“إمامة الأمة” هو آخر كتاب صدر هذا العام للأستاذ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان، وكان قد كتبه سنة 1403 للهجرة، وفي كتابه لا يخفي الأستاذ عبد السلام ياسين أن هدف الحركة الإسلامية سواء كانت حركة أو رابطة إسلامية، أن تتصدى لمسألة الحكم بعد تقوية صفها وتربية رجالها وتنظيمهم وتأطيرهم، وليس عيبا أو بدعة في أن تغالب الأحزاب ودول الجور على إمامة الأمة، بقيادة جند الله للقومة ومشاركة السواد الأعظم من الأمة في البناء.

وأن هذا البناء والتغيير متوقف بدرجة قصوى على تعبئة المستضعفين واختيار الرجال من أهل الإيمان والصلاح والخبرة لإدارة دولة القرآن، التي تضمن لكل إنسان حقوقه وكرامته وأنه ما خلق في هذه الأرض عبثا وإنما خلق لمعرفة الله وعبادته.

وهو يرى أن نجاح هذه العملية متوقف على إعادة تربية وتعليم الشخصية المسلمة مع إيجاد إعلام إسلامي يكون في مستوى مواجهة الإعلام الجاهلي العالمي في حربه الماكرة على الإسلام والمسلمين، وأن يتصدر العلماء المجتهدون والمختصون المتقون في كل فنون المعرفة الدينية والدنيوية ليجمعوا بين قداسة النص وحكمة العقل وإيمان القلب لصياغة السياسة الشرعية التي تجمع بين المسلمين وتؤلف بين قلوبهم بعيدا عن الاختلافات الفرعية المفرقة والتنطع الذي يضعف الأمة ويولد الفرقة في الجسم الإسلامي، على اعتبار أن دعوة الإسلام جاءت لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، لتنهض الأمة المسلمة كلها وقد توحدت لإمامة المستضعفين في الأرض.

إن الهدف الاستراتيجي عند الأستاذ عبد السلام ياسين كما لا يمل أن يذكر في كتاباته أن يصل بجند الله وبأمة الإسلام والمسلمين إلى الخلافة الثانية على منهاج النبوة التي وعد وبشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) بعد أن تحدث عن الملك العاض والجبري الذي سيحكم المسلمين لقرون من الزمن، ولذلك جاء الكتاب ليحمل “رسالة الإسلام بشرى للإنسان وتخليصا له من ربقة ما يستعبده من دون الله ويضله ويظلمه ويحقره”.

وهو بهذا يريد أن يساهم في رفع الهمم وشحد العزائم وترشيد الصحوة الإسلامية وربطها بهدفها الاسترتيجي الذي يتمثل في القضاء على الجور ومحوه ليحل محله العدل كما جاء في الحديث الشريف الذي يستشرف المستقبل (ثم يأتي الله تبارك وتعالى بالعدل فكلما طلع من العدل شيء ذهب من الجور مثله حتى يولد في العدل من لا يعرف غيره).

دلالة العنوان

عنوان الكتاب محمّل بالدلالات والمعاني الأصيلة والتي تنهل من القرآن والسنة والتي تستشرف مستقبل الإسلام والمسلمين، فرسالة الكتاب “إمامة الأمة” تكمن في عنوانه إذ أن الإمامة: هي تقديم شخص على الناس على نحو يتبعونه ويقتدون به.

أما الإمام: فهو من يقتدى به وهو الذي يتقدم على الناس وهم يأتمون به في قول أو فعل أو غير ذلك سواء كان الإمام المتقدم عليهم محقا أم لا. والإمامة تكون في الحق والباطل كما بين القرآن الكريم.

إلا أن الإمامة التي يتحدث عنها المؤلف ويأمل أن تتحقق في غد الإسلام هي إمامة التربية والدعوة والجهاد وتطبيق شريعة الله في الأرض في كل مجالات الحياة العقدية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية… إمامة أمة بقيادة إمام عادل ولا تكتفي بقيادة المسلمين بل تتعداهم إلى قيادة الإنسانية جمعاء تحت رحمة الإسلام وقوة المسلمين.

الأمة: ورد الحديث عنها في القرآن الكريم في آيات عديدة وسياقات مختلفة منها قوله تعالى وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون.

وقال الإمام القرطبي في تفسيره الأمة تعني الدين وهي بالإضافة إلى أنها تعني الدين والشريعة والملة فإن باقي مكوناتها كاللغة والأرض وترابط المصالح وغير ذلك يجعل العقيدة الدينية هي المكون الأساسي بل والأوحد للأمة، إذ أن مهمة الأمة هي الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإمامة الأمة تعني برأيي نقل الأمة أي العامة من المسلمين من واقع الفتنة والغفلة عن الله والحكم الجبري والتبعية للغرب الجاهلي إلى عالم الإيمان والثوبة وعدل الإسلام والاستقلال بذاتها على جميع المستويات مع الانفتاح على العالم الخارجي من موقع القوة وموقع الاعتزاز بالدين حيث الكرامة الآدمية وحقوق الإنسان، حيث تصبح هي من تقود وتوجه وتسوس في كل مجلات الدين والدنيا.

إلا أن هذه القفزة النوعية لن تأتي بين عشية وضحاها بل يتطلب الأمر بحسب طرحه إعدادا واستعدادا وأجيالا من الزمان حتى تتحقق البشرى النبوية.

رمزية الغلاف

لا يمكن الفصل بين غلاف الكتاب وعنوانه ومضمونه، فالغلاف يغلب عليه اللون الأبيض لون السحاب والضباب المخيم في سماء الإسلام والمسلمين وكل العالم، يمكن لهذا الضباب أن يحجب الرؤيا بوضوح، وقد يكون هذا البياض أيضا لون النور النازل من السماء من عند الله ولا يكسوا هذا البياض السماء فقط بل يغشى كل بقعة فوق الأرض، وفي الأعلى يظهر بعضا من لون السماء الأزرق بعد انقشاع جزء من هذا الضباب، وفي الدفتين الخارجيتن للغلاف في الأعلى أيضا عنوان الكتاب وصورة مؤلف الكتاب ينظر إلى جزء مهم من الكرة الأرضية، والتي تقسمها خطوط الطول والعرض وهو يبتسم.

وتحت العنوان تنكشف كلمة أمة وبداية تشكل الحروف الأولى لكلمة “الإمامة وهو ما يعني أن ملامح مشروع الإمامة بدأت تظهر للعيان فكلما ارتفع الضباب وزال بدا ذلك الأفق الصافي وبدت معالم الطريق إلى الإمامة أكثر وضوحا في العالم المنظور كما وعد بذلك الله في كتابه المقروء، إلا أن هذه الإمامة لا يمكن أن تأتي إلا عن طرق القومة ولذا نجد ياسين قد بدأ حديثه في الغلاف عن معنى القومة وأهدافها ليكون أول ما يستقر في عين القارئ وعقله عند تصفحه للكتاب.

دور جند الله

وهنا يطرح سؤالا جوهريا ما معنى القومة وفيما تختلف عن الثورة وما أهداف القومة كما جاءت في كتاب إمامة الأمة؟ ومن يقود هذه القومة الإسلامية لاجتثاث أركان الظلم؟

هل جند الله وحدهم قادرون على هذا الفعل التاريخي العظيم والكبير الذي سيغير مجرى تاريخ الإسلام والمسلمين؟ أم أن الأمر يحتاج إلى إشراك العامة من المسلمين في صناعة مستقبل وتاريخ المسلمين؟

تحت عنوان “الجندية “في فقرة “تعبئة المستضعفين” يقول ياسين في سياق حديثه عن القومة أنها: “.. ليست هدية يأتي بها جند الله للأمة هنيئة مريئة…” ويكمن هدف القومة في أن تعود أمة الإسلام أمة مجاهدة وراشدة، وهي من تقرر مصيرها بكل حرية واستقلال بحيث تصبح قوة اقتصادية، تفرض وجودها وقرارها نظرا لما تملكه من قوة ولن يتأتى ذلك بحسب رأي الأستاذ إلا “بتحرير العقل المسلم من الخرافة وفلسفة الإلحاد” ولا يكفي ذلك وحده فقط بل يتطلب الأمر أيضا “تنظيم الطاقات البشرية والاقتصادية” التي يمتلكها كل قطر تحرر من قبضة الحكم الجبري الدكتاتوري وتعم الشورى مؤسسات دولة القرآن لتشارك العامة من الناس في إعادة البناء عن قناعة مع الاستعانة ب “ذوي الكفاءات وذوي الغنى والخبرة ورجال التجربة والاطلاع”. ويسمي مؤلف الكتاب هؤلاء ب “العامة النافعة” “الملتفة حول القيادة والجماعة النصيرة لها، المنتظمة معها بنظام الولاية، السائرة بأمرها، المنتهية بنهيها عندئذ يكون الكل جند الله” وعلى الإدارة الإسلامية التي يديرها جند الله أن “تهتم بالجدوى والفعالية وتوفير وقت الناس” وأن “يحدث تقارب نفسي وتلاحم حسي بين الحاكم والمحكوم” على عكس ما هو سائد الآن في الإدارات المتعجرفة التي تعم بلاد المسلمين وهو يريد بهذا بث الثقة والتعاون في ذلك المجتمع المنشود.

وهذا بطبيعة الحال متوقف في الحاضر على التغلغل في السواد الأعظم من الأمة فطلائع الحق أو جند الله مهمتهم أن “يدركون جيدا كيف يخاطبون الناس ويحبونهم ويشاركونهم” آمالهم وآلامهم وكيف يتدرجون بالناس في الالتزام بالشريعة وأن يكون اللقاء بين الحاكم والمحكوم لقاء تلاحم يعيش حقيقة “مجتمع العمران الأخوي” كما يحلوا له أن يسميه، تسود فيه المحبة وتنتفي الكراهية، ووسيلة تحقيق ذلك صدق جند الله والطليعة المجاهدة مع الله ومع الشعب ودوام الاتصال بالأمة وتعبئة المستضعفين. يقول صاحب الكتاب “الهدف من تجنيد العامة وتعبئة المستضعفين إيقاظ القلب إلى معاني الإيمان ورفع الهمم إلى نشدان الكرامة الآدمية وكمال الإنسان ثم إيقاظ الفكر من سبات الزمان وبث الوعي السياسي ليهتم المستضعفون بما يجري في الحدثان، الهدف تحريك الساكن فينا الخامل من حوالنا” وهذا يتطلب برأيه حركة مجتمعية بقيادة “الجماعة أو الرابطة الإسلامية” تمثل ذلك الترابط الجسمي والفكري والوجداني بحيث تكون هذه الرابطة دائمة الحركة والنشاط دعويا وسياسيا تنشد الاجتهاد الذي يصلها إلى سدة الحكم وتنبذ الاختلاف الذي يضيع وقتها وينهك قواها في خلافات هامشية .

وعلى مثل هذا كان النموذج الصحابي رضوان الله عليهم قبل تأسيس دولة الإسلام الأولى وعند تأسيها وبعد تأسيسها ولذلك تلا ذلك الفتوحات حيث كان الكل في أهبة وكانت الأمة أمة مجندة متحركة حية يشارك فيها الصغير والكبير والرجل والمرأة كل يعمل من موقعه وبما يمتلك من قدرة ووسائل وتحقيق هذا النموذج في المستقبل القريب يتوقف على إعداد القوة ونبذ حضارة المتعة الجاهلية وفتح محاضن الرباط في سبيل الله بالمعنى القرآني في وجه شباب الأمة المنتظمون في صفوف المؤيدين للصحوة الإسلامية ويستدل بقول الله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل.

ومن أعجب ما يتطرق إليه الكتاب أيضا غدا في دولة القران بعد الحسرة على إخفاقنا راهنا حتى في الألعاب الرياضية الدالة على خمولنا أن تصبح هذه الرياضات بابا لنشر الدعوة عن طريق التفوق الرياضي وخاصة إذا اقترن ذلك بنموذجية دولة القرآن في إنجازاتها بحيث يصبح ذلك أبلغ أنواع الدعوة وأكثرها تأثيرا على البشرية ويستدل في هذا السياق، بحديث ركانة الذي كان “أصرع أهل زمانه” لكن لما صرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلم وتعجب من قدرة الرسول صلى الله عليه وسلم على هزمه رغم قوته البدنية والعضلية.

دولة القرآن ونشدان السلم والاستقرار

وقبل أن نسد هذه الفقرة وجب التذكير من وجهة نظري المتواضعة أن المرشد لا يمل في كتاباته منذ البداية وحتى الآن التمييز ما بين “الثورة” و”القومة”، وكثيرا ما يضع كلمة ثورة بين قوسين عندما يفضل استعمالها للتواصل مع قراءه وخاصة أن كلمة ثورة ترتبط في ذهن القارئ بالخروج عن كل سلطة ظالمة وباغية وخارجة عن دائرة الشرع أو القانون وما يرافق ذلك من عنف واضطراب وأن أسمى ما يحرك الثورة الغضب ضد الظلم، أما “القومة” الكلمة المفضلة والتي يجد لها تأصيلا في القرآن الكريم والسنة النبوية عنده فإنها تعني الغضب لانتهاك حرمات الله وليس انتصار للنفس أو انتصارا لإديولوجية حزب ما ويذكر بما رافق الثورة الفرنسية من مذابح جماعية والثورة الماركسية ودكتاتورية البروليتارية. وهو يقترب في طرحه أكثر إلى نموذج الثورة الإيرانية مع مجموعة من التحفظات كتحفظه على العنف الذي رافقها وراح ضحيتها 3000 قتيل.

فالقومة ترفض رفضا مطلقا سفك الدماء والعنف بكل أشكاله، وأن الغاية لا تبرر الوسيلة فالمطلوب في القومة حقن دماء المسلمين ونبذ لغة الاغتيال السياسي وهو بذلك يعود إلى السنة الطاهرة ويسترشد في ذلك بحديث رواه أحمد ومسلم والنسائي عن أبي هريرة قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم “ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى لمؤمنها ولا يفي لذي عهدها فليس مني ولست منه”.

لا نهوض للأمة إلا بمشاركتها يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “مقاومةُ الظلم حتى الموت ولو نشراً بالمناشير واجب الطليعة المجاهدة. لكن إقامة دولة القرآن ونجاحَها في بناء الأمة وحملِ الرسالة رهنٌ بسَرَيان روحِ المقاومة في عامة الأمة حتى يصبح المعروف سيدا، والمنكر مرذولا مطرودا على كل المستويات، وفي كل الميادين” كما جاء في كتابه الذي يصب في نفس الاتجاه رجال القومة والإصلاح ص 35.

وفي الأخير وجب أن نشير إشارة مهمة وهي أن “دخول دولة القرآن إلى الساحة الدولية” لا ينبغي أن تكون “عامل مزيد في الفوضى والقرصنة في العلاقة الدولية” لأنه ليس من صالح “الدعوة الإسلامية” أن يزداد العنف في الأمة وانتهاك الحقوق بقدر ما يهمها أن “يسود الاستقرار والسلم ورعاية المصالح المشروعة لكل الدول” وهذا لا ينفي “الثورة عليها إن اقتضى الحال” والوصول إلى هذه القمة العالية يتطلب إتقان عملية “التربية والتعليم” في صفوف عامة المسلمين.