يأتي كتاب إمامة الأمة للأستاذ عبد السلام ياسين في ظرف تاريخي قاتم تعيشه الأمة العربية والإسلامية، يمكن الاتفاق على أنه من أشد المفاصل التاريخية في المسيرة الحضارية للأمة، والتي تميزت بضروب من التضييق الرسمي وغير الرسمي على دعوة عالمية الإسلام بشتى السبل..

والكتاب لمن يقرأه يحتمل فهوما متعددة، فهو نص مفتوح بسبب الغنى النظري والعمق التحليلي، والقدرة على استشراف الأفق البعيد، المتواري خلف سجف الأحداث المتراكمة المثقل بها جسم الأمة منذ عصور وعهود .

الكتاب وإن كان قد كتب منذ زمن، فإنه يندرج ضمن كتابات المستقبل،إذ هو متحرر من سلطان السياق المتعين الحابس، وليس يعني الكتابة للمستقبل مجرد تصورات لا ترتبط بالواقع، أو كتابات طوباوية، وإنما بقدر ما ينغرس الأستاذ ياسين في واقعه ليفهمه ويستوعب تناقضاته، يرتفع عن الواقع والتاريخ ليستفيد الدروس في بناء الغد الإسلامي المرتقب بيقين وحكمة .

وفي قراءتنا للكتاب ننطلق من معطى نظري يرسو على فلسفة تداولية لسانية، هي فلسفة السؤال التي وضع أسسها ميشال مايير الفيلسوف البلجيكي، هذه الفلسفة التي تفترض أن بنية الكلام في أصل حقيقتها هي عبارة عن أجوبة، وأن المتكلم (سائل) في كل أحواله، ليس باعتباره يطرح أسئلة، لكن باعتباره يسعى في كلامه إلى الجواب عن أسئلة تستثيره وتحركه..

وقد صار السؤال وافتراض السؤال هو المحرك والباعث الوحيد للإنسان المتكلم في كل أنشطته، ومن هنا كان السؤال أساس النشاط اللغوي وسبب وجوده عنده، ومن غيره لم يكن للغة أن تتشكل ولما كان للكلام أن يوجد.

ولعل هذا التبرير اللساني لم تكن لتخلو منه الممارسة النقدية التراثية حين تكلم علماؤنا قديما ومنهم السكاكي عما سموه بمقام المقاولة، أي افتراض وجود مقام للمحاورة في كل خطاب، سواء مكتوبا أم ملفوظا، وذلك أن الخطاب من طبيعته الحيوية والتوليدية يمكن تفسير خطه التصاعدي من خلال جدل السؤال والجواب وتوترهما.

لماذا الأمة؟

من الأسئلة التي يبدو أن كتاب الأستاذ ياسين جاء جوابا عنها يمكن أن نشير باقتضاب إلى السؤال الذي يسبق كل الأسئلة، وهو: لماذا “الأمة”؟ وأي جديد يحمله هذا النوع من الخطاب الذي يدور على إمامة الأمة؟

إن الاهتمام بخطاب “الأمة” عند الأستاذ ياسين، وهو خطاب أصيل ومبدئي، يذكرنا بحقيقة ذكرتها المرحومة منى أبو الفضل في كتابها التأسيسي “الأمة القطب” باعتبار المفهوم كان شبه غائب في الكتابات الإصلاحية تاريخيا، في الوقت الذي شهد التاريخ مولدها مع شـهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله!..

فالمسلم الفرد حين يتوجه ويأخذ العهد –فرداً- ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله ينتقل بعدها ليكون -جمعاً- في “إياك نعبد وإياك نستعين” – مع ملاحظة نون الجماعة – فالفرد يدخل عقد الإسلام بشهادة يدخل فيها بوثاق يشده إلى خالقه، وبوشائج تربطه بجماعة ثابتة الأصول معلومة الوجهة، وكأنه قد اكتسب بموجب الشهادة عقيدة وهداية، مع هوية وانتماء وغاية..

وهذا المقصود بالجمع بين الشهادتين، أو بالأحرى بين شقي الشهادة: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمداً رسول الله، رباط رأسي مع الخالق ومع الغيب ومع المصدر، وفي نفس الوقت بهذه الشهادة يدخل في علاقة أفقية تجمعه مع الجماعة ومع الأمة ومع الجماعة الأولى..

فالعقيدة تلقي بخصائصها على خصائص الجماعة وفي نفس الوقت تصوغ نفسية الفرد المسلم، ومن خلال هذه النفسية تصاغ أيضا الجماعة ونفسية الجماعة وخصوصيتها.

وبعد ذلك تتناسل من سؤال البدء مجموعة من الأسئلة، يمكن أن نتوقف فيها عند سؤال الفاعل، أو سؤال الإنسان، وصورته هي: ما حقيقة هذا الكائن في رسالة التغيير؟

والجواب عند الأستاذ ياسين أن الله تعالى خلق الإنسان للكرامة إن لم تستعبده شهواته ولم تفتنه الدنيا، ويسترقه الظلم الذي يشغله لصالحه ويفقده آدميته، وشرف الإنسان عند الأستاذ ياسين وكرامته وحريته “تأتي من كونه مخلوقا سماويا بروحه، يثقله الجسم الأرضي بحاجاته، وظروفه الحيوية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية عن الصعود من سجنه الأرضي إلى سعادة الأبد، فيريد له الإسلام أن تعبد له الطريق، وتوفر له وسائل رحلة ناجحة، فيما بين نقطة ميلاده ولحظة موته، من حيوانيته لروحانيته، من غفلته عن الله عز وجل لذكره، من كبده في الدنيا لارتياحه بلقاء ربه وهو عنه راض”..

حق الإنسان عند الأستاذ ياسين لا يتوقف عند ما تطالب به الاتجاهات اليمينية واليسارية من حقوق آدمية، وإن كان في بعضها تلبيس يخرجها من كونها حقوقا إلى أنها مطالب لنزع الإنسانية عن “الإنسان”..

إن من حقوق الإنسان عنده “أن يعيش في مجتمع فاضل تحكمه قوانين أخلاقية؛ لأن حق الإنسان الأول والأسمى، هو انتقاله من بهيميته إلى إنسانيته، لا يناله الإنسان إن كان المجتمع فاسدا، تعيث فيه حرية الغرائز البهيمية، وهذا حق ضائع، بل غير معترف به أصلا في المجتمعات الجاهلية التي تبني فلسفتها على أن الإنسان قرد متطور، فلا معنى لحرمانه من اللذة البهيمية”.

وهذا الفهم يؤهل الأستاذ ياسين للمطالبة ليس بحقوق الإنسان بالمفرد كما تنادي بها الفلسفات الغربية وإنما بالجمع، أي حقوق المجتمع والأسرة والبشرية والأمة، وما يضمن بقاءها واستمرارها الذي تتهدده الدعوات الملغومة للحرية والحقوق على ما هي عليه عند بعضهم.

سؤال التغيير

ولعله السؤال الأبرز، وصورته كيف يكون التغيير وبأي طريقة؟ والجواب يستوجب عند صاحب الكتاب نفي المقاربات الاختزالية التبسيطية (التي ليست إلا مجرد كسل فكري) والتي تلخص التغيير في لحظة انقلابية مزاجية تهدم أبنية الفساد من غير تفكير في الآفاق، ولا إعداد لأسئلة ما بعد عمليات الهدم، أو أنها تتصور مهمة النخبة في وضع تستقيل فيه الجماهير من مسؤوليتها وتستريح إلى حالة الانتظار (وهي فلسفة من أخلد إلى الأرض بالتعبير القرآني..

كما أن التغيير لا يمكن أن يكون بحال مجرد إجراء “تطبيقي لقانون إسلامي”دافع أو رادع، يقول الأستاذ ياسين في عبارات قاصدة يصح أن تكون قاعدة كلية لقانون التغيير الإسلامي:” القومة الإسلامية ليست عبارة عن انتفاضة جماهيرية تهز أركان الظلم وانتهى كل شي، ليست هدية يأتي بها جند الله للأمة باردة هنيئة مريئة، ليست إجراء إداريا يصلح أمر الأمة عقب تطبيقه”..

إن الأستاذ ياسين يلح على الأمة باعتبارها مكونا جوهريا ومركزيا في عملية التغيير الحقيقي، وكل التجارب التغيرية التي لا تستند إلى “الأمة” باعتبارها مرجعا وسندا وضمانا وأمانا تفتقد شروط الاستمرار والبقاء، افتقادها للمستوى الأدنى من الشرعية التي لا تباع ولا تشترى، وإنما تكتسب بالتعبئة وبالاصطفاف اليومي مع جماهيرها في طوابير معاناتها ومسغبتها، ومشاركتهم أنفاسهم التي تحمل في كل شهيق وزفير توقا للتحرر من ظلم تحتم.

لكن سؤالا تابعا لسؤال التغيير يلوح في الأفق عند إثارته، ألا وهو سؤال التعبئة، بمعنى: كيف يكون إشراك الأمة في التغيير؟ والجواب عند الأستاذ ياسين بأن تكون حركة التغيير الإسلامية قريبة من الناس ومع العامة في كل أحوالهم، ومع ذوي الحاجات، وهو واجب الاختلاط بالناس في أسواقهم، والاستماع إلى نبضهم، وبالهجوم الأخوي الرفيق على الناس، فما”يزال الدعاة في كل عصر يتصيدون الفرص لمخالطة الناس في نواديهم وأسواقهم ومجالسهم”، اقتراب تربوي لا تملق فيه، إذ الداعي إلى الله لا يكون”طفيليا سياسيا يمتص دماء الأمة بالتلصص على عطفها، ما هو منافق يتراءى للناس بما يحبون”..

والتعبئة للتغيير تجعل الداعي إلى الله لا يقتصر في تعليمه للناس على تفقيههم بما هو الحرام والحلال، بل يضيف إلى ذلك أن الشريعة”تنكر التفقير، واحتقار الناس وظلمهم، كما تنكر الكفر والفسوق والعصيان”، وبذلك تكون الدعوة قريبة من هموم الناس التي هي هموم الشرع أيضا ومهماته، واستثمار الجانب الخير الذي في العامة خطوة ضرورية وأداة ماضية لإبطال الباطل وإحقاق الحق ، حتى إذا قامت القومة وجدت على الحق مساعدا قويا وأعوانا وأجنادا.

ويأتي في تراتبية محمودة ما يمكن تسميته بسؤال الوسائل، وصورته: بما يكون التغيير؟ والجواب عند الأستاذ ياسين بالقوة والرفق والحكمة والتدرج والصبر، وهي خصال إذا افتقدت صارت الحركة التغييرية إلى ضدها من زرع الكراهية والشقاق والتنازع بين المسلمين، وفتح الباب لأعدائهم بان يتهموهم بالتزمت ويوغروا صدور العامة عليهم بما يأخذون به الناس من تشديد.

التغيير عند الأستاذ ياسين لا يكون بالنفاق والطفيلية، وإن كان تأليف الناس على الحق المر يستلزم المخالقة الحلوة، فقد كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ينتظر الحلوة من الدنيا ليجوز بها المرة من الحق..

التغيير عند الأستاذ ياسين يكون أيضا بتحرير الإنسان عقليا وروحيا وجسديا من كل السلاطين القاهرة كما يعبر أبو يعرب المرزوقي إلا سلطان الحق ، “فإذا تعود الناس السمع والطاعة البليدين، ولم يعطهم الحق في الإعراب عن نياتهم وآرائهم ، وبقي القادة في أبراجهم الإعلامية بعيدين جسميا ومعاشيا عن الجماهير”، يملون إرادتهم من فوق، آل الأمر إلى الاستبداد والعزلة.

الغاية

وتستمر الأسئلة في الانسياب.. ويأتي سؤال الغاية، كيف تكون التربية، وما الهدف؟ وجوابه عند الأستاذ ياسين أنه إذا كانت التربية في عرف الثقافة المادية لا يعدو هدفها إعداد المواطن الصالح، والعامل المنتج، والاختصاصي الكفء، فإن الغاية من التربية في دولة القرآن هي إيقاظ قلب الإنسان وعقله بالعلم والإيمان ليكون عبدا لله، تفتح العقل على علم الشريعة وعلوم الكون وسيلة لمعرفة الواجب الديني والتعامل مع الخلق ومع الأشياء..

وهدف التربية الإسلامية تكوين أقوياء أمناء، ففي دولة القرآن ينبغي أن يحسب ربح الأمة وفوزها بحساب من فيها من العلماء العاملين المحسنين أصحاب القلوب كما يقول الأستاذ ياسين، ثم بعد ذلك يحسب من معها من رجال الخبرة العملية، فإن اجتمعت في الرجل الواحد كفاءتا القلب والعقل، كفاءتا الإيمان والعلم فذاك المطلوب .

التربية عند الأستاذ ياسين أولوية الدعوة وغايتها ومنتهى طلبها، وفلسفتها ومشروعية وجودها التي لا تنتهي وإن انتهت كل المهام، وأنجزت كل المطالب، فالتربية أولا والتربية ثانيا والتربية ثالثا، وتبقى التربية ما بقي الإنسان على هذه الأرض، فهي التي تحفظ سيره وبوصلته من الانحراف والتيه.

ومؤسسات التربية من جامعات ومعاهد ومدارس عند الأستاذ ياسين يجب إدخالها إلى الإسلام، بكلمة شهادة تثبت هويتها الإسلامية، إذ يجب أن تكون أجهزة التربية والتعليم محاضن للتربية الإيمانية في الاعتبار الأول، وأن تبسط يد الدعوة فيها بسطا كاملا على مستوى وضع البرامج، وتأليف الكتب، والإدارة والتفتيش ورعاية النشء وتهييئه لقيادة الأمة..

في السعي لإمامة الأمة ينبغي حسب الأستاذ ياسين أن تطهر أجهزة التعليم والتربية من جراثيم الإلحاد التي تفتك بالعقول والقلوب، وهذه العناية من الأستاذ ياسين بالمؤسسة التعليمية التربوية باعتبار أن الرجل خبير بالميدان عارف بأسراره عالم بما له من دور في انحطاط الأمة أو رقيها.

فالمؤسسة التربوية باختلاف أشكالها الخارجية تتحمل إلى حد كبير مسؤولية إنشاء قيمنا التربوية وبناء شخصيتنا الحضارية ورؤيتنا للعالم والحياة، لذلك فهي المؤسسة الأكثر قدرة على تطوير الواقع والدفع به إلى مسالك التقدم، وهي على العكس من ذلك السبب الرئيسي للجمود والاستبداد السياسي والتخلف الاجتماعي والعمراني.

وتعطى الأولوية عند الأستاذ ياسين للقرآن وأهل القرآن وعلوم القرآن ومجالس القرآن، وكل ما تعلق بالقرآن من معرفة، إذ القرآن معرفة معادلة للوجود الكوني وحركته، كما يذهب المرحوم أبو القاسم الحاج حمد، فأي شيء في الوجود وأي شأن من شؤون الإنسان يمكن أن يجد له في القرآن أصلا أو مؤشرا أو موجها أو منبها يعين على فهمه أو على إدراكه كما يقول طه جابر العلواني.

ثم يأتي في النهاية سؤال التوحيد، وصورته كيف يكون تدبير الخلاف سببا في الاستقرار؟ والجواب عند الأستاذ ياسين أن جمع كلمة الأمة وائتلاف قلوبها وتقريب آرائها شروط ضرورية لإقامة الملة وتقوية الدولة، فلا تقل ضرورة ذلك عن ضرورة تقريب الفجوات فيما يتعلق بقسمة الأرزاق..

وكما يجب على دولة القرآن أن تدمج فئات المجتمع دمجا اقتصاديا بتسوية فرص العمل والكسب، وبإنصاف العامل والأجير، وبإعطاء المالك مكانته في المجتمع الإسلامي بلا شطط، فكذلك يجب الدمج المذهبي والتعايش السلمي بين الآراء والتفاهم والتعاون ليتحد الناس ماديا ومعنويا، وليس المخربون الاقتصاديون بأحق بإنكارنا من المخربين المتنطعين في الدين.

والحرص على الرؤية التوحيدية عند الأستاذ ياسين حرص مبدئي، وهو يكاد يرتقي ليكون السمة المميزة لكل كتاباته منذ بدأ التهمم بهموم الأمة، ومن كان همه “تحرير الأمة” و”التحرير للأمة” فإن هم توحيدها وجمع شملها وتدبير الخلاف الناشئ من الطبيعة والثقافة بين أبنائها.