أولا – تقديم

نقف إن شاء الله في في هذا التقديم على دلالة العنوان وعلاقته بالنص، ونسوق لذلك الإشارات التالية:

1 ـ في الإمامة توق وطموح وتطلع إلى الانعتاق وإلحاح على تجاوز التبعية والانقياد. وإضافة هذا المعنى إلى الأمة يوحي بأن هذه الأخيرة مشدودة إلى واقع خامل جامد لا مجال فيه للقيادة والانعتاق، واقع متثاقل يشد بأبنائها إليه شدا، إن لم نقل أنه يلقي بكلكله عليهم فلا سبيل لديهم للنهوض أو الانفلات منه.

من داخل هذا المشهد يطلع العنوان متحديا راسما أفقا للانعتاق والخلاص تجيب عن شروطه وكيفيته فصول الكتاب الأحد عشر.

2 ـ الإمامة المقصودة إمامة جماعية مقصدها جمع جسم الأمة على الطليعة المجاهدة والرابطة الإسلامية الموثوق بها، والإمامة الفردية فيها (النموذج والقدوة) منصهرة مع السواد الأعظم تقاسمه حياته اليومية، إمامة جد وكد ومخالطة لا إمامة وصاية.

3 ـ الأمة المتحدث عنها في الكتاب شقان: أمة استجابة، استجابت لنداء الإسلام، اجتمعت فيها الفئة الصادقة مع السواد الأعظم من المسلمين المفتونين في دينهم القابلين للانعتاق والتحرر، ومعهما تندس وتعيش الفئة المنافقة المتخاذلة التي لا تأخذ من الإسلام إلا الغطاء. أما الشق الثاني فهي أمة الدعوة التي تندرج فيها الإنسانية جمعاء هدفا للدعوة المحمدية مصداقا لقوله تعالى: وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا.

من داخل هذا المشهد المنكسر المشتت الذي لا يكاد يستقيم جزء منه ـ فبالأحرى أن يستقيم كليا أو أن ينجمع ـ تنتصب الأسئلة الجوهرية متحدية كل مشكك: كيف يمكن لهذه الأمة أن تنهض من سبات وتحيا من موات؟ وكيف تتحقق لها الريادة والزعامة مع ما يعني ذلك من إثبات للذات داخليا وخارجيا وسط إعصار الفتنة وحصار الظلمة؟

أسئلة مشفوعة بأجوبة الهدف منها توجيه الانتباه إلى الممكن، وتجاوز لحظة التشكيك أو الاستغراب أو الإنكار التي ترهن التطلعات في زاوية المستحيل..

ثانيا- جولة في فصول الكتاب

ينطلق الكتاب في عملية فحص دقيق ونقد بناء لواقع الأمة وما ينبغي أن يكون عليه حالها متخذا مرجعا لذلك ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته وصلحاء الأمة في علاقتهم الاجتماعية والتربوية مع عامة المسلمين، معرجا على قضايا أساسية في مسيرة النهوض (تعليم ـ إعلام ـ اجتهاد…) ليصل في الفصل الحادي عشر إلى ما ينبغي أن تكون عليه أمة الاستجابة في علاقاتها الخارجية مع المستضعفين من أمة الدعوة والاستكبار العالمي على حد سواء.

ولتقريب الكتاب إلى ذهن القارئ نجمل فصوله الأحد عشر في أربع واجهات تقوم عليها إمامة الأمة وقيادتها وخلاصها من الموروث الذي رهنها وركنها في زاوية الانحطاط على جميع المستويات.

الواجهة الأولى: تربية تستهدف المجتمع

إن أحوج ما تحتاج إليه الأمة هو زرع بذور الثقة بين أفرادها، وإعادة اللحمة إلى جسمها المتفكك. وهذا لن يتأتى إلا بالرجوع إلى الميزان الإلهي في تقييم الناس على اختلاف ألوانهم وأحوالهم إن أكرمكم عند الله أتقاكم بحيث يُقطع الطريق على النخبوية الدنيوية والطبقية الاجتماعية كيفما كانت، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين : ” عندما نقول “لا طبقية في الإسلام” نعني بالضبط أن محو الطبقية هدفٌ إسلامي. فليستَقِرَّ في ذهننا أن فتنةَ هذا الزمان أضافت إلى العصبيات القبلية القومية العتيقة، وهي تقسيماتٌ عموديةٌ عتيقة، تقسيما آخر أفُقِيّاً يرفع الشَّرِسِينَ، والحاذِقين، والماكرين، والوصوليين، والأوباش، أعلى السلم الاجتماعيِّ، ويضعُ المحرومين من العاملين، والفلاَّحين، والعَجَزَة، والعاطلين، أسفلَ السلم الفتنويِّ. هذا واقعٌ رديء ويزداد رداءة. والإسلام مع المستضعفين دائما حتى يفيء الناس إلى أمر الله، وهو العدل والإحسان ” 1 .

إن المحك لكل هذا هو مدى استعداد من تربع على عرش منزلة من منازل الدنيا الفانية علم أو حكم أو ثروة أو ما عداها من الموازين الأهوائية (نسبة إلى الهوى) إلى النزول والاختلاط بالشعب والاستماع إلى نبضه وهمومه، وفتح الأبواب أمام حاجاته، وغشيان منتدياته، كل ذلك وهو يستحضر هم الدعوة إلى الله والانجماع عليها والرجوع بالناس إلى أصول الدين، واستنهاضهم ضد الفساد، إعدادا لهم من أجل المشاركة الجماعية في التغيير المنشود. ويضرب الأستاذ ياسين نموذجا لذلك : ” فلئن كان العالم الداعي قبلَنا يغشَى الأسواق ويخالطُ الناس ليفقههم في أحكام البيوع وآداب السلوك وفرائض العبادات، فإن الداعيَ منا يجب أن يُضيف إلى ذلك، بل أن يضيف ذلك إلى، الإشعار بأن شريعةَ الله تنكر التفقير، واحتقارَ الناس وظلمَهم، كما تُنكر الكفر والفسوق والعصيان. يجب أن نعلم العامة أن الإسلام قومةٌ على الفساد والكفر والظلم والفسق، كلُّها في قَرَن واحِدٍ. يجب أن نَصُوغَ من الاستعداد الخَيِّرِ الذي في عامة المسلمين أداةً ماضية لإبطال الباطل وتحقيق الحق. حتى إذا آن أوانُ القومة وجدنا على الحق مساعدا قويا، وظهيرا شديدا ” 2 .

في مخالطة الأمة وغشيان مجالات حياتها مد لجسور التواصل، ومخاطبة لروح الإسلام المدفون في أعماق قلبها، حتى تحيا من جديد، شرط أن يتم ذلك معها جنبا لجنب لا وصاية عليها.

هذه المخالطة يُرجى أن تحرك الأمة من خمولها الفكري والجسدي والروحي، تقودها الطليعة المجاهدة، تنشد بها إشراك السواد الأعظم من الأمة في البناء، إذ ” أن تحريك الساكن، وإيقاظَ الوسنان، وشحْذَ الكالِّ من الهِمم، يتطلب حركة دائمة، ونشاطا موفورا. حركةَ أجسام، وحركةَ فكر، وحركةَ عواطف، تتناسق لتُحْيِيَ وقتَ العامة النائمَ في الأحلام، المضطربَ بالتوافِه، ولتخاطِب الحواسَّ، وتستفِزَّ الفكر، وتَنْهَض بالإرادة البليدة. حركةَ أجسام، وترتيب لِقاءات وتجمعات، وعَقْدَ عهود تربط الجماهير بعجلة الحركة. وفي مراحل تهييء القومة لا يمكن هذا على مرأى ومسمع من المتربصين. لكنْ بعد القومة يجب أن يملأ الإسلام سمْعَ الدنيا وبصرها، يجب أنْ ترتفع كلمتُه، وتُنْشَرَ أعلامُه، ويُستعرَض شبابُه غُدُوّاً وعَشيا. يجب أن تكون الجنديةُ وتحفُّزُها كلمةَ الساعة، ومطمَحَ النشيط، ومَنْشَطَ الكاسل، ومُقِيم القاعد، وحامِلَ الكَلِّ إلى جلائل الأعمال. هذا وظيفها الحركيُّ التربوي المُنَشط، ووظيفُها الغائيُّ حشد جهود السواد الأعظم لإنجاز مهمات البناء، للإنتاج، للتغيير، بالعمل الدؤوب المُصِرُّ. جندية جهاد، لا جندية لعب واستعراض. وإن كان الاستعراض في حد ذاته دعوة بالمثال لا تُعَوَّضُ ” 3 .

كل ذلك في رفق ورحمة ولين مع الجدية والصرامة واللاتهاون في التنفيذ بعيدا عن الصلابة والاغترار.. خيار واستعداد لا يقوم به إلا الرجال العظام المنتدبون للمسؤوليات العظيمة: إعادة بناء الأمة من جديد، رجال من أهل القرآن يتوفر فيهم مجموع مقبول من السابقة في طريق الدعوة إلى الله مشفوعا بالرحمة على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه الحق سبحانه: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين.

تربية اجتماعية وبناء مجتمعي جديد الهدف منه انتشال الأمة من أوباء وأمراض نخرت جسمها ممثلة في الأنانيات المستعلية، والخمول القاتل، والأهواء العبثية، والانقياد لتيارات الانحلال والتفسخ، أو لشطحات الجهل والخرافة، وما إلى ذلك من المنزلقات التي رمت بها في مهاوي التردي الاجتماعي، والهزيمة النفسية مع ما تعنيه من غياب الثقة في الذات والمؤهلات.

فبالمعاشرة والاحتكاك والتغلغل، وبالتعبئة والتنظيم واليقظة والشهود، وبالجندية المتوثبة مشفوعة بخلق التواضع والرحمة يُعاد بناء أركان بيت الأمة الاجتماعي المنهار، وتأثيث فضائه، وتزيينه ليكون مبتغى ومأوى للتائهين.

الواجهة الثانية: التربية الفردية والسلوك إلى الله

يُذكر الأستاذ عبد السلام ياسين بالتكريم الإلهي للإنسان: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر، منبها أيضا إلى الغاية التي من أجلها خُلق الإنسان في قوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. وعليه فإذا كان الواجب هو تحقيق العبودية لله عز وجل فإن أهم حق وأعلاه وأسماه أن تُضمن له كرامته الآدمية: : ” وخُلق ابن آدم للكرامة عند الله إن لم تستعبده شهواته، ولم تفتنه الدنيا ” 4 بحيث يصبح ” حق الإنسان في التحرر من كل هذا الذي يصرفه عن ربه، يلهيه عن مصيره إليه في دار البقاء، هو مجمع حقوقه في الإسلام ومدارها ” 5 .

تربية الإنسان على هذا الحق سلوك تصحيحي، ينبني أساسا عل إعادة الترتيب الصحيح القاضي بتبعية العقل للقلب بناء على ما تقتضيه الفطرة، وأي خلل بعد ذلك يؤدي إلى الفساد، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين : “…ما وعى الإيمانَ إلا قلوبُ المومنين. والعقل إذ ذاك تابع خاضع، يسمع ويتعلم، ويتلقى الأوامر فيترجمها عملا.

الترتيبُ الفطري للإنسان يرفع القلبَ إلى مقام الإمارة، ويجعل العقل وزيرا له، والحواسَّ خَدَمَةً. فإذا فسدت الفطرة تأمَّرَ العقل، وتمرد على القلب ومعانيه، وهذا فساد العقل الفلسفي العبثي. فإن فسدت الفطرةُ الفسادَ التاليَ للفساد الأول، المُلازمَ له، الناتِجَ عنه، تأمَّر الهوى بشهواته، وسخَّر العقل لأغراضه، وطرد معاني القلب ” 6 .

إن تربية الإنسان الفرد قائم أساسا على ملاءمة الفطرة، ” والمعنى القرآنيُّ يعطيها مدلول استواء الخِلقة الباطنية للإنسان، المجبولةِ على الإيمان بالله جل وعلا ومعرفته. فمعنى سلامةِ الفطرة سلامةُ هذه الخلقة الباطنية، المعبَّرِ عنها بالقلب، واستعدادُها لتلقي الإيمان بالله عز وجل وبغيبه، وكفاءتُها لمعرفته سبحانه وتعالى على ما يتجلى لها ويعلمها ” 7 .

بين يدي ذلك يطرح الأستاذ عبد السلام ياسين أسئلة منهضة محرجة في وجه كل من حملقت عينه أو ارتاب قلبه أو حجم عقله 8 كلما تم الحديث عن معرفة الله والسلوك إليه : ” فهل من مرجع إلى السنة المحمدية الجامعة بين الجهاد الأكبر جهادِ النفس، وبين الجهاد الأوسع جهادِ نُصرة الله في الأرض؟ “المجاهد من جاهد نفسه” كما جاء في الحديث النبوي، فهل من سبيل لتتويج جهاد النفس بجهاد يُحيي الأمة ويمكن لدين الله في الأرض؟

هل من الممكن أن نخوض معارك إقامة الدولة الإسلاميَّة دون أن يفوتَنا السلوكُ إلى الله جل وعلا ومعرفته والتقرب إليه؟” 9 .

ويضيف محفزا: “تعال أذكُرْ لك حديث القلب علَّ الله عز وجل يجعلها كلمة غيث تصيب قلبا ناشفا متعطشا فتحصل في ميزاني ألقى الله بك في صحيفتي. فإنما يكتُب أمثالُنا إن كتبوا، ويتحدثون إن تحدثوا، لتبليغ كلمة الدعوة إلى الله، والسعي على بابه، واللحاق بأحبابه” 10 .

إن يقظة القلب، وانتشال النفس من بئر الغفلة، ورفع الهمة، وتحقيق التوبة الانقلابية تكون وتتحقق بصحبة رجل عارف بالله، ولي لله مرب مرشد. ويسوق الأستاذ عبد السلام ياسين في الباب نماذج من أقوال العلماء العارفين: قال أبو حامد الغزالي: ” فاعلم أنه ينبغي للسالك شيخ مرشد مرب ليُخرج الأخلاق السيئة منه بتربيته، ويجعل مكانها خلقا حسنا ” 11 . ويقول الشيخ عبد القادر رحمه الله: “اصحبوا شيخا عالما بحكم الله عز وجل وعلمه، يدلكم عليه. من لا يَرَى المفلحَ لا يُفلح. من لا يَصْحَبُ العلماءَ العُمَّالَ فهو من نَبْضِ التراب. لا دليلَ له لا أُمَّ له! اصحبوا من له صحبة مع الحق عز وجل. كلُّ واحد منكم إذا جنَّه الليل فليَقُمْ وليتوضأ وليُصَلِّ ركعتين ويقُلْ: يا رَبِّ دُلَّني على عبد من عبادك الصالحين المقرَّبين، حتى يدُلَّني عليك، ويعرفني طريقك ” 12 .

تربية قلبية للفرد صحبة ولي مرشد لكن في إطار جماعة مؤمنة مجاهدة، ناهضة، منهضة للهمم نحو التغيير الشامل بإذن الله.

الواجهة الثالثة: واجهة تدبير الشأن العام للمسلمين

ونميز في هذه الواجهة بين أربع قضايا حساسة في حياة الأمة، عرض لها الكتاب في فصول خاصة بكل واحدة منها:

القضية الأولى: التربية والتعليم

إن الرهان الذي يخطط له مهندسو التربية والتعليم في أي بلد هو أن يكون منتجا مربحا لأن عليه مدار التنمية والتطور، فما معيار الربح والفوز في رهان التعليم بين يدي التغيير المنشود ؟ يقول الأستاذ عبد السلام ياسين : ” في دولة القرآن ينبغي أن يُحْسَبُ ربحُ الأمة وفوزُها بحساب من فيها من العلماء العاملين المحسنين أصحاب القلوب النيرة. ثم بعد ذلك يُحْسَبُ من معها من رجال الخبرة العملية. فإن اجتمعت في الرجل الواحد كفاءتا القلب والعقل، كفاءتا الإيمان والعلم فذاك هو المطلوب: أقوياء أمناء ” 13 . وفي مسيرة إعداد أطر التعليم ينبغي إنزال كل صنف من العلماء منزلتهم، وإعادة الاعتبار لمن تم إقصاؤه وتهميشه عبر قرون العض والجبر لأن الأمة في حاجة ماسة إلى كل تلك الأصناف ليستقيم أمرها وتنجمع قوتها: ” في دولة القرآن نحتاج إلى علماءَ مجتهدين في الشريعة، نحتاجُ إلى قضاة فقهاء، نحتاج إلى مُفتين نزهاء، نحتاج إلى مهندسين خبراء، نحتاج إلى تقنيين صانعين، نحتاج إلى أطباء لعلاج الأجسام. لكن حاجتَنا إلى أطبَّاءِ النفوس، إلى الربانيين رجال الدعوة، إلى اختصاصيين في أمراض القلوب المعنوية لا تقل عن تلك الحاجات. وكما أُهْمِلَ علماءُ الشريعة، وأُنْزلوا إلى مراتبِ الأعوان في دول العض والجبر، أُقْصِيَ الربانيون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، القائمون بالقسط، العارفون بالله، عن الساحة ” 14 .

وتبعا لهذا الرهان وتماشيا معه يرى الأستاذ عبد السلام ياسين ضرورة إعادة ترتيب وتنظيم مجال التربية والتعليم بحيث يُعاد لهؤلاء قيمتهم في سلم التربية ما داموا قائمين على أشرف أنواع العلم : ربط الإنسان بالله عز وجل :” إن شَرَفَ العلم بِشَرَفِ المعلوم. فإن كانت مجتمعاتُ الكفار والغافلين تمَجِّدُ وتعظم وترفع إلى مراتب القيادة والتعليم والتربية حاملي الشهادات في علوم الأفكار، والحيوان، والنبات، والجماد، ونواميس الكون، وقواعد السياسة والاقتصاد، فإنَّ أمة محمد صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تُشَرِّفَ وتُصَدِّرَ وتُعَظِّمَ حاملي العلم الشريف: حملة القرآن والسنة، وجهابذة الفقه والاجتهاد، وعلى رأس هؤلاء جميعا الربانيون العارفون بالله عز وجل ” 15 .

وإذا كان هذا واجبا ضمن الأولويات في حق القائمين عل التربية والتعليم، فإن ثاني هذه الواجبات هو تطهير مجال التربية والتعليم، وأسلمته وتحريره تدريجيا من الدخلاء على الأمة، ولذلك: ” يجب إدخالُ الجامعة والمعهد والمدرسة إلى الإسلام، بكلمة شهادة تُثْبِتُ هُوِيَّتَها الإسلامية. يجب أن تكون أجهزةُ التربية والتعليم محاضِنَ للتربية الإيمانية في الاعتبار الأول، وأن تُبْسَط يدُ الدعوة فيها بسطا كاملا على مستوى وضع البرامج، وتأليف الكتب، والإدارة، والتفتيش، ورعايةِ النشء، وضمِّه لأُسَرِ الجماعة، وتهييئه لقيادة الأمة. ينبغي أن نسير إلى هدف تطهير أجهزة التربية والتعليم من جراثيم الإلحاد، وإلى اعتبار الإيمان مؤهلا أساسيا في اختيار المعلمين والأساتذة ورجال الإدارة. هدفٌ نرمي عليه عبر مراحل لا نستطيع فيها الاستغناء عن ذوي الكفاآت العلمية من الأجانب لحما ودما وجنسية، أو الأجانب عقيدة وفكرا من بني جلدتنا المتقرنجين ” 16 .

وفي نفس السياق يعرض الأستاذ عبد السلام ياسين لأمور حساسة تُسهم في تحقيق نقلة نوعية في مجال التربية والتعلينم نذكر منها :

ـ استقلالية التعليم.

ـ ربط التعليم بالقرآن.

ـ تعليم عام ودائم في حلق المساجد.

ـ إعداد البناة والخبراء.

ـ إعادة الاعتبار للغة العربية.

ـ التربية الجمالية.

وغير ذلك كثير من القضايا المتطرق إليها بإسهاب، والتي ينبغي الرجوع إليها في هذا الفصل وتتبعها في مسارها حتى تُفهم فهما صحيحا بالشروط الواردة في سياقها.

القضية الثانية: الإعلام :

لايجادل أحد في الدور الذي يضطلع به الإعلام في توجيه الرأي العام والتأثير عليه وتعبئة الجماهير. ومن ثم كان واجبا على الدعاة في الحركة الإسلامية أن يلجوا هذا الباب ليتواصلوا مع الأمة، وليتدافعوا مع غيرهم ممن يريد تهديم قيم الأمة، على استقطاب العقول وكسب القلوب وتوجيهها لمعسكره: معسكر التربية والذوق السليم والمنفعة العامة، مقابل معسكر الإغراء والتمييع والتلوث والمنفعة الخاصة.وفي طريق ذلك لابد من إعادة تنظيم مجال الإعلام في دولة القرآن تجاوزا للتلوث الإعلامي الذي أصبح سائدا. وبين يدي ذلك يطرح الأستاذ عبد السلام ياسين مجموعة أسئلة ناقدة في طريق تدبير هذا المجال وتأهيله ليصبح نافعا للبلاد والعباد: ” ألا يمكن تأسيسُ نظام صحافة لا يَطْعَنُ في الأعراض، ولا يُماري ولا يداري، ولا يُمَوِّه الحق؟ ألا يمكن إيجادُ إذاعة مرئية ومسموعة لا تبلد الحسَّ، ولا تمسخ الفكر، ولا تُضِلُّ النفس؟ ألا يمكن ضبطُ مواعيدِ الإذاعة، وصرفُ الناس عن مغناطيسيتها ليتفرغوا للعمل المنتج؟ فإنه لا بد للمومن من وقت ينصرف فيه إلى ربِّه، ومن وقت يقضي فيه حوائج أهله، ومن وقت لنفسه وزَوْرِه وكسبه. فإذا تدخلت مواعيدُ التلفزيون، وبرامجُ الكرة اختل النظام، وتكدرت الأوقات، وتشوش قَضاءُ الحقوق ” 17 .

بعد ذلك يتطرق الأستاذ عبد السلام ياسين إلى قضايا حساسة تُعد من أساسيات الإعلام، مرتبطة بالجانب التربوي الدعوي ( تحبير القرآن ) أو الفني ( الشعرـ الموسيقى ) أو الجانب السياسي ( الإعلام والسياسة ) أو الجانب الاقتصادي ( إعلام التبذير ). ويخصصها برؤية نقدية بناءة الهدف منها تخليص هذا المجال وأسلمته ليكون نافعا للأمة.

القضية الثالثة = الاجتهاد :

لا يُشكك أحد في أن الاجتهاد هو البوابة المثلى لتكييف الحياة ومستجداتها مع مقاصد الشريعة الإسلامية، اجتهاد دائم مستمر، لا ينقطع، قبل الوصول إلى الحكم وبعده مادامت الحياة متحولة متطورة باستمرار.. إلا أن الفارق بين المرحلتين هو أن ينصب الاجتهاد في مرحلة ما قبل الوصول إلى الحكم على الكليات، في حين يُطلق الاجتهاد في الجزئيات عند تسلم زمام الأمور وليس قبله ليُتاح له إمكانية التطبيق : ” وعلى هذا يكون أبُ الاجتهاد وأمُّه هو اجتهادٌ يوصلُنا إلى الحكم. إذ على كوننا حكاما يترتب حقُّنا في الاجتهاد، وتترتب إمكانيَّةُ تطبيق ما نجتهدُ ونستنبط. فلو جمعنا من الاجتهاد الفرعي أسفارا، ووضعنا لكل سؤال أجوبة على الورق، وكان الحكم في يد غيرنا لكان ما في أسفارنا وأوراقنا بمثابة الهباء المنثور، والعبث المقهور” 18 .

وفي ذات السياق يؤكد الأستاذ عبد السلام ياسين على أنه في مجال الاجتهاد ينبغي في كل الأحوال مراعاة واستحضار ثلاثة أركان لابد منها في أي سياسة شرعية ( اجتهاد مطلوب ) ألا وهي قداسة النص، وحكمة العقل، وإيمان القلب. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين : ” النصوص الإسلاميَّةُ بين أيدينا، والعقولُ متفاوتةٌ في فهمها، وإرادةُ الخير ثَجَّاجَةٌ في الصدور. فما يجمعُ بين قداسةِ النص، وحكمة العقل، وإيمان القلب ليصنع من لقاء هذه الأركان الثلاثة منهاجَ عمل قابلاً للتنفيذ هو الاجتهاد المطلوب، هو السياسة الشرعية ” 19 . وبعد أن يشدد على ثبوثية النصوص وحرية البحث عن المصلحة العامة ووسائل تحقيقها في إطار تلك النصوص، ثم يلحقه بوصف الحال الذي توجد عليه الأمة والتطور السريع الذي يسير عليه ركب الإنسانية. يعرج بعد كل ذلك على أصناف الاجتهاد الثلاثة: ”

لا يخلو حدَث من الأحداث التي تُعْرَضُ على الاجتهاد أن يَنْضَوِيَ تحتَ أحد ثلاثة أصناف:

1- ما جاء فيه نص صريح، وفَعَلَهُ أو أمرَ به أو أقرَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلا مجال هنا لاجتهاد المجتهد إلا من حيثُ تطبيقُ النص على واقع تغيَّر شكله عن شكل الحياة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. فإن لم يتغير، بأن كان متعلقا بالأعمال العبادية الفردية، فلا مجال للاجتهاد أصلا.

2- ما لم يجئ به نص خاص. فالاجتهاد في إدراج الحَدَثِ الطارئ تحت النصوص الكلية العامة. وهذا شأنُ التنظيم السياسي في الإسلام، وهيكلةِ الدولة، وترتيبِ الشورى، وكلِّ هذه المشاكل المستجَدَّة المرتبطة باختراعات الإنسان كحوادث السير، أو المرتبطة بالنظام الاقتصادي المعاصر كالنفط والنقد، أو المرتبطة بالسياسة المعاصرة كهيمنة الاستكبار العالمي المرتكزةِ القاعدةِ على “توازن الرعب” النوويِّ.

3- ما وردت فيه نصوص متعددة متناقضة في ظاهرها، أو خفية المقصود. فالاجتهاد فيها للتثبت من صحة النصوص، ومعرفةِ السابق منها واللاحق، والناسخ والمنسوخ ” 20 .

بعد ذلك يتساءل الأستاذ عبد السلام ياسين عمن له الحق في الاجتهاد ؟ فيبين أن الاجتهاد في زماننا هذا ينبغي أن يكون جماعيا: ” أما اليومَ، ورغمَ تيسير مصادر الحديث نتيجة لخدماتِ سلفنا الصالح رضي الله عنهم، فإن الاجتهادَ لهذه النوازل المشتبكة لن تستطيع النهوضَ به إلا جماعة منظمة من العلماء ذوي الاختصاصات المتعددة.وإلى جانب المفسر المحدث، والأصولي الناظر، والفقيه المتخصص، لا بد من خبراءَ في جميع مجالات الحياة ليساعدوا رجال الشريعة على تحقيق مناط الأحكام، وابتنائها بالصيغ الصالحة للتطبيق بما يؤدي للمصلحة” 21 .

وينبغي أن يجتمع في هذا الاجتهاد ويتحقق هدفان ساميان من أصول الدين: الشورى والإيمان : ” روى الطبراني رحمه الله في الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال علي: يا رسول الله ! أرأيت إن عَرَضَ لنا أمرٌ لم ينـزل فيه القرآن، ولم تمض فيه سنة منك؟ قال صلى الله عليه وسلم: “تجعلونه شورى بين العابدين من المومنين، ولا تقضُونه برأيِ خاصَّةٍ”. وأخرج في الأوسط بسند صحيح عن علي رضي الله عنه قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن نزل بنا أمرٌ ليس فيه بيان أمر ولا نهي فما تأمرنا؟ فقال: “تشاوروا الفقهاء والعابدين ولا تجعلونه برأي خاصة”.

هذان الحديثان الشريفان يخصصان الشورى فيما لم يجئ فيه نص. لكنَّ منطوقَ الحديثين ومفهومهما يعطيان أصلين عظيمين: أولهما أن الاجتهاد يكون شورى، والثاني أن شورى الاجتهاد تكون بين فقهاءَ عابدين. شرطان: العلم والإيمان ” 22 .

قبل كل ذلك وأثناءه يتحتم على من ينتصب للفتوى والاجتهاد أن يتوجه إلى الله الموفق المسدد سبحانه عز وجل كتب الإمام ابن القيم رحمه الله :” ينبغي للمفتي الموفَّق إذا نزلت به المسألةُ أن ينبعث من قلبه الافتقارُ الحقيقي، لا العِلميُّ المجرد، إلى مُلهم الصواب، ومُعَلم الخير، وهادي القلوب، أن يُلهمه الصواب، ويفتح له طريق السداد، ويدلَّه على حكمه الذي شرعه في هذه المسألة. فمتى قرع هذا الباب فقد قرع باب التوفيق…وشهدتُ شيخ الإسلام (ابن تيمية) قدس الله روحه إذا أعيته المسائل، واستصعبت عليه، فرَّ منها إلى التوبة والاستغفار والاستغاثة بالله واللجَإ إليه، واستنـزال الصواب من عنده، والاستفتاح من خزائن رحمته. فقلما يلبث المَدَدُ الإلهي أن يتتابع عليه مَدا، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيتهن يبدأ” 23 القضية الرابعة: تدبير الاختلاف :

من رحمة هذا الدين أن ترك الباب مفتوحا للاجتهاد فيما لم يرد فيه نص من الكتاب والسنة.ومن نتائج ذلك أن يحصل الاختلاف بين الأفراد والجماعات تبعا لزوايا النظر ولنوع المنطلقات. ويظل هذا الاختلاف محمودا ما دام في القليل، فإذا تحول إلى الاختلاف الكثير أصبح مذموما، لأنه ناشئ عن تعصب : ” ينشأ الاختلاف القليل، عن التفاوت في الفهم والاطلاع، وهو اختلاف طبيعيٌّ مقبول بين العلماء إن أحسنوا أن يقولوا ويطبقوا كلمة حكيم الدعوة الأستاذ حسن البنا رحمه الله حين قال:”نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويَعْذر بعضُنا بعضا فيما اختلفنا فيه”. وهي كلمة مروية عن علمائنا من قبله رحمهم الله جميعا.

أما الاختلاف الكثير الذي تشير إليه الآية فهو الناشئ في قلوب العباد كما قال ابن المنكدر رحمه الله. هو الاختلاف الذي ينشِبُ بين أنانيتين، كلٌّ منهما تتعَصّب لرأيها، وترى غيرَه خطأ محْضا، وتتهيأ كل منهما لحروبِ الجدل” 24 .

وحتى لا يتحول الاختلاف إلى خلاف ينبغي الحسم فيه برده إلى أولي الأمر العلماء العاملين العابدين، فإن ظل الاختلاف قائما يؤخذ بعزمة الإمام، وبينهما الوقاية التربوية أساس قائم، أما غير ذلك كاللجوء إلى الحلول الوسطى أو الأخذ بالأغلبية أو الإجراء التنظيمي ففيه ما فيه : “لا بد أن يكونَ في تنظيم الدعوة والدولة ترتيبٌ لحسم الخلاف قبل أن تستشري نارُه. هذا الترتيبُ ينحصر في نقطتين:

– ردُّ الاختلاف إلى أولي الأمر العلماءِ، إلى مجلس متخصص في الاجتهاد.

– عزمة الإمام إن لم يحصُل إجماع، وخِيفَ أن يتفاحش الجدلُ، أو تتعطل مصالح الأمة.

هذان ترتيبان نظاميان لسد الثغرات أمامَ السيل قبل أن يندفع. لكنَّ الوقايةَ التربوية هي أساسُ هذا الأمر. فلا الحلولُ الوسطى بين آراءٍ متعارضة يَصْلُحُ لنا، ولا الأخذُ بالأغلبية العددية، ولا الإجراءُ التنظيمي. لأنَّ الحلول الوسطى عادة حلول باهتة تصالُحية ملفَّقَة، ولأنَّ الأغلبية العددية لا تعني الصواب في الرأي، ولأنَّ الإجراء التنظيمي آخِرُ الدواء كالكي المؤلم ” 25 .

ويعدد الأستاذ عبد السلام ياسين مظاهر الاختلاف فيقف على خطرها على الأمة، ويسوق لذلك نماذج من الاختلاف المدمر:

1 + الخلاف في الكليات العقائدية : نقمة وضلال نتيجة الاختلافات المذهبية.

+ 2 الجماعات الاختلافية : ظواهر مؤلمة، وخطر على الدعوة وتشويش عليها : ” من الظواهر المُؤلمة في صفوف الدعوة تباري بعض الشباب في التصدي لمسائل الفقه، مع قلة البضاعة، وعرامة الهوى، وحيويَّة الأنانية التي تُثير أولَ ما تثير المسائلَ الخلافية. يقال لهذا الشبابِ قبل أن يستقيم لسانُه بالعربية، وقبل أن تَتَطَهَّر نَفسُهمن أسباب تعصبُّها الأعمى، وقبل أن يستنير العقل بنور الإيمان والعلم: لو كان معك المصحف والصحيحان وكتب السنن لما احتجت إلى أحد تقلده ولا يلبث أن يكثر المجتهدون، لا سيما في جزئيات الأمور، في عدد درج المنبر، وفي قراءة الكهف يوم الجمعة، وفي تحريك الأصبع في التشهد، وفي القبض والسدل، وما شابه.

وعلى هامش الدعوة تتفرع فرق الاختلاف، وتتوالد، وتتسلسل، وتُشَوِّش على الدعوة أيما تشويش، بل تُعَرِّضها للمخاطر بما تُعطي للحكومات من فُرص لقمع الدعوة، وبما تُشيعه بين المسلمين من الشك والتشكيك والنفور من شباب عنيف ملتح يكفر الناس ” 26 .

3 + التنطع، ومن مظاهره :

– “التشدُّد. وحقيقته اختيارُ عبادات شاقة لم يأمر بها الشارعُ كدوام الصيام والقيام والتبتل، وتركِ التزوج.

– “اتباعُ الإجماع. وحقيقتُه أن يتفق قوم من حملة الملة الذين اعتقد فيهم العامةُ الإصابةَ غالبا أو دائما على شيء. فيظنُّ أن ذلك دليلٌ قاطعٌ على ثبوت الحكم. وذلك فيما ليس له أصل من الكتاب والسنة. وهذا غيرُ الإجماع الذي أجمعت الأمة عليه، فإنهم اتفقوا على القول بالإجماع الذي مستندُه الكتاب والسنة أو الاستنباط من أحدهما. (قلت: معناه اتباع رأي من الآراء ظهر لسبب وقتي فتسابق إليه الناس وتعصبوا له وحصروا الحق في دائرته).

– “تقليد غير المعصومِ، أعني غيرَ النبي الذي ثبتت عصمتُه. وحقيقتُه أن يجتهد واحدٌ من علماء الأمة في مسألة، فيظنَّ متبعوه أنه على الإصابة قطعا أو غالبا، فيردوا به حديثا صحيحا. وهذا التقليد غيرُ ما اتفقت عليه الأمة المرحومة” 27 .

4 + حب الظهور والرياسة، ولو على حساب المروءة والدين.

وإذا كان واقع الأمة في راهنها كما كان منذ ثلاثة عقود مضت ـ تاريخ تأليف الكتاب ـ واقع خلاف واختلاف، فما السبيل للعلاج من هذا الداء العضال؟

يقترح الأستاذ عبد السلام ياسين مدخلين للعلاج:

* ترك الخلاف لتأليف القلوب : ” إن التعامل مع المتنطّعين في مراحل إعداد القومة ينبغي أن يَتَّسِمَ بكثير من الرفق حفاظا على جهودنا أن تتبعثر في الجَدلِ العقيم ” 28 .

* كف الأمة عن الخلاف : ” إن جمع كلمة الأمة وائتلافَ قلوبها، وتقريبَ آرائها، لَشُروطٌ ضروريَّةٌ لإقامة الملة وتقوية الدولة. فلا تقِلُّ ضرورةُ ذلك عن ضرورة تقريب الفَجَوات فيما يتعلق بقِسمة الأرزاق. وكما يجب على دولة القرآن أن تُدْمِجَ فئات المجتمع دمْجاً اقتصاديا بتسوية فُرَصِ العمل والكسب، وبإنصاف العامل والأجير، وبإعطاء المالِك مكانَتَه في المجتمع الإسلاميِّ بلا شَطَطٍ، فكذلك يجب الدمجُ المذهبيُّ والتعايش السلمي بين الآراء والتفاهم والتعاون ليتحد الناس ماديا ومعنويا. وليس المخربون الاقتصاديون بأحقَّ بإنكارنا من المخربين المتنطعين في الدين”. 29

الواجهة الرابعة: انفتاح أمة الاستجابة على أمة الدعوة

إن مكانة دولة القرآن في المجتمع الدولي هو قيادة المستضعفين، مقدمته الطليعة المجاهدة التي تقود أمة الاستجابة وتجندها للنهوض ـ ضمن ما تنهض له ـ قصد قيادة المستضعفين في الأرض: ” تتمكن الطليعةُ المجاهدة من إمامة أمة الاستجابة وتُجَنِّدُها، وتقودُها، وتربيها، وترفعها إلى كرامتها الآدمية، وتحررُها فكرا ومعاشا، وتُحييها بحياة المشاركة في تدبير أمرها، تآمُراً بالمعروف وتناهيا عن المنكر، وشورى، وتنفيذا. بعدئذ تنهض الأمة المسلمة كلها وقد توحدت، لإمامة المستضعفين في الأرض، وهم بنو الإنسان، من كان منهم يعيش في بلاد الاستكبار أو في دار الإذلال والاستعمار والإفقار ” 30 .

بين يدي ذلك ترنو دولة القرآن إلى التحالف مع مستضعفي الأرض ضد الاستكبار العالمي، لأن ذلك هو مكانها الطبيعي في الاصطفاف والتموقع مسايرة لمقاصد الدين. وعليها بعد ذلك مهمات كالجبال في مواجهة هذا الاستكبار الطاغي، نذكر بعض ما ورد منها في الكتاب :

1 + إعادة توزيع الأرزاق : ” كانوا ( في إشارة إلى الفاتحين الأولين ) يحملون هم الأرملة والذرية، يسهرون على تقسيم الأرزاق وإعادة توزيعها من بلد غني إلى بلد فقير، لكيلا يكون أحدٌ كَلاًّ على المسلمين. ذلك لأنَّ الكَلَّ، وهو العاجزُ عن الكسب، يَلْزَمُ الدولةَ الإسلاميَّةَ أن تسُدَّ نفقاته مهما كان دينهُ. فمِن أهَمِّ واجباتنا كفالة كل مستضعف ” 31 .

2+ الوفاء بالعهود: ” لن نكون إن شاء الله إلا كما كان الأولون أهلَ وفاءٍ ونجدة وثقة. وما نجده من أعراف دولية، وقوانين تضمن حقوق الإنسان والشعوبِ، وما نُبْرِمُ من اتفاقيات، فلَنْ يزداد ما يتضمنه من مروءة وخير إلا شدة واستحكاما بمساندتنا ووفائنا، لا سيما الوفاء للمستضعفين في الأرض، والأمانُ للخائفين، والكَفالةُ لكل ذي عَيْلَةٍ” 32 .

3+ حماية المستضعفين على نهج الخلفاء الراشدين: ” كتب علي رضي الله عنه في عهده للأشتر رحمه الله يوصي بالطبقة المستضعفة، قال: “ثُم اللهَ اللهَ في الطبقة السُّفْلَى من الذين لا حيلةَ لهم، والمساكين، والمحتاجين، وأهلِ البُؤْسَي والزَّمْنَى ! فإن في هذه الطبقةِ قانعا ومُعْتَرّاً (السائلُ باللسان والمحتاج الذي يستحيي أن يتسول).واحفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم. واجعل لهم قِسما من بيت مالك، وقِسما من غلات صوافي الإسلام في كل بلد (الصوافي هي أراضي الدولة). فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدْنَى” 33 .

4+ إدارة وترويض الاستكبار العالمي : ” إن دخول دولة القرآن في الساحة لا نريده أن يكون عامل مزيد في الفوضى والقرصنة في العلاقات الدُّولية. فليس من صالح الدعوة الإسلامية، وهي الوظيفة العليا لدولة القرآن، أن يزداد العنفُ، وغمطُ الحقوق، وظلمُ العباد. بل يُصْلِحُها أن يسودَ الاستقرارُ والسَّلمُ ورعايةُ المصالح المشروعة لكل الدول، بإدخال الدولِ الكبرى التي يجب أن نساهم في الضغط عليها بكل وُسعنا، والثورةِ عليها إن اقتضى الحال، لينشأ جوُّ الصداقة والإنصاف بين بني الإنسان، ذلك الجو الضروري لازدهار الدعوة “. 34

ثالثا- خاتمة وتعليق

وبعد كانت تلك جولة في فصول الكتاب حاولت التعريج على أهم المعالم الواردة فيه. وللقارئ فسحة في ثنايا الكتاب للوقوف عليها في سياقها حتى ينكشف له الغموض وتتجلى لديه تفاصيل المشروع..

لكن ونحن نأتي على نهاية هذه النزهة الفكرية التنظيرية التي ترسم خريطة الخلاص لمستقبل الأمة، لابد من إبداء الإشارات التالية :

1 ـ إن الهم الأساسي الحاضر في الكتاب هو هم الارتباط بالله عز وجل ومعرفته حق المعرفة.. هو نشدان التوبة الانقلابية، التي هي أساس التغيير : ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ” باعتبار أن النفس المشدودة إلى الدنيا وفتنتها هي السبب فيما وصلت إليه الأمة من ترد وانحطاط.

2 ـ وردت في الكتاب صيغة ” نا ” الدالة على الجمع، وهي إشارة إلى الخلاص الجماعي الذي ينبغي أن نؤمن به، فالمشروع ليس قضية الأستاذ عبد السلام ياسين وحده أو قضية جماعة العدل والإحسان، بل هي قضية الأمة بأسرها، وفي مقدمتها الطليعة المجاهدة من أبناء الحركة الإسلامية المندوب إليها تأسيس الرابطة الإسلامية وقيادة السواد الأعظم من الأمة بمعية ومصاحبة، لا بوصاية وإملاء من فوق.

3 ـ بين الخلاص الفردي ( معرفة الله ) وانتشال النفس من بئر الغفلة، والخلاص الجماعي ( إنقاذ الأمة من مهاوي التردي ) يتجلى البعد التجديدي المتكامل في المشروع، فلا هو إسلام فكري مجرد، ولا هو إسلام حركي جاف، ولا فكرة طائشة هنا وهناك تردد أن ” الإسلام هو الحل ” دون قومة حقيقية للتغيير ما بالنفس وما بالأمة.

4 ـ قيمة الكتاب تتجلى في كونه يرسم خطة استراتيجية وبعدا مستقبليا لما ينبغي أن تكون عليه الأمة.. ولم تزد العقود الثلاثة التي مرت على تأليفه الخطابَ والأفكار الواردة فيه إلا قوة ومصداقية.. وكم من الكتب اُلفت بعده من قبل مفكرين مرهونين بزمانهم درسَت معالمُها وعفا عنها الزمان.

5 ـ قد يقول قائل: وأين الشأن الاقتصادي الذي عليه مدار حاضر ومستقبل الإنسانية ؟ فنقول:إن الكتاب كما ورد في مقدمته جزء من مشروع كبير تحت عنوان ” دولة القرآن “، وقد كان الأستاذ عبد السلام ياسين قد أفرد لهذا المجال كتابا خاصا تحت عنوان ” في الاقتصاد : البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية ” إلى جانب ثلاثة كتب أخرى مراجعة ومنتقدة ومؤسسة لمعالم دولة القرآن.

6 ـ أخيرا نقول مع المؤلف حفظه الله :

“…مهمة دعوة القرآن ودولة القرآن أن تغير كل هذا البؤس الأسود، والموت الأصفر، بسعادة الجهاد، وحياة الهجرة المتحركة ظاهرا وباطنا نحو موعود الله. الدنيا غِلابٌ فلا نامت أعينُ الجبناء الدنيا حركة وتجديد ونشاط دائب، فلا أمِنَ الخاملون الدنيا منافسة اقتصادية تكنولوجية، فلا عاش الجهَلَةُ العالَة المتكفِّفون! الدنيا صِراع وحيلة ومدافعة بالتي هي أحسن تارة والتي هي أخشنُ إن اقتضى الحال،فلا كان الحالمون المثاليون العاجزون المستقبل للكتل البشرية الكثيرة العدد، المنظمة الدولة، الموحدة الاقتصاد، المسلحة بالعلم والصناعة، وبالنَّاب والمِخْلَبِ والذَّرة، فقاتل الله التمزق والغثائية والوهْنَ، وتطفل الصنائع على موائد السادة الدنيا دار الكسب والاختبار والعبور لدار البقاء، فحيى الله أهل الإيمان، أهل الهجرة والجهاد ” 35 .

والحمد لله رب العالمين.


[1] إمامة الأمة، ص : 17. \
[2] نفسه، ص : 31. \
[3] نفسه، ص : 47. \
[4] إمامة الأمة، ص : 97.\
[5] نفسه، ص : 98. \
[6] نفسه، ص : 125. \
[7] نفسه، ص : 127. \
[8] نفسه، ص : 129 ـ 130. \
[9] نفسه، ص: 130. \
[10] نفسه، ص : 132. \
[11] أبو حامد الغزالي، أيها الولد المحب، ص : 63. \
[12] الشيخ عبد القادر الجيلاني ـ الفتح الرباني، المجلس 61. \
[13] إمامة الأمة، ص : 151 ـ 152. \
[14] نفسه، ص : 152 ـ 153. \
[15] نفسه، ص : 155. \
[16] نفسه، ص: 156 ـ 157. \
[17] نفسه، ص : 196. \
[18] نفسه، ص : 214. \
[19] نفسه، ص : 216. \
[20] نفسه، ص : 234 ـ 235. \
[21] نفسه، ص : 237 ـ 238. \
[22] نفسه، ص : 240 ـ 241. \
[23] إعلام الموقعين، ج 4 ـ ص ك 172. \
[24] إمامة الأمة، ص : 246. \
[25] نفسه، ص : 248. \
[26] نفسه، ص : 251 ـ 252. \
[27] ولي الله الدهلوي ـ الحجة البالغة ـ ج1، ص : 119 وما بعدها. \
[28] إمامة الأمة، ص : 257. \
[29] نفسه، ص:258. \
[30] نفسه، ص: 261. \
[31] نفسه، ص: 269. \
[32] نفسه، ص : 270 ـ 271. \
[33] نهج البلاغة، ج 2، ص : 141 وما بعدها. \
[34] إمامة الأمة، ص : 274. \
[35] نفسه، ص : 92.\