لم يعد خافيا حتى على أولئك الذين لا تتكون قناعاتهم بسهولة على أن نتائج انتخابات الجماعات المحلية رسالة واضحة إلى كل مكونات الحقل السياسي، وخاصة أولئك الذين لم يتمكنوا بعد من فهم عمق وطبيعة النظام المخزني وإن زعموا عكس ذلك. فبقدر ما كانت الرسالة واضحة في نتائج الانتخابات الجماعية، بقدر ما كان التجاوب معها واضحا من طرف الأحزاب السياسية المغربية التي اجتهدت في قراءة الأرقام المحصل عليها وإبداء رضاها بما حققته حتى لا تطاردها اللعنة المخزنية فتصير في خبر كان، بعد أن ذاقت طعم المنصب والجاه.

فاللاعب الأساسي في المشهد السياسي هو المخزن، وهو وحده الماسك بكل خيوط اللعبة والمتحكم فيها، فالخرائط السياسية التي تسفر عنها الانتخابات خرائط مزورة صنعت على عين النظام وبيده لتخدم مصالحه وتحقق أهدافه، ما تغير هو شكل التزوير والطرق الموصلة إليه، من قبل كان يتم بصورة خشنة مفضوحة، ومع تطور الحياة، والاكتشافات التي تم التوصل إليها بفضل الجهود الجبارة من طرف الخبراء وأهل الاختصاص، صار التزوير يتم بشكل ذكي وراق يليق بمقام المرحلة. يقول السيد عبد الرحمن اليوسفي: “الخرائط السياسية التي كانت تسفر عنها الانتخابات لم تكن خرائط صحيحة”، ثم يضيف قائلا “كنا نعتبر أن المشهد السياسي المغربي لم يكن حقيقيا، وبما أن المرحوم الحسن الثاني قرر أن يقوم بهذه التجربة وأن يسندني كرئيس حزب معارض في تسيير هذه التجربة، فكان لا بد أن نستند على أغلبية، وأغلبية عددية وكان له الفضل في ضم هذه الأغلبية وضمان استمرارها” 1 .

أما عباس الفاسي فقد قال: “إن التزوير في الانتخابات التي شهدها المغرب منذ 1963 جعل السند الوحيد للحكومة هو ثقة الملك مما جعلها بالتالي عديمة المسؤولية أمام البرلمان” 2 . وهذا ما فعله معه الملك محمد السادس بعد أن تحول الهمة إلى المعارضة أثناء الحملة الانتخابية!!! فاللعب في الانتخابات صار عرفا مستقرا في حياتنا السياسية، تكيفت معه الطبقات السياسية وصار من الأمور المألوفة والعادية والمقبولة.

تجربة نصف قرن من الإنتاج وإعادة الإنتاج للخرائط السياسية، مع وجود الأحزاب القابلة لهذه اللعبة المزيفة وارتمائها في حضن النظام لتحقيق المنافع الخاصة على حساب قضايا وحقوق الجماهير المستضعفة، مكنت المخزن خلالها من إنتاج كل هذا العبث الذي لا نهاية له. وبالتالي استمرار الماضي بكل مآسيه وأحزانه وتكريس غياب ثقة الشعب التي عبر عنها بالعزوف الكبير عن المشاركة في الانتخابات التشريعية لعام 2007 التي كشفت عن مدى الانحطاط الذي وصلت إليه الحياة السياسية بالمغرب. وأمام انسداد أفق التغيير، وإغلاق المخزن كل المنافذ، كان الخيار الوحيد المرحلي أمام الشعب هو العزوف عن المشاركة في الانتخابات.

في الانتخابات الجماعية لـ2009، كان المخزن أكثر وضوحا مع نفسه، ومع المواطنين، يفعل ما يشاء، لا حدود لسلطانه، وهو وحده القادر على إماتة من يشاء من الأحزاب، وإحياء ما يشاء منها وهي رميم، ففي رمشة عين يوجد حزب من العدم، ويجعله متربعا فوق كرسي الريادة دون الحاجة إلى سجل نضالي، أو تاريخ مجيد، أو أصل عريق، إنه تأكيد على الماضي بكل صوره وحقائقه، ولا شيء بخصوص المستقبل والتجديد، قد يحمل الحزب اسما جديدا حسب ما تقتضيه المرحلة “الأصالة والمعاصرة “، لكن العملية بكل تفاصيلها استنساخ لجبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية 1963، والتجمع الوطني للأحرار 1977، والاتحاد الدستوري 1984.

أما نسبة المشاركة التي بلغت أزيد من 52% حسب ما أعلن عنه وزير الداخلية، وما رافق ذلك من ابتهاج مصطنع وتهليل لما تحقق من إنجاز، ليس له من تفسير سوى الإفلاس والبحث عن أي إنجاز في أي موقع ولو كان وهميا، على غرار امرأة عصف بها ألم الهجران فقررت إغلاق الباب والدخول إلى غرفتها كي تبدأ بارتداء فساتينها القديمة الجميلة درءا للوحشة ولاسترجاع ذكرى أيامها الخوالي.

لقد أدركت هتلر الهزائم من كل صوب في آخر مطافه، ورغم ذلك خرج من مخبئه ليقيم حفلا بعيد ميلاده السادس والخمسين، لكنه لم يجد أمامه إلا احتفالا متواضعا يحرسه جنود صغار من الأطفال والمراهقين الذين مازالوا يؤمنون بعظمته جاؤوا توا يدافعون عن عاصمة بلادهم وعن قائدهم الذي ظهر بقبعة غطس رأسه فيها، فلم يعد يرى من وجهه سوى عينيه، وكان يرتدي معطفا عسكريا مواريا يده اليسرى وراء ظهره كي يخفي ارتجافة غير مسيطر عليها، مجبرا وجهه على ارتجال ابتسامة أشبه بترميم متأخر ومستعجل لمظهر آيل إلى التداعي” 3 .


[1] سلسة الشرق العدد 1 ص 68.\
[2] سلسة الشرق العدد 1 ص 68.\
[3] رياض رمزي – الدكتاتور فنانا ص 41.\