شروطا أربعة للتعامل معه هي: الاجتماع، وفي بيت من بيوت الله، والتلاوة، والتدارس… استنبطها من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم “ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم…” وبعد القرآن تأتي السنة، ثم اللغة العربية الشريفة والخبرات المختلفة، ثم التربية الجمالية التي يقول عنها: “ألا وإننا حملة رسالة سماوية، فلنبرز للناس بصورة جذابة، ولنكن شامة بين الأمم نلفت الأنظار بجمال خلقنا وأفعالنا ومظهرنا…”

أما للمعلم والمدرس فيقترح عشر مواصفات هي مطالب الإيمان، يرجى مراجعتها في الصفحتين 178 و179 من الكتاب.

وهنا نسأل: ما الذي يهدد هذه التربية؟

إن مما يفسد هذه التربية الإعلامُ بما ينتج عنه من مفاسد، فمنه يتعلم الصبي ومنه تتعلم الفتاة أنماط السلوك الجاهلي من خلع للحياء وتبرج وغش وخداع وكذب وغير ذلك… كما أن التجمعات الجماهيرية الانفعالية يهبط مستوى الذكاء في أفرادها أثناء التجمع إلى الصبا، وتهبط القدرة على التمييز بين الحق والباطل، والكذب والصدق إلى دركة متدنية، وهنا تتجلى أية جناية نجني على الأمة إن وضعنا وسائل الإعلام في يد منافقين أو مهرجين.

ويبين قيمة وسائل الإعلام قائلا: ”لا تجدي الموعظة العزلاء، ولا المنطق، إنما تقنع الصورة، والصوت، وما يؤلف بينهما فن الإعلام، رسالة مبرمجة، مدروسة، لتسلل إلى أعماق النفس، فتحدث فيها الانفعال المطلوب، من رجة غضب، أو هبة إقبال وقبول، أو نفرة كره وتقذر“.

وهكذا، فإن الخطابة والتمثيل والصورة والنشيد إذا عالجها الفن الإعلامي من زاوية إسلامية وبمعايير إسلامية ضمن غايات الدعوة تعتبر أهم وسائل التربية والتعليم وتسديد الرأي العام.

وأخيرا، كيف يعد البديل؟

إن هذه الأمة المراد الانفتاح عليها وتعبئتها وتجنيدها تحتاج إلى نظرية إسلامية للحياة المعاصرة تعرض بدائل عن الحياة الفتنوية في مختلف المجالات، من هنا كان الاجتهاد ضرورة لحل جميع مشكلات الحكم والاقتصاد، ولترتيب المجتمع. لكن، يشترط لذلك أن يكون الحكم بيد الجماعة الإسلامية لا بيد غيرها وإلا لكان ما تجمع مثل الهباء المنثور. وهذا أول الاجتهاد: “اجتهاد يوصلنا على الحكم”.

ويبين الأستاذ عبد السلام ياسين مهام العلماء المجتهدين فيجملها في “تشريع يضمن استقرار الحكم على قواعد النبوة والخلافة، ويضمن العدل، والشورى، وأمانة الحاكم، وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحق المسكين والضعيف، وازدهار الاقتصاد وتطهيره من الربا والاستغلال والتبذير، والتعليم، والرخاء، والتصنيع، والاستقلال بعلوم الصناعة، والأمن الغذائي، والخروج من التبعية لقوى الاستكبار، والتصرف الحكيم في المجتمع الدولي بما يؤدي لعزة الأمة”. فأين العلماء اليوم من هذه المهام الجليلة؟

وخلاصـة القـول:

إن إمامة المستضعفين لهي المحصلة الرئيسية للانفتاح على سواد الأمة الأعظم، وهو ما ترمي إليه إمامة الأمة. وتحرير رقاب خاضعة لغير الله تعالى أصل عظيم من أصول هذا الدين. يقول صاحب إمامة الأمة: “تتمكن الطليعة المجاهدة من إمامة أمة الاستجابة وتجندها، وتقودها، وتربيها، وترفعها إلى كرامتها الآدمية، وتحررها فكرا ومعاشا، وتحييها بحياة المشاركة في تدبير أمرها، تآمرا بالمعروف وتناهيا عن المنكر، وشورى، وتنفيذا. بعدئذ تنهض الأمة المسلمة كلها وقد توحدت، لإمامة المستضعفين في الأرض، وهم بنو الإنسان، من كان منهم يعيش في بلاد الاستكبار أو في دار الإذلال والاستعمار والإفقار”.

فصول الكتاب

الفصل الأول: مع سواد الأمة الأعظم

الفصل الثاني: الجندية

الفصل الثالث: اختيار الرجال

الفصل الرابع: التغيير

الفصل الخامس: الكرامة الآدمية

الفصل السادس: أفحسبتم…

الفصل السابع: التربية والتعليم

الفصل الثامن: الإعلام

الفصل التاسع: الاجتهاد

الفصل العاشر: الاختلاف

الفصل الحادي عشر: إمامة المستضعفين

عدد الصفحات: 280 صفحة

الحجم: 20 سم

دار النشر: دار لبنان للطباعة والنشر

سنة النشر: 2009