ليس من الصعب حتى على الإنسان البسيط، الذي لا يفهم في السياسة ومفرداتها وألاعيبها ومؤامراتها أن يفهم ما يتفاعل من أحداث في إيران، فيكفي متابعة سيل البيانات الصادرة من العواصم الأوروبية والغربية وكذا سيل المقالات والخطب التي تدبجها أقلام “المارينز المثقف” 1 عندنا لنفهم الاتجاه العام للأحداث ولنطرح العديد من الأسئلة وعلامات الاستفهام على حقيقة ما يجري في الشارع الإيراني وما يراد لنا إعلاميا أن نفهم منه أنه بداية “ثورة مخملية” على الثورة في إيران أو أنها حركة احتجاجات عارمة من الشعب الإيراني على الثورة ورموزها، تتصاعد يوميا، بعد أن كانت في البداية حركة رفض لنتائج الانتخابات ومعارضة للرئيس نجاد وسياساته داخليا وخارجيا.

وحتى لا تنسينا الأحداث الأخيرة جوهر الموضوع ولبه ولكي لا نسقط في الاستهلاك الإعلامي المياوم وطوفان الدعاية والحرب النفسية والإعلامية والمخابراتية التي يتقنها الغرب. ينبغي أن نعي أن ما تعيشه إيران الآن إنما هو استمرار لمسلسل من محاولات تركيع القيادة الإيرانية، لتتراجع عن مواقفها الداعمة لحركات المقاومة وخاصة موقفها من “إسرائيل”، إذ أن إيران راعية للإرهاب في العالم وإحدى دول محور الشر وإحدى الدول المارقة التي تستعصي على دخول بيت الطاعة الأمريكي.وعليه فالغرب وعامة الأنظمة العربية التابعة، لم يغيروا موقفهم من إيران منذ سقوط الشاه بهلوي الحليف الاستراتيجي لبريطانيا وأمريكا. حيث ظل خيار إجهاض الثورة قائما وإن اتخذ أشكالا متعددة، كان أولها افتعال الحرب مع العراق لاستنزاف إيران بدعم إقليمي ولوقف التوسع الإيراني الصفوي ولصد ما سمي حينها “تصدير الثورة”، وما تلا ذلك من حصار اقتصادي وعسكري ودعم لمنظمات المعارضة المسلحة كمجاهدي خلق وبقايا التيار الشاهنشاهي. وكذلك من خلال تجييش آلة الدعاية السنية لعزل إيران عن عمقها الإسلامي بالعزف على العداء التاريخي الشيعي/السني وإحياء النعرات الطائفية. كل هذا يجعلنا أمام مخطط سياسي ديني اقتصادي عسكري لإسقاط الجمهورية الإسلامية أولا ولإجهاض المشروع الإسلامي الجنيني الذي بدأ يتشكل لدى الحركة الإسلامية في العالم الإسلامي وتعتبر الثورة في إيران أحد مرجعياته ونماذجه ثانيا. لكن هذه المحاولات المستميتة اصطدمت بعدة حقائق واقعية جعلت الغرب يراجع حساباته مرحليا منتهجا قمة البراغماتية السياسية ومتحينا الفرصة التاريخية لإتمام مشروعه الاستراتيجي ومن أكبر هذه الحقائق:

1. قيادة آسرة وكاريزما روحية “متمثلة في آية الله الخميني”.

2. نظرية سياسية ثورية متمثلة في إيديولوجيا “ولاية الفقيه”

3. طليعة ثورية مؤمنة بالمشروع.

4. قاعدة شعبية صامدة وملتفة حول الثورة وقياداتها ورموزها.

إذا كان هذا هو السياق التاريخي والدولي العام لسير الأحداث فما الجديد؟ هل فعلا نتيجة الانتخابات هي السبب في تفجير الأوضاع أم أنها النقطة التي أفاضت كأس صراع أجنحة متأجج منذ وفاة الإمام الخميني حول مبادئ الثورة التي -في نظر البعض- تم التراجع عنها؟ أم أن الصراع تجاوز هذا الحد إلى مراجعة مرجعيات الثورة نفسها؟

بعيدا عن نظريتي المؤامرة والتخوين فليس ما يقع في إيران حصيلة مؤامرة خارجية وحسب، -وإن كان التآمر جزءا من الحرب السرية التي تمارسها الدول للحفاظ على مصالحها.- وليس أيضا حركة خيانة يقودها التيار الإصلاحي ورموزه لإسقاط النظام. فهذه تفسيرات سطحية، إذ أن فهم الوضع في إيران يحتاج منا بحثا عميقا في تركيبة النظام المعقدة وآلية الحكم في إيران وإدراكا لطبيعة التحولات الديمغرافية والفكرية، والإكراهات الاقتصادية التي يعيشها المجتمع الإيراني بعد عقود من الثورة، فهي عوامل أسهمت مجتمعة في إيجاد حركة احتجاج نخبوية وشعبية ليس لها نفس الأهداف والغايات. وإن جمعها الشارع ووحدها.

النظرية السياسية والتطبيقات

لا يملك حتى المنتقدون لإيران إلا الاعتراف بريادة تجربتها السياسية، فإيران لا يمكن أن توصف بالدولة الاستبدادية كباقي دول الجوار، فقد انتهجت خيار التعددية السياسية في ظل نظام عام واحد وبذلك فنظريتها السياسية هي أقرب إلى الديمقراطيات الغربية فهي تؤمن بالتعددية وتجري انتخابات نزيهة بشهادة الجميع -أوهي على الأقل أنزه انتخابات في العالمين العربي والإسلامي-، وتحتكم إلى دستور غير ممنوح، وتوزع سلطة التشريع بين عدة مؤسسات. وهذا ما أكده المفكر “عزمي بشارة” في رصده للخصوصية الإيرانية رغم وصفه لها بالدولة الشمولية “وإذا أخذنا هذه الناحية من النظام الإيراني بما تتيحه من تنافس ونقد وتداول للحكم في ظل قواعد لعبة متفق عليها، فإنه أقرب للديمقراطية التعددية التي نعرفها في الغرب منه إلى النظام الشمولي.” 2 لكن هذا المظهر الديمقراطي يخفي وراءه مشاكل بخصوص مراكز السلطة الحقيقية في إيران إذ أنه من الوهلة الأولى يبدو تركز السلطة في يد المرشد الأعلى للثورة والفقهاء والمراجع الدينية رغم تعدد مرجعيات التشريع الصوري. ويرجع ذلك إلى الخوف من النكوص إلى الاستبداد وضرورة الحفاظ على الدولة الفتية القائمة آنذاك على “نظرية ولاية الفقيه” التي رسم معالمها الإمام الخميني في كتاب “الحكومة الإسلامية” وهي قضية مصيرية شغلت حيزا كبيرا من اهتمام القيادة ككل حيث تم توزيع السلطة حسب الدستور (انظر المواد 80-93-94-96-98-110 من الدستور الإيراني ) بين عدة مؤسسات (مجلس صيانة الدستور، مجلس الخبراء، مجمع تشخيص مصلحة النظام، مجلس الشورى) ولكنها تصب جميعا في يد المرشد الأعلى الذي يعتبر روح الأمة والضامن لخطها الإسلامي العام، ولحق الشعب في العدل والحرية. لكن هذا الهاجس الذي سيطر عند صياغة الدستور تحول عن مساره مع مرور الوقت لسببين أولا وفاة الموجه للنظام أي الإمام الخميني الذي كان شخصه ضامنا لمبادئ الجمهورية الإسلامية ثم ثانيا لعدم تطور المنظومة السياسية بل التراجع عن مبادئها رغم التحولات الكبرى داخليا وخارجيا، وهذا ما عبر عنه آية الله منتظري في تقييمه لحصيلة تسعة وعشرين سنة من عمر الجمهورية الإسلامية “لا أتهم أحداً بالخيانة لكن لا يسعني تجاهل تطرف البعض وتسلط البعض الآخر مما حال دون تجسيد الأهداف الرئيسية لثورتنا والتي كانت تتلخص في الحريات السياسية والمدنية لسائر أبناء الشعب”. 3 يضاف إلى هذا انغماس الفقهاء والعلماء في تدبير الشأن التنفيذي وفي مهام الدولة وابتعادهم عن ممارسة مهامهم التربوية والروحية في توجيه الشعب وإرشاده مما سيكون له تأثير كبير على أجيال ولدت بعد الثورة ولم تتشبع بمبادئها “كان آية الله خميني يرى أنه ليس من مصلحة البلاد ولا القوات المسلحة التدخل في اللعبة السياسية والانتصار لهذا الطرف أو ذاك وكذلك رجال الدين فإن من واجبهم الابتعاد قدر الإمكان عن المناصب التنفيذية وعن مراكز السلطة حتى لا يتأثر دورهم الروحي القائد للشعب 4 كما لم يسلم انغماس العلماء في السياسة من تجاذبات وتنافس على المناصب فالدكتور “عصام العريان” أحد قيادات الإخوان المسلمين في قراءته للأحداث في إيران يرى أن من ثغرات نظرية ولاية الفقيه” تنافس آيات الله على المناصب السياسية وفى الصراع السياسي الحالي المحتدم طالت الاتهامات رؤساء كبيرة وقد لا تتوقف عند رفسنجانى وكروبى ورضا نورى بل قد تصل إلى “الولي الفقيه خامنئى” نفسه إذا فشل في احتواء الصراع الحالي” 5 وهو ما يثبت مرة أخرى جدارة نظرية “ثنائية الدعوة والدولة” بعد تجربة الحكم في السودان. يقول المفكر الإسلامي الأستاذ عبد السلام ياسين: “من أهم الدروس للدعوة الصاعدة في صحوتها، المرشَّحَة للحكم. بل هو الدرسُ بالحروف البارزة. التحدي هو: هل تمسك الدعوة بزمام الحكم وتدير عجلته وتَبقى مستقلةَ الوجود ماضية الإرادة في وِجهَة التغيير الشامل الجذري للمجتمع، أم تجذِبها الدولة ويستقطبها الحكمُ فيستولي على النفوس، ويستغرق الجهودَ، ويغلب على الوجهة حتى تذوبَ الدعوة في الدولة؟ التحدي أساسا هو: هل يحيَى الدعاةُ بعدَ الوصولِ إلى الحُكم بحياة الإيمان والإحسان، أم “تدنسهم الدنيا” وتهلكهم كما أهلكت من كان قبلَهم؟” 6 سؤال جوهري، فالحركة الإسلامية تؤكد مختلف تجاربها أن ذوبان الدعوة في الدولة خطر عليهما معا، فلا بد من مسافة فاصلة بينهما. فمهمة الدعوة أن تحول الإسلام من خيار دولة وسلطة إلى خيار شعبي يحتضن من طرف المجتمع ويدافع عنه ويقعد له دستوريا. ويكون رجال الدعوة والعلماء ضمير الأمة وحماة المبادئ الكبرى بعيدين دون الغوص في وحل السلطة وتفاصيلها. وهذا ما يجعل سؤال د. “عصام العريان” مشروعا حين يقول: هل تتطور نظرية “ولاية الفقيه” إلى نظرية جديدة هي “ولاية الأمة”؟ وهل يدرك الشيعة أن غيبة الإمام التي طالت قد تطول أكثر وأكثر وأن الحاجة ملحة إلى العودة إلى الأمة نفسها لتتولى أمور دنياها وتختار بحرية من يحكمها وتحاسبه على ذلك وتعزله إن أرادت؟ وهل يمكن ترجمة إجابات تلك الأسئلة في تطوير دستوري في إيران دون الحاجة إلى نظرية فقهية جديدة تحتاج إلى فقيه في حجم الخميني وقائد سياسي محنك له مثل قدراته القيادية وكاريزميته الشخصية؟ 7

سلطة غائبة، سلطة وصية

عدم استيعاب التغيرات المجتمعية من لدن العلماء والفقهاء المنشغلين عن هموم الشعب بتدبير أعباء الدولة وما أثقلها داخليا وخارجيا، كانت إحدى نقط ضعف المحافظين- والنظام التقليدي ككل-، التي أوصلت خاتمي إلى الحكم حيث بدا أقرب إلى نبض الشعب خاصة الشباب والنساء وهو ما حدا به إلى القول في انتخابات الرئاسة: “إن سيادة الشباب في مجتمعنا، والاتساع الكمي والكيفي للعلم والمعرفة، واتساع الاتصالات، وتعامل شبابنا مع ما يجري في العالم ببساطة، من المسائل التي أوجدت وضعًا خاصًا في المجتمع الإيراني، ولا شك أن مجتمع إيران اليوم له مطالب وتوقعات جديدة، فإذا لم نهتم بهذا الوضع وهذه المطالبات الجديدة في ترتيباتنا فسوف نتعرض للفشل في إدارتنا للأمور”. المعطيات الاقتصادية والديمغرافية الجديدة لم ينتبه إليها صناع القرار، فالمجتمع الإيراني عرف تحولا كبيرا جدا في تركيبته السكانية حيث تضاعف عدد السكان من 33 مليون نسمة تقريبا سنة 1979 إلى 73 مليون حاليا معظمها من الشباب (49% من النساء) ولدوا بعد الثورة الإسلامية، والأفكار والشعارات الثورية التي كانت قادرة على تعبئة الشارع في السبعينيات والثمانينيات لم تعد كذلك في التسعينات وما بعدها. فالتحدي الاقتصادي في ظل تفاقم التضخم وارتفاع نسبة البطالة وأجواء التأميم والعسكرة والاقتصاد الموجه. كلها كانت تحديات لابد من الانتباه إليها بشكل جدي خاصة وأن الثورة التي عرفها العالم في وسائط الاتصال والمعلوميات والإعلام فكت عزلة الشعب الإيراني وفتحت عينيه على العالم الخارجي، ونشرت نوعا جديدا من القيم الغربية وثقافة الترف والاستهلاك في أوساط الشباب (يظهر بجلاء في مظهر المحتجين: اللباس، التسريحات، ولباس الفتيات ) لم يكن جيل ما بعد الثورة ملقحا ضدها جيدا لأن الماكينة التربوية والدعوية تعطلت.

يضاف إلى قضية عدم استيعاب السلطة للمتغيرات الحاصلة في المجتمع ممارستها “الوصاية” على الشعب واختياراته. بل حتى على من أسهموا في الثورة أنفسهم من القيادات المتنورة التي تسمى “إصلاحية” وإن كانت آتية أصلا من رحم الثورة ودهاليز الجمهورية كـ(مير حسين موسوي، رئيس الوزراء من 1981 إلى 1989م، وهو آخر رئيس وزراء لإيران / مهدي كروبي من الإصلاحيين، رأس البرلمان الإيراني من 1989 إلى 1992م./ محسن رضائي، قائد الحرس الثوري أثناء الحرب الإيرانية العراقية/. حسين منتظري أحد منظري الثورة والمشرف على صياغة الدستور والمرشح الأكبر لخلافة الخميني) فهي بعد أن احتكرت السلطة، تحاول احتكار الثورة وتنصب نفسها حامية لها ولميراثها، بل وتفرض ذلك بالقوة من خلال مواجهة حركة الاحتجاج في صفوف النخب ومحاربة رموز التغيير بدعوى الحفاظ على مبادئ الجمهورية. لذا حذر منتظري من هذه السلوكات التي ستؤدي إلى المواجهة وتضع علامات استفهام على نوايا السلطة الحقيقية “إن إسقاط أسماء الأشخاص المتميزين من ذوي الخبرة وكذلك الضغط الممارس على الصحف والصحافيين والنساء والطلبة سيفضي إلى تعميق الهوة بين الشعب والسلطة وستصبح شرعية الحكومة ومؤسساتها نتيجة لذلك موضع نقاش” 8 مما لاشك فيه أن هذه الأحداث لن تحدث تغييرات كبرى في طبيعة النظام الإيراني الحالي، لكنها قد تكون فرصة لكافة الأطراف، لمراجعة تدبير الاجتهاد وآليات الاختلاف في ظل الدولة الإسلامية بشكل أكبر.

لكن السؤال الذي يطرح على المعارضة في إيران هل هذا هو الوقت المناسب لإعادة ترتيب البيت الداخلي؟ وهل نهج النزول إلى الشارع والمواجهة والتصعيد الذي مس حتى المرشد الأعلى سيفضي إلى تغييرات جذرية في بنية النظام السياسي الجمهوري الإسلامي أم سيؤدي إلى نتائج عكسية؟ حيث سنشهد حركة قمع واسعة من طرف الباسيج والحرس الثوري يليها ارتداد عن خط الانفتاح الذي شهدته إيران وتمركز السلطة بشكل أقوى في يد تحالف البرجوازية الفاسدة والمحافظين فعلى المعارضة أن تكون أكثر نضجا وأن لا تراهن على الغرب وتدرك أن الدعم والحزم الذي تبديه العواصم الغربية وسفاراتها في طهران ليس أكثر من ورقة ضغط توظفها لابتزاز وإحراج إيران بخصوص ملفين:

* الملف النووي الذي يشكل تهديدا استراتيجيا للصهاينة أساسا إذ سينهي هيمنتهم النووية على الشرق الأوسط ويضع نوعا من توازن الرعب في المنطقة مما سيغير كثيرا معادلة الصراع العربي/ الإسرائيلي.

* الملف العراقي الذي يستنزف أمريكا ويؤرق دول الجوار.

ومتى تم التوافق حول الملفين سيتوقف التباكي الغربي على حقوق الإنسان ونزاهة الانتخابات وحرية التعبير التي هي آخر ما يفكر فيه صانع القرار الغربي.


[1] يكفي تصفح كبريات الصحف العربية ليعلم كم الشماتة والتشفي والتحامل على إيران.\
[2] ملاحظات عن إيران د عزمي بشارة.\
[3] آية الله حسين منتظري في حوار مع وكالة (آكي) الإيطالية للأنباء.\
[4] نفسه\
[5] إيران إلى أين. ولاية الفقيه أم ولاية الأمة؟ ـ د.عصام العريان.\
[6] كتاب العدل: الإسلاميون والحكم. ذ عبد السلام ياسين.\
[7] إيران إلى أين. ولاية الفقيه أم ولاية الأمة؟ ـ د.عصام العريان.\
[8] آية الله حسين منتظري في حوار مع وكالة (آكي) الإيطالية للأنباء.\