الحلقة الرابطة

هل يُغْنِي وجود الكتاب والحكمة صحائفَ مسطورةً منشورةً منثورةً لنتعلم ولنتزكى في غياب مَنْ يَتْلُو ويُعَلِّمُ ويسقي ويتعهد ويُشَذِّب ويُهذِّب؟

كان الصحابة يَسْتَطِبُّونَ بما يصفه لهم صلى الله عليه وسلم من دواء، بل كان شخصُ النبي صلى الله عليه وسلم ذاتُه دواءً مداويا بإشعاعات نورانيته ورحمته الفياضة على العالمين كلِّ العالمين تُخْرِجُ المستظلَّ بها من الظلمات إلى النور؛ فكيف يخرجنا الحبيب الطبيب صلى الله عليه وسلم من ظلمات نفوسنا وضلالها إلى نور معرفته تعالى وهدايته ونحن لم نَحْظَ بصحبته المباشِرة عليه أزكى صلاة وأندى سلام؟

يقول عز من قائل في محكم كتابه العزيز:

فَاتَّقُوا اللهَ يَا أُوْلِي الألباب الَّذِينَ آمَنُوا، قَدَ أنزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا: رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ مُبَيَّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ.

غير أنه لا يكتمل فهم هذه الآيات في غياب حلقة الوصل الحاملة الرابطة الموصلة للمعاني التي يزخر بها ميراث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فينا. فما هي وكيف هي وأين هي هذه الحلقة الحاملة الرابطة الموصلة؟

إنه لا يُتَصَوَّرُ في العقل وفي الشرع وجود “ميراث” دون أن يكون له “مُوَرِّثٌ” و”وارث”. وعلى قدر عظمة الميراث يُطْلَبُ الوارث، وعلى قدر شمولية الميراث يُرادُ الوارث، وعلى قدر ثِقَلِ الميراث تُرامُ قوة الوارث، وعلى قدر كمال الميراث يُلْتَمَسُ كمال الوارث.

هذه هي الحلقة الحاملة الرابطة الموصلة، وهذا هو الجواب ﴿يَا أُوْلِي الألباب الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يا أهل الحكمة والرأي والبصيرة الذين يفهمون عن الله وعن كتاب الله وعن نبي الله بنعمة ما أوتوا من إيمان.

الآياتُ الْمُبَيَّنَاتُ يتلوها الوارثُ الكامل الحاملُ الْمُبلِّغُ الرابطُ الموصلُ تُخرج الناس من الظلمات إلى النور.

وَأَثَرُ المعلمِ الوارث المزكِّي في الناس كأثر الآيات المبينات التي يتلوها عليهم. فقد وَصَفَ الله تعالى للقلوب المضطربة العليلة وَصْفَةً ربانية: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ، أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ؛ وَوَصَفَ سبحانه نبيَّه وحبيبَه صلى الله عليه وسلم -فيما سبق من آيات- بأنه ﴿ذِكْر﴾: قَدَ اَنزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ مُبَيَّنَاتٍ.

إن لذكر الله تعالى ولآياته المبينات لَبَرَكَةً وأثراً في القلب يجدها من يتناول دواءها من صيدلية ﴿الكتاب والحكمة﴾، أما إن سُقِي مباشرةً من حوضها بيد طبيب مبارك عارف مجرب خبير فلا تَسَلْ كيف تكون بركاتها وآثارها؟!

لا منبع للنور وللطمأنينة وللسكينة يستقي منه القلب طاقتَه ويستمد ويتزود ويستطبُّ لِيُخْرَجَ من الظلمات إلى النور كذكر الله تعالى يلهج العبد بِمَا عَلَّمهُ منه الحبيب الطبيب صلى الله عليه وسلم طاقةً محركةً للقلب، فكيف بهذا القلب إن اتبع: ذِكْراً رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ مُبَيَّنَاتٍ، وسار تحت ظل رحمة العالمين؟!

رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ

إن كان لرحمة الله من أثر مَرْجُوٍّ فهو أن تُحْيِيَ مَوَاتَ القلوب بمائها: فَانْظُرِ إلى أَثَرِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا، إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

وما شأن هذه القلوب إلا كشأن هذه الأرض. و السعيد في هذه الدنيا مَنْ لَمْ يَعْمَ عن منبع رحمة الله، وتعرَّض لغيثها المغيث.

قال تعالى على لسان سيدنا نوح عليه وعلى نبينا أزكى صلاة وأندى سلام: قَالَ يَا قَوْمِ أَرآيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعَمِيَتْ عَلَيْكُمْ، أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ؟ 1 !

لا يَعْمَى عن رحمة الله إلا الكارهون لها ابتداءً. والعياذ بالله تعالى.

في قصة سيدنا موسى، عليه وعلى حبيبنا أزكى صلاة وأندى سلام، من سورة الكهف عبر وعظات. قال تعالى: فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عبادنا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً، وكأنه لا يُؤتي اللهُ عبداً من عباده رحمة إلا وآتاه معها من لدنه علما يُصَرِّفُها في الناس به.

بُعِثَ الخضر عليه السلام في بضع مهمات عنوانها الرئيس: “الرحمة”.

بُعث لرحمة مساكين يعملون في البحر لحِفْظِهِم من ظلم الملك الظالم بخرق سفينتهم، وكثيراً ما يكون خرق سفينة النفس وجها من أوجه رحمة الله بها وحفظه إياها.

وبُعث لرحمة الأبوين بقتل غلام لهما عَلِمَ الله أنه إن عاش أرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أَنْ يُبَدِّلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً، وإن مما يرحم به الله عبدَه أن يقتطف ثمرة

من ثمرات فؤاده اليانعة فيما العين بها قريرة سعيدة عَلِمَ ما وراء حجب الغيب من حكمة الله أو لم يعلم!

وبُعِثَ لإقامة جدار الغلامين اليتيمين رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ، وإن العبد ليتأمل في ما يقيمه له الحق سبحانه من جُدُرٍ على غير استحقاق منه فيتساءل ويتعجب، ولا عجب من أمر الله، فما هي إلا رحمة الله يصيب بها بعضَ عباده ببركة صلاح ودعاء الآباء والأجداد، الطينِيِّ منهم والروحيّ.


[1] في رواية حفص عن عاصم: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾.\